المولد النبوي ميلاد الرسالة وميلاد الصمود
صفاء المتوكل
في الثاني عشر من ربيع الأول لا تحتفل اليمن بتاريخ مضى.بل تحتفل اليمن بمشروع لم ينتهي بعد. مشروع بدأ في غار حراء واستمر في شوارع صنعاء وتعز والحديدة وإب. مشروع اسمه العدل، واسمه الرحمة، واسمه أن لا يركع الإنسان إلا لله.
منذ أن وصف النبي ﷺ أهل اليمن بالإيمان والحكمة لم تكن الكلمات مجاملة. كانت وصفاً لحالة ستبقى. فاليمنيون أول من حملوا الإسلام إلى خارج الجزيرة، وأول من نصروا الدعوة حين تخلى عنها القريب، وأول من فهموا أن الدين ليس طقوساً في المسجد بل أخلاقاً في السوق ومعاملة في البيت وموقفاً في وجه الظالم.
ولهذا حين يأتي المولد النبوي في اليمن لا يمر كذكرى عابرة. يأتي كاختبار. اختبار للذاكرة واختبار للهوية الايمانيه واختبار للصبر.
اليوم وبعد ألف وأربعمائة وسبع وأربعين سنة على الميلاد، يعيش اليمن نفس الظروف التي عاشها أصحاب الدعوة الأولى. حصار مطبق منذ عام 2015. عشر سنوات كاملة واليمن محاصر براً وبحراً وجواً. عشر سنوات والوقود يمنع، والدواء يتأخر، والغذاء يسعر، والمطارات تغلق، والموانئ تضرب. عشر سنوات والأم تدور في السوق تبحث عن كيس دقيق، والمريض يموت على سرير الانتظار لأنه لم يستطع السفر للعلاج، والطالب يذاكر على ضوء شمعة انقطعت عنها الكهرباء.
هذا ليس حصاراً اقتصادياً فقط. هذا حصار يراد به كسر الإرادة. يراد به أن ينسى اليمني من هو. أن يبيع دينه بلقمة وأن يبيع كرامته بأمان زائف.
لكن الذي حدث كان العكس تماماً. فكلما اشتد الحصار عاد الناس إلى المولد. وكلما ضاقت المعيشة اتسعت مجالس السيرة. لأن اليمني قرأ التاريخ ففهمه. تذكر شعب أبي طالب حين حوصر النبي ﷺ وأصحابه ثلاث سنوات، يأكلون ورق الشجر، وتقطعت بهم السبل ومع ذلك لم يتراجعوا شبراً عن دينهم. فقال لنفسه: إن كانوا قد صبروا على الجوع من أجل لا إله إلا الله ومن اجل اعلى كلمته الحق أفلا أصبر أنا؟
هنا يصبح الاحتفال بالمولد في اليمن فعل مقاومة. ليس مقاومة بالسلاح وحده، بل مقاومة بالوعي. عندما يخرج الملايين في ميدان السبعين وفي كل ساحة من ساحات اليمن في ذكرى المولد فهم لا يخرجون للأناشيد فقط. يخرجون ليقولوا للعالم: نحن ما زلنا أمة محمد. جوعتمونا عشر سنوات ولم نركع، فكيف نركع اليوم؟ قطعتم عنا الدواء ولم نمد أيدينا لغير الله فكيف نستسلم الآن؟
تحول المولد إلى منظومة تكافل. في وقت الحصار صارت موائد المولد إطعاماً للجائع، وصارت كسوة المولد ستراً لليتيم، وصارت دروس السيرة مدرسة لتربية جيل لا يعرف الهزيمة. المحتل أراد أن يمسح الهوية الايمانيه فجاء الرد بيمني يرفع راية “لبيك يا رسول الله” في وجه الحصار. أرادوا أن ينسينا سيرة النبي فجعلنا من ذكرى ميلاده أكبر تجمع بشري سنوي على وجه الأرض.
السر في هذا كله ليس في الإمكانيات. السر في المنهج. النبي ﷺ ومنهج ال بيته لم ينتصر بكثرة العدد ولا بوفرة المال. انتصر بمبدأ. انتصر بأنه زرع في أصحابه أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين. وأن النصر صبر ساعة. وأن الظلم مهما طال فهو إلى زوال. وهذا بالضبط ما يعيشه اليمني اليوم. يرى الجوع فيرى الصبر ويرى القصف فيرى الثبات ويرى التضييق فيرى في المقابل سعة في الإيمان.
يخافون من المولد في اليمن لأنه يفضحهم. لأنه يذكر الناس أن هناك شعباً قرأ قوله تعالى “وكان حقاً علينا نصر المؤمنين” فصدقه. قرأ “ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين” فعاشها. قرأ سيرة رجل خرج من شعب محاصر ليبني أمة فقال: ونحن سنخرج من هذا الحصار لنبني وطناً.
الاحتفال الحقي بالمولد ليس في الزينة. الاحتفال الحقي أن تسأل نفسك كل عام وأنت تحيي الذكرى: ماذا غيرت فيّ سيرة محمد؟ هل صرت أرحم؟ هل صرت أعدل؟ هل صرت أكثر صبراً على الحق؟
اليمن اليوم تجيب عن هذا السؤال بدمها وبجوعها وبصبرها. تقول: نعم غيرتنا. جعلتنا لا نبيع، ولا نستسلم، ولا ننسى.
المولد النبوي في اليمن ليس عودة إلى الماضي. هو إعادة إنتاج الماضي في الحاضر. هو إثبات أن مدرسة محمد ﷺ ما زالت مفتوحة، وما زالت تخرج رجالاً يقولون للظالم: لا. حتى لو متنا جوعاً.
فطوبى لأرض احتفلت بميلاد النبي، ثم عاشت ميلاداً جديداً من الصمود.
# كاتبات_وإعلاميات_المسيرة