ضياء أبو معارج الدراجي
“خلّونا نعيش”… عبارةٌ ما فتئنا نسمعها حتى ملأت الأسماع، يرددها كثيرون، ولا سيما بعض من يطالبون الشيعة بالتنازل والصمت بحجة التعايش. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل كان التنازل يومًا سببًا لأن يترككم خصومكم تعيشون؟
لو كان الأمر كذلك، لكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أول من عاش آمنًا بين قومه. فقد جاءهم بالهدى ليخرجهم من الظلمات إلى النور، فكان جزاؤه أن انشغلوا بالصراع على السلطة بعد تسميمه، وتركوا جسده الشريف حتى تولى ابن عمه ووارث علمه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام غسله وتكفينه ودفنه.
ولم يكن أمير المؤمنين طالب سلطان، بل اعتزل القوم بعد انقلابهم على وصايا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومع ذلك لم يتركوه وشأنه. أصروا على انتزاع البيعة منه، فلما رفض، اعتدوا على بيت النبوة، واغتصبوا حق فاطمة الزهراء عليها السلام، حتى انتهى الأمر باستشهادها وهي بنت رسول الله وسيدة نساء العالمين. ومع كل ذلك بقي صابرًا، لكنهم لم يتركوه حتى وهو معتزل.
ثم لما أفسد الحكام أمر الأمة، وانقلب الناس عليهم وقتلوهم، عادوا إلى الإمام علي عليه السلام يرجونه أن يتولى الحكم. رفض مرارًا، فلما قبل تحت إلحاح المسلمين، لم يمنحوه فرصة لبناء دولة العدل التي حلم بها رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، بل جرّوه من معركة إلى أخرى؛ الجمل، ثم صفين، ثم النهروان، حتى ختموا عداءهم باغتياله وهو قائم بين يدي الله في محراب الصلاة.
ولما انتقلت الإمامة إلى الإمام الحسن عليه السلام، لم يكفوا عن حربه حتى اضطر إلى الصلح حفاظًا على دماء المسلمين. ومع ذلك لم يتركوه، فاغتالوه بالسم.
ثم جاء الدور على الإمام الحسين عليه السلام، فلاحقوه من المدينة إلى مكة حتى انتهى به المطاف في كربلاء، حيث ارتكبوا الجريمة التي هزت ضمير الإنسانية، فقتلوه مع أهل بيته وأصحابه، ولم يراعوا حرمة رسول الله في سبطه.
وهكذا كان مصير كل إمام من أئمة أهل البيت عليهم السلام؛ قتل أو سجن أو تسميم أو مطاردة، حتى غاب الإمام المهدي عليه السلام بأمر الله تعالى.
لكن العداء لم يتوقف عند الأئمة، بل امتد إلى شيعتهم. فأصبحت الصلاة على نهج أهل البيت تهمة، والبكاء على الحسين جريمة، وإحياء عاشوراء حربًا على السلطة في نظر من عادوهم. هُدمت المراقد، وقُتل الزائرون، وقُطعت أطرافهم، وسالت الدماء على طرقات الزيارة قرونًا طويلة، فقط لأنهم قالوا: إننا نتبع أهل بيت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم.
ثم جاء العصر الحديث، فإذا بالمشهد يعيد نفسه بصورة أخرى حتى سقط اخر نظام لهم على يد امريكا.
بعد عام 2003، لم يقبل المتطرفون أن يتولى الشيعة إدارة الدولة، فاندلعت الحروب الطائفية، وقطعت الرؤوس، وسُبيت النساء، وفُجرت المراقد، واستُبيحت المدن، واستمرت محاولات إسقاط الحكم بكل الوسائل قتل فساد مالي واداري حرق ودفن اموال الدولة مؤمرات خارجية وداخلية، وكأن التاريخ يرفض أن يغادر صفحاته القديمة.
واليوم يخرج من يقول لنا: “خلّونا نعيش”. لكن متى تركوكم تعيشون؟ هل تركوا رسول الله؟ هل تركوا عليًا؟ هل تركوا الحسن؟ هل تركوا الحسين؟ هل تركوا الأئمة من بعدهم؟ وهل تركوا شيعتهم عبر القرون؟
ولو عاد الحكم إليهم، فهل سيتركون الشيعة وشأنهم؟ أم ستعود الحسينيات لتُتهم بأنها أوكار مؤامرة، والشعائر بأنها تمرد، والمجالس بأنها تحريض، وتعود معها فتاوى التكفير واستباحة الدماء والأموال والأعراض، ليُخيَّر الناس مرة أخرى بين ترك عقيدتهم أو دفع ثمن التمسك بها؟
إن من لا يقرأ التاريخ، سيظل يصدق أن المشكلة تُحل بالتنازل. أما من يقرأه جيدًا، فيدرك أن التنازل لم يكن يومًا ضمانة للأمان، وأن السلام لا يُمنح لمن يتخلى عن كرامته، بل يُنتزع بحفظ الحقوق وصون الهوية.
لسنا دعاة حرب، لكننا نؤمن أن الحياة بلا كرامة ذل، وأن العيش بلا عقيدة ضياع، وأن السلام الذي يُبنى على الاستسلام ليس سلامًا، بل هدنة مؤقتة تسبق جولة جديدة من الاضطهاد.
فلا يوجد عيشٌ بلا كرامة، ولا كرامة بلا عقيدة، ولا عقيدة تُصان من دون استعداد للدفاع عنها.
ضياء ابو معارج الدراجي