استقرار استلام الرواتب وسُلَّم الرواتب الجديد منهج أصلاح لبناء مستدام
✍️ محمد فخري المولى
تصدّر منصات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام مؤخراً خبران متزامنان؛
أولهما التأخر في صرف رواتب الموظفين،
ثانيهما التحركات الجادة والمضّي نحو إقرار سلم رواتب جديد بدعم مباشر من رئيس الوزراء.
إذ ننظر كمختصين إلى هذه التحركات بروح إيجابية متفائلة،
حيث ندرك أن أي خطوة لتغيير واقع حال شريحة واسعة من المجتمع هي خطوة جوهرية لتغيير الملامح الاقتصادية والاجتماعية لآلاف الأسر.
لكن وما ادراك ما لكن
يبقى السؤال الحاضر في الشارع والنخبوي على حد سواء: ما الأسباب الحقيقية وراء تذبذب وتأخر الرواتب؟ وما الفلسفة التي يرتكز عليها سلم الرواتب الجديد؟
الأهم من ذلك،
أين تيجه منهج التغيير المجتمعي والبناء مستدام؟
الرواتب ليست مجرد مبالغ مالية تُصرف نهاية كل شهر
بل تمثل أحد أهم أدوات الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي،
وتمثل ركيزة لبناء إدارة حكومية كفوءة وعادلة
لذلك فإن نجاح أي مشروع إصلاحي لا يقاس بحجم الزيادة في الرواتب
بل بقدرته على تأسيس نظام مستدام يحقق العدالة ويعزز الكفاءة والإنتاجية،
لا يخفى أن العراق يواجه ضغوطاً مالية ناجمة عن تذبذب الإيرادات النفطية وارتفاع الإنفاق العام،
وغياب أدارة رشيدة ذكية بحوكمة فاعلة
لكن المشكلة الأعمق تتمثل في غياب فلسفة موحدة لإدارة الخدمة العامة وفي استمرار التفاوت الكبير بين رواتب ومخصصات موظفي الدولة
رغم خضوعهم جميعاً لمنظومة حكومية واحدة.
منذ عام ٢٠٠٩ وخلال عملي على مشروع قانون الخدمة التربوية
كانت نقطة الانطلاق
هي البحث عن العدالة الوظيفية بعد ملاحظة الفوارق الكبيرة بين الوزارات في الرواتب والامتيازات
وقد تطور المشروع من دراسة أكاديمية إلى رؤية إصلاحية شاركت في مناقشتها مؤسسات تربوية وأكاديمية وأمنية، بهدف الوصول إلى تصور شامل لمنظومة الخدمة العامة في العراق
بمشروع تشريع تحت قبة البرلمان
خلال تلك التجربة اتضح أن المشكلة ليست في قيمة الراتب وحدها
بل في تعدد سلالم الرواتب واختلاف المخصصات وغياب معايير موحدة تربط الحقوق بالواجبات وتحقق الرضا والمساواة بين الموظفين.
العراق بحاجة إلى قانون موحد للخدمة العامة، حيث يكون سُلَّم الرواتب أحد أهم أركانه ويتكامل مع قانون التقاعد لأن الموظف الحالي هو متقاعد المستقبل،
ولا يمكن تحقيق العدالة في أحد القانونين بمعزل عن الآخر.
كما ينبغي أن يستند أي سُلَّم جديد إلى أسس واضحة، في مقدمتها
سنوات الخدمة، والمؤهل العلمي، وطبيعة المسؤولية الوظيفية، مع مراعاة الأبعاد الاجتماعية والمهنية (اامخصصات) وفق ضوابط قانونية عادلة
أما الترفبعات والعلاوات فيجب أن تكون من اركان السلم المرتبط بالكفاءة والأداء والإنجاز لا بالتباين بين المؤسسات.
الإصلاح الحقيقي لا ينفصل عن إصلاح سوق العمل
فقد أدى غياب الرؤية خلال السنوات الماضية إلى تضخم الطلب على الوظيفة الحكومية مقابل القطاع الخاص والمختلط بتراجع الزراعة والصناعة واتساع الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات الاقتصاد الوطني كما ساهم ذلك في زيادة البطالة المقنعة وفي عزوف كثير من الشباب عن العمل المنتج بحثاً عن وظيفة حكومية أكثر استقراراً.
من هنا، فإن استقرار تسليم الرواتب وسُلَّم الرواتب ليس قضية تخص الموظفين وحدهم
بل هو جزء من مشروع وطني لإعادة تنظيم سوق العمل وتحقيق التوازن بين القطاع العام والمختلط والخاص
الأهم رفع الإنتاجية وتعزيز ثقة المواطن بمؤسسات الدولة.
يبقى السؤال الذي ينبغي أن يسبق إقرار أي سُلَّم جديد:
هل المطلوب معالجة أزمة مالية مؤقتة، أم بناء منظومة إدارية عادلة تمتد آثارها لعقود؟
التجارب الناجحة في الإدارة العامة تؤكد أن العدالة الوظيفية
تبدأ من وضوح التشريع ووحدة المعايير وربط الحوافز بالإنتاج لا بكثرة الاستثناءات أو تعدد الامتيازات والمخصصات.
العراق اليوم أحوج ما يكون إلى هذه الرؤية، لأنها تمثل أساس الإصلاح الإداري وتنعكس مباشرة على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
إن بناء الدولة لا يتحقق بقرارات مالية متفرقة،
بل بفلسفة واضحة لإدارة الخدمة العامة، التي تجعل من الوظيفة وسيلة لخدمة الوطن والمواطن
باعتبار العدالة الوظيفية أساساً لبناء مجتمع أكثر استقراراً وإنصافاً.
لعل اللحظة الراهنة تمثل فرصة حقيقية لإطلاق حوار وطني
حول فلسفة سُلَّم الرواتب
بحيث لا يقتصر على معالجة الواقع الحالي،
بل يؤسس لمنظومة خدمة عامة قادرة على تلبية احتياجات الدولة والمجتمع خلال العقود المقبلة
فالإصلاح الحقيقي يبدأ من الفكر ثم يتحول إلى تشريع ثم إلى ممارسة تحقق العدالة والكفاءة معاً.
الخلاصة
لو تمعن صُناع القرار والجهات التي طرحت سلم الرواتب الجديد كل هذه الأبعاد لصياغة منهج بناء مستدام،
الانطلاق في هذا الملف يجب أن يرتكز على منهجية ونظرية واضحة تعكس إدراكاً حقيقياً للأخطاء المتراكمة في البناء الإداري منذ التغيير وحتى اليوم
لإن غياب الفلسفة والرؤية الواضحة لسلم الرواتب سيفقدنا بوصلة البناء والتغيير، وسينعكس سلباً على هيكل القوى العاملة (عام، مختلط، خاص)، ولن يثمر إلا عن استمرار غياب الأمان الوظيفي والمجتمعي بفقدان الرضا والطموح،
وهو تماماً ما نعيشه في الوقت الراهن.
تقديري واعتزازي
✍️ #محمد_فخري_المولى
مجموعة #العراق_بين_جيلين
الاعلامية
https://chat.whatsapp.com/DtjHYeyTo88KMHz0xya7OI?s=cl&p=a&mlu=4
https://chat.whatsapp.com/DtjHYeyTo88KMHz0xya7OI?s=cl&p=a&mlu=4