الطائفية لا تُهزم بالهرب منها… بل بتفكيكها ومواجهتها

رياض سعد

ليست محاربة الطائفية أن نهرب من الحديث عنها، ولا أن نقفز فوقها متظاهرين بأنها غير موجودة، ولا أن نضعها تحت السجادة ثم نزعم أننا طوينا صفحتها… ,  فالمرض الاجتماعي لا يزول بمجرد إنكار وجوده، والجرح لا يلتئم لأننا امتنعنا عن النظر إليه.

إن محاربة الطائفية تبدأ من مواجهتها وتشريح بنيتها وتفكيك عناصرها وملاحقة أدواتها وخطاباتها ومصادر تغذيتها؛ لأن الطائفية ليست مجرد كلمة تُقال، ولا موقفاً عابراً ينتهي بانتهاء صاحبه، وإنما هي منظومة من الأفكار والمخاوف والصور النمطية والأحكام المسبقة، قد تتداخل فيها السياسة بالدين، والتاريخ بالنفس، والإعلام بالمصالح، والذاكرة الجماعية بالصراعات الحديثة.

ومن هنا، فإن الكلام في تشريح الطائفية **ليس طائفية بالضرورة**، كما أن الحديث عن العنصرية ليس عنصرية، والبحث في الإرهاب ليس إرهاباً، وتشخيص الفساد ليس فساداً… ,  إنما يصبح النقد طائفياً حين يتحول من نقد الظاهرة إلى ازدراء أتباعها، ومن محاسبة الفكرة إلى إدانة الناس على أساس انتمائهم، ومن تفكيك السلوك إلى إصدار أحكام جماعية على الملايين.

وهذه هي النقطة التي ينبغي أن نتوقف عندها طويلاً.

فأنا أعجب أشد العجب من تلك الحملات التي تستهدف الشيعة، وخصوصاً حين يتحول النقد السياسي أو الديني أو الفكري إلى **تسقيط جماعي لطائفة كاملة**، أو حين يُعامل ملايين البشر وكأنهم كتلة واحدة لا اختلاف فيها ولا تنوع ولا اجتهاد ولا تعدد في المواقف والرؤى.

والأشد إثارة للاستغراب أن بعض هذه الخطابات لا تصدر دائماً عن عوام الناس أو الدهماء، وإنما تجد طريقها أحياناً إلى صفحات من يقدمون أنفسهم بوصفهم مثقفين، أو أكاديميين، أو سياسيين، أو إعلاميين، أو أصحاب مشاريع فكرية تدّعي العقلانية والليبرالية والعلمانية والحياد.

وهنا تصبح المسألة أكثر خطورة؛ لأن الطائفية حين تخرج من فم الجاهل قد تكون جهلاً، أما حين ترتدي معطف الثقافة وتجلس على كرسي الأكاديمية أو المنبر الإعلامي، فإنها تتحول إلى **خطاب قابل للتأثير وصناعة الوعي وتزييف الحقائق**.

# من بوست على «فيسبوك» إلى محاكمة ملايين البشر

كنت أتصفح صفحات «فيسبوك»، فإذا بي أجد منشوراً لأحد الأشخاص يقول إنه تقدم للدراسات العليا، وكان يريد أن يكتب أطروحة دكتوراه عن الشيعة، لكن أستاذه الفرنسي نهاه عن ذلك، ونُسب إلى الأستاذ كلام شديد القسوة في وصف التراث الشيعي، ثم انتقل صاحب المنشور إلى شتائم وإهانات مرتبطة بصورة سياسية وإعلامية متداولة.

واليكم نص كلامه : ((الله يذكرك بالخير يا استاذي الفرنسي الذي رفضت ان اكتب رسالة دكتوراه عن الشيعة وقلت ان تراثهم عبارة عن مجموعة اكاذيب ستضيع وقتك وتحتاج إلى عشر سنوات لتفنيدها. .. الحوثيين يستخدمون صورة النائب العراقي فائق الشيخ علي باعتباره لواء سعودي قتل في مأرب باليمن…  الله يلعن أبو ربكم. … ))

وهنا لا تعنيني صحة الرواية من عدمها بقدر ما يعنيني **المنطق الذي بُني عليها**.

فلنفترض جدلاً أن أستاذاً فرنسياً قال هذا الكلام فعلاً.. ,  ولنفترض أن بعض الكتب أو الروايات أو المرويات في التراث الشيعي تحتاج إلى نقد وتمحيص ومراجعة، وهذا أمر طبيعي في دراسة أي تراث ديني أو تاريخي.. ,  ولنفترض أيضاً أن جهة سياسية أو إعلامية محسوبة على جماعة معينة نشرت خبراً كاذباً أو أخطأت في التعريف بشخصية عراقية أو تاريخية أو غيرها .

فما علاقة ذلك بملايين الشيعة في العالم؟

هل يمكن لعاقل أن ينتقل من **خطأ فرد أو جماعة أو مؤسسة أو حزب** إلى إدانة طائفة دينية وشريحة اجتماعية كبيرة بأكملها؟

وهل يمكن أن نضع المسلمين جميعاً في قفص الاتهام لأن مسلماً ارتكب جريمة؟

وهل يصح أن نحاكم السنة جميعاً بجرائم جماعات إرهابية رفعت شعارات سنية؟

وهل يصح أن نحاكم الشيعة جميعاً بسلوك فصيل سياسي أو إعلامي أو عسكري ينتمي إليهم؟

وهل يجوز أن نحاكم المسيحيين بجرائم ارتكبها مسيحي؟

وهل نحاكم اليهود جميعاً بسياسات حكومة إسرائيل؟

إن قبول هذا المنطق يعني أن يتحول العالم كله إلى محكمة جماعية، وأن يصبح الإنسان مسؤولاً عن فعل شخص لم يلتقِ به، ولا يعرفه، ولا يؤمن بأفكاره.

وهذا هو **جوهر التفكير الطائفي**: إلغاء الفرد، وتحويله إلى مجرد ممثل قسري لجماعة ينتمي إليها.

# الطائفية تبدأ حين يموت الفرد وتحيا الصورة النمطية

الطائفي لا يرى الإنسان أولاً، بل يرى هويته.

لا يسأل: ماذا قال هذا الرجل؟

بل يسأل: من أي طائفة هو؟

لا يناقش الفكرة، بل يبحث عن هوية صاحبها.

لا يرد على الحجة، بل يستدعي تاريخ الجماعة كلها ليضعه في مواجهة شخص واحد.

وهكذا تتحول الطائفة إلى **سجن فكري**، يصبح فيه كل فرد مسؤولاً عن كل ما قاله أو فعله أي فرد آخر ينتمي إلى الطائفة نفسها.

ومن هنا يولد التعميم، والتعميم هو أحد أخطر أسلحة الطائفية... ؛ فإذا ارتكب شيعي جريمة، قال الطائفي: «هؤلاء الشيعة»... ؛ وإذا ارتكب سني جريمة، قال طائفي آخر: «هؤلاء السنة»... ؛ وإذا أخطأ عربي، قيل: «العرب»... ؛ وإذا أخطأ كردي، قيل: «الأكراد»... , وإذا أخطأ رجل دين، أُدين الدين... ؛ وإذا أخطأ سياسي، أُدينت الطائفة التي ينتمي إليها.

وبهذه الطريقة تنتقل الجريمة من صاحبها إلى جماعته، ثم تنتقل من الجماعة إلى التاريخ، ثم من التاريخ إلى الأحياء الذين لا علاقة لهم بالجريمة أصلاً.

وهذه ليست عدالة، وإنما **طائفية مكتملة الأركان**.

# أخطر الطائفيين ليس دائماً من يعترف بطائفيته

ومن المفارقات أن بعض أكثر الخطابات طائفية هي تلك التي تبدأ بالقول: «أنا علماني»، أو «أنا ليبرالي»، أو «أنا لست طائفيا »... ؛ فالانتماء الفكري لا يمنح صاحبه حصانة أخلاقية من الوقوع في الطائفية.

يمكن للإنسان أن يكون علمانياً وطائفياً، وليبرالياً وطائفياً، يسارياً وطائفياً، قومياً وطائفياً، بل ويمكن أن يكون صاحب خطاب حقوقي وهو يمارس التمييز ضد جماعة دينية أو قومية أو اجتماعية.

فالطائفية ليست دائماً في اللافتة التي يرفعها الإنسان، وإنما في **الطريقة التي ينظر بها إلى الآخر**... ؛ فقد يتحدث شخص عن المواطنة طوال النهار، ثم ينهار مفهوم المواطنة عند أول خلاف مذهبي... ؛ وقد يدافع عن الحريات، ثم يصبح مستعداً لسلب ملايين البشر حقهم في الكرامة لمجرد اختلافهم في المذهب... ؛ وقد يتحدث عن العقلانية، ثم يبني حكمه على منشور مجهول المصدر... ؛ وقد يطالب بنبذ الكراهية، ثم يطلق شتائم جماعية بحق أتباع دين أو مذهب... ؛ وهنا نكون أمام طائفية أكثر خطراً من الطائفية الصريحة؛ لأنها **طائفية متخفية خلف شعارات مضادة لها**.

# العراق ليس فكرة طارئة ولا طائفة عابرة

وتزداد حساسية المسألة في العراق؛ لأن الشيعة ليسوا جماعة وافدة على التاريخ العراقي، ولا ظاهرة حديثة يمكن اختزالها في حزب سياسي أو دولة إقليمية.

إن الحديث عن الشيعة في العراق يستلزم التمييز بين **الانتماء المذهبي وبين المواقف السياسية للأحزاب والجماعات والدول**.

فالشيعي العراقي ليس بالضرورة ممثلاً لحزب شيعي، وليس كل حزب شيعي ممثلاً لكل الشيعة، وليس كل موقف تتخذه دولة ذات غالبية شيعية موقفاً شيعياً، كما أن مواقف الحكومات أو الأحزاب ذات الخلفية السنية لا يمكن تحميلها لكل السنة.

وهذه قاعدة عقلية وأخلاقية ينبغي أن تسري على الجميع.

فالعراقي الشيعي مواطن قبل أن يكون تابعاً لحزب، والعراقي السني مواطن قبل أن يكون تابعاً لجماعة، والعراقي الكردي مواطن قبل أن يكون تابعاً لحزب، والعراقي المسيحي مواطن قبل أن يكون تابعاً لمؤسسة دينية.

والوطن لا يُبنى بتجريد الناس من هوياتهم، وإنما ببناء دولة تجعل الهوية الوطنية إطاراً جامعاً للهويات الفرعية.

ولهذا فإن الدفاع عن شيعة العراق، أو عن سنة العراق، أو عن مسيحييه أو إيزيديه أو صابئته أو تركمانه، لا ينبغي أن يكون دفاعاً طائفياً عن طائفة ضد أخرى، وإنما دفاعاً عن حق المواطن في ألا يُدان بجريمة لم يرتكبها، وألا يُهان بسبب هوية لم يخترها، وألا يتحول انتماؤه الديني إلى تهمة سياسية.

# لا نحارب الطائفية بطائفية مضادة

وهنا ينبغي أن نكون أكثر صرامة مع أنفسنا.

فإذا كنا نرفض أن يقول أحد: «كل الشيعة كذا»، فعلينا أيضاً أن نرفض أن نقول: «كل السنة كذا».

وإذا رفضنا تحميل الشيعة جرائم بعض الجماعات، فعلينا أن نرفض تحميل السنة جرائم الجماعات الإرهابية.

وإذا رفضنا ربط المواطن الشيعي بسياسة دولة أجنبية لمجرد مذهبه، فعلينا أن نرفض ربط المواطن السني بسياسة دولة عربية أو إقليمية لمجرد مذهبه... ؛ فالعدالة لا تتجزأ.

ومن أخطر الأخطاء التي تقع فيها بعض الخطابات المناهضة للطائفية أنها تتحول، من حيث لا تشعر، إلى **طائفية معكوسة**؛ فتبدأ بنقد التمييز وتنتهي بإنتاج تمييز جديد، وتبدأ بالدفاع عن جماعة مضطهدة وتنتهي بإدانة جماعة أخرى.

وهكذا ندور في الحلقة ذاتها.

طائفي يكرهك لأنك شيعي.

فترد عليه بكره السنة... ؛ فيأتي طائفي آخر ليستخدم ردك دليلاً على صحة كراهيته... ؛ ثم يأتي ثالث ليرد عليه.

وهكذا يصبح الجميع أسرى لآلة واحدة، وإن اختلفت الشعارات.

# الطائفية مرض في الوعي قبل أن تكون خلافاً في المذهب

إن أخطر ما في الطائفية أنها لا تعيش فقط في المؤسسات والجماعات، بل تسكن في **الوعي الفردي**.

إنها ذاكرة انتقائية، وخوف متراكم، وإحساس بالتهديد، ورغبة في الانتقام، وحاجة نفسية إلى تحميل الآخر مسؤولية كل ما حدث.

الطائفي لا يريد دائماً أن يعرف الحقيقة؛ أحياناً يريد فقط ما يؤكد الصورة التي يحملها مسبقاً.

ولهذا قد يقرأ مئة رواية صحيحة، ثم يتعلق برواية واحدة تخدم كراهيته.

وقد يرى آلاف النماذج الإنسانية من الطرف الآخر، ثم يبحث عن نموذج سيئ ليقول: «أرأيتم؟ كنت على حق».

وهذه آلية نفسية معروفة في صناعة الصور النمطية: **أن يبحث الإنسان عما يؤكد حكمه السابق، لا عما يختبر صحة ذلك الحكم.**

ولهذا فإن تفكيك الطائفية يحتاج إلى أكثر من قانون يعاقب على خطاب الكراهية؛ يحتاج إلى إعادة بناء العقل الذي ينتج الكراهية، وإلى تعليم الإنسان الفرق بين **النقد والتعميم، وبين المحاسبة والانتقام، وبين الاختلاف والعداء، وبين الهوية والانتماء السياسي**.

# كلمة أخيرة

إن العراق لا يحتاج إلى المزيد من الحواجز النفسية بين أبنائه.

ولا يحتاج إلى مزيد من المختبرات التي تُنتج الكراهية ثم تسميها ثقافة.

ولا يحتاج إلى مثقفين يحاكمون الملايين بمنشور، ولا إلى سياسيين يستثمرون في الجرح المذهبي، ولا إلى إعلاميين يحولون الخلاف السياسي إلى صراع ديني.

ما يحتاجه العراق هو **عقل نقدي لا يخاف من الحقيقة، ووطنية لا تخاف من الاعتراف بالخطأ، وعدالة لا تميز بين الضحايا، وذاكرة تاريخية لا تتحول إلى ثأر أبدي**.

ومن يريد محاربة الطائفية فعليه ألا يخاف من تشريحها.

ليسمِّ الأشياء بأسمائها.

وليكشف مصادرها.

وليفكك خطابها.

وليلاحق أدواتها.

ولكن عليه، في الوقت نفسه، أن يحذر من الوقوع في الفخ ذاته.

فليس المطلوب أن نستبدل كراهية بكراهية، ولا تعميماً بتعميم، ولا مظلومية بمظلومية.

**المطلوب أن ننتقل من عقلية «هم» و«نحن» إلى عقلية المواطن والإنسان.**

فالطائفية لا تُهزم حين نكتم الكلام عنها، وإنما حين نفهم كيف تُصنع، ولماذا تنتشر، ومن يستثمر فيها، وكيف تتحول من فكرة في الرأس إلى سلوك في الشارع، ومن منشور على شاشة إلى دم على الأرض.

وحينها فقط يصبح الحديث عن محاربة الطائفية حديثاً وطنياً حقيقياً، لا مجرد شعار جديد في سوق الشعارات.