مكسيم العراقي
17. بقاء الأقوى الجيوسياسي والتكيف التكتيكي والانتخاب الطبيعي في مواجهة الهيمنة الإقليمية
18. الهندسة الحيوية لإنقاذ العراق وتطهير الدولة من التطفل الأيديولوجي
19. المأسسة الهيكلية للفساد في العراق وتطور الفساد من السرقات الصغرى إلى نهب الموازنات المليارية
ليست الأجناس الأكثر قوة هي التي تبقى، ولا الأكثر ذكاءً، بل هي الأكثر قدرة على التكيف مع التغير.
—داروين
كل سلطة تميل إلى الفساد، والسلطة المطلقة تفسد فسادًا مطلقًا.
— اللورد أكتون
من يتحكم في الماضي يتحكم في المستقبل؛ ومن يتحكم في الحاضر يتحكم في الماضي.
— جورج أورويل
الغاية من السلطة هي السلطة.
— جورج أورويل
في الدولة الفاسدة، تتكاثر القوانين.
— تاكيتوس
السلطة لا تُفسد الناس فحسب؛ إن الخوف من فقدان السلطة يفسدهم أيضًا.
— جون شتاينبك
(17)
بقاء الأقوى الجيوسياسي والتكيف التكتيكي والانتخاب الطبيعي في مواجهة الهيمنة الإقليمية
تُشير مبادئ بيولوجيا التطور والانتخاب الطبيعي إلى أن الكائنات الحية التي تفشل في التكيف مع تحولات البيئة المحيطة المحكومة بالتنافس على الموارد، تتجه حتماً نحو الانقراض، بينما تنجح الكائنات التي تطور أدوات تكيفية واستراتيجيات حماية متبادلة في انتزاع سيادتها والبقاء. ينطبق هذا القانون البيولوجي (ربما) على البيئة السياسية والدولية؛ إذ تعيش منطقة الشرق الأوسط وجنوب آسيا حالة إعادة تشكيل جذري تقودها قوانين التطور والنشوء والارتقاء الجيوسياسي. يبرز في قلب هذه الصيرورة بروز المحور الدفاعي والاستراتيجي الصاعد بين السعودية، وتركيا، وباكستان، كاستجابة تطورية حتمية لمواجهة النموذج المليشياوي القائم على الهيمنة، ووحدة الساحات الايرانية وتوظيف الأذرع، والفساد، والترهيب، والذي أدارته طهران عقوداً طويلة عبر شبكاتها الموازية وصمت امريكي غربي.
يتضح التحليل النفسي والسوسيولوجي لهذه الظاهرة في طبيعة الصراع بين نموذج السلوك المؤسسي السيادي ونموذج السلوك الطفيلي الموازي. مارست إيران عبر عقود استراتيجية التغلغل البيولوجي الطفيلي في الجسد العربي والإقليمي؛ حيث عمدت إلى إنماء كائنات طفيلية موازية (كالعديد من الفصائل والتنظيمات المسلحة في العراق، ولبنان، واليمن، وغزة) لامتصاص الموارد الوطنية للدول وتوظيفها لخدمة مركز القرار السياسي والارهابي في طهران. تعتمد هذه الشبكات على سيكولوجيا الترهيب، وعقدة المظلومية، والتجهيل الجمعي، لتصنيع بيئات مغلقة تحارب مفهوم الدولة الوطنية وتقتات على حالة الفوضى والفقر والهشاشة الأهمية. غير أن القوانين العلمية للانتخاب الطبيعي تؤكد أن الأنظمة الطفيلية التي تدمر البيئة الحاضنة لها تنتهي في المطاف إلى تدمير ذاتها؛ إذ إن العجز عن إنتاج التنمية، وافتقارها للمشروع الحضاري الجامع، وشيوع الاستهتار بالسيادة، يبرز ضعفها الهيكلي أمام المتغيرات الكبرى.
في المقابل، تمثل استجابة السعودية، وتركيا، وباكستان نمطاً متقدماً من النشوء والارتقاء الدفاعي، المعتمد على تكامل عناصر القوة الصلبة والمرنة لتشكيل درع حيوي يمتلك مقومات البقاء والاستدامة. يجمع هذا التحالف الجديد بين الترسانة النووية والخبرة البشرية الضخمة لباكستان، والتطور التكنولوجي والصناعي والعسكري والمسيرات لتركيا، مع الثقل المالي، والاقتصادي، والدبلوماسي، والموقعي السيادي للمملكة العربية السعودية. إن اجتماع القوة التكنولوجية، والردع النووي، والاستقرار المالي، يمثل طفرة تطورية في بيكتاريا التحالفات؛ إذ يفرض واقعاً جيوسياسياً يمتلك القدرة على عزل الكائنات المليشياتية الطفيلية وإفقادها البيئة الخصبة للنمو والتمدد.
إن ضرورة هذا التحالف تكمن في قدرته على حسم معركة التوازن الإقليمي؛ فهو يضع حداً لنهج وحدة الساحات المليشياتية عبر بناء وحدة الساحات السيادية والردع المتقدم. يواجه هذا المحور الصاعد كلاً من العنف المنظم وشبكات الارهاب العابرة للحدود التي استُغلت طويلاً من قبل المحاور التوسعية لإبقاء المنطقة في حالة نزيف دائم. وبناءً على مبادئ التطور، فإن الكيانات التي تستند إلى المؤسسات الشرعية، والتكنولوجيا الحديثة، والسيادة الوطنية، والتكتل الاستراتيجي العابر للإقليم، هي التي تمتلك الميزة التنافسية للانتخاب الطبيعي، بينما تحكم القوانين التاريخية والسياسية على الجماعات المسلحة وأذرعها بالضمور والانقراض التدريجي أمام ميزان القوة الصلبة والمنظمة.
(18)
الهندسة الحيوية لإنقاذ العراق وتطهير الدولة من التطفل الأيديولوجي
ان الخوارزمية السيادية الحتمية لإنقاذ العراق تخضع لمعادلات العلوم الطبيعة ونظرية التطور وان البروتوكول العلاجي الصارم لاستعادة المناعة الوطنية واقتلاع الأورام السرطانية والخلايا الطفيلية التي زرعها الانتخاب القسري السلبي لنظام الرهبرية وأذرعه الميليشياوية والفساد الحزبي منذ عقود.
إن تفكيك هذه المعادلة الواضحة وإسقاطها على القوانين العلمية والبيولوجية يوضح كيف يمكن لجسد الرافدين أن يتعافى ويسترد سيادته الكاملة:
1. استئصال الطفيليات والأورام (حل الأحزاب والمليشيات وتطهير الدولة)
في بيولوجيا الأجسام، عندما يتعرض الكائن الحي لغزو من خلايا سرطانية أو طفيليات عابرة للحدود تعتاش على امتصاص مغذياته وطاقته، فإن الخطوة الأولى للنجاة هي الاستئصال الكلي والكامل.
• تفكيك كارتيلات النهب: إن حل الأحزاب الأيديولوجية الفاسدة والميليشيات الطفيلية ليس خياراً سياسياً، بل هو إغلاق لـ مزارع التكاثر التي تنهب أموال النفط العراقي والدولة لتمويل مشاريع الخراب الإقليمي (كتمويل المغامرات الانتحارية التي تفرز كوارث شبيهة بـ 7 أكتوبر).
• تطهير الجهاز الحكومي: طرد الطارئين والجهلة والمزورين والمسوخ الوظيفية الذين صعدوا عبر الاصطفاء العكسي للولاء الحزبي والطائفي، هو بمثابة تنظيف الأجهزة الحيوية للجسد من الخلايا التالفة. الدولة الوطنية لا تبنى بالرعاع، بل بـ الانتخاب الإيجابي للأصلح والأذكى، وإحلال الكفاءات العلمية والتكنوقراطية التي تمتلك شفرة الإدارة والإنتاج.
2. إعادة تفعيل الخلايا الإنتاجية (تشغيل المصانع والمزارع والسياحة)
يعلمنا علم التطور أن الكائن الحي الذي يعتمد على مصدر طاقة واحد وخارجي (كالريع النفطي) هو كائن هش مهدد بالانقراض عند أول تغير في البيئة الاقتصادية العالمية.
التحول إلى دولة منتجة عبر تدوير عجلة المصانع، وإحياء الزراعة في أرض الرافدين التاريخية، وتفعيل السياحة، هو إعادة تنشيط لـ عمليات الأيض والتمثيل الغذائي الذاتي للدولة.
هذه الخطوة تحول المجتمع من قطيع مستهلك وتائه يعتمد على الإعانات والهبات الفقهية والحزبية، إلى منظومة حيوية منتجة تمتلك مناعة ذاتية وأمناً غذائياً واقتصادياً مستقلاً، مما يسحب البساط كلياً من تحت أقدام كارتيلات التجهيل والفقر الممنهج.
3. الفلترة العلمية والسيادة الحمائية (شرط اللجان العلمية وضبط الحدود)
الحدود والمنافذ والمطارات في علم الأحياء تمثل الغشاء الخلوي (Cell Membrane). هذا الغشاء ليس جداراً مصمتاً، ولكنه يمتلك نفاذية اختيارية صارمة؛ يسمح بدخول المغذيات المفيدة (الاستثمارات الحقيقية، التكنولوجيا المتقدمة) ويمنع ويفلتر السموم والفيروسات (التهريب، السلاح المنفلت، العملة المهربة، العناصر الإرهابية).
• لجان الفرز العلمي: إن إخضاع الشركات العاملة لشروط لجنة علمية متخصصة هو تطبيق لآلية الاصطفاء النوعي الكفء. العراق لايجب ان يكون مستباحاً للشركات الطفيلية التابعة لدول الجوار التي تفرغ الخزينة دون تقديم قيمة مضافة، بل يفتح شفرته الاقتصادية فقط لمن يقدم تكنولوجيا ترتقي بالبنية التحتية.
• غلق المنافذ وتسليمها للدولة: السيطرة الكاملة والحصرية للدولة الوطنية على حدودها ومطاراتها ومنافذها هي إعلان عودة السيادة الحيوية. بدون غشاء خلوي قوي ومحمي بقوة القانون والسلاح الشرعي، يظل الجسد الوطني مستباحاً لـ العدوى الخارجية والتدخلات الانتفاعية الدولية التي تريد إبقاء العراق في حالة حجر صحي وتخلف تطوري.
4. مطاردة الفساد والإجرام (جهاز المناعة الفتاك)
جهاز المناعة في كائننا الحي لا يتفاوض مع البكتيريا الفتاكة، ولا يمنح الفيروسات فرصة المحاصصة أو التفاهم السياسي؛ بل يطاردها بلا كلل ولا رحمة ويبيدها لحماية الكل الحامي للحياة.
إن المطاردة الصارمة لعناصر الفساد، والجريمة المنظمة، وبقايا الإرهاب الداعشي، وأمراء الحرب، هي تفعيل لـ الاستجابة المناعية القصوى للدولة. تطبيق القانون بكل حزم يحقق الاستقرار الأمني والنفسي للمواطنين، وهو الشرط البيئي الأساسي الذي بدونه لا يمكن لرأس المال أو العلم أو الابتكار أن ينمو ويزدهر.
(19)
المأسسة الهيكلية للفساد في العراق وتطور الفساد من السرقات الصغرى إلى نهب الموازنات المليارية
يمثل التحول الانفجاري في أرقام الفساد العراقي — من سرقات تقدر بالملايين في السنوات الأولى التي تلت عام 2003 إلى ابتلاع موازنات انفجارية كاملة تقدر بعشرات ومئات المليارات (كما حدث في ملف موازنة عام 2014 غير المشرعة وسرقة القرن وتداعيات القوانين والأنصبة المالية اللاحقة ثم النهب والفرهود في عهد شياع السوداني) — حالة دراسية فريدة في العلوم السياسية والاقتصاد السياسي.
ويمكن قراءة المأسسة الهيكلية للفساد في العراق من زاوية استعارة تطورية مستوحاة من نظرية النشوء والارتقاء عند داروين؛ ليس بمعنى أن الفساد كائن حي يخضع لقوانين التطور البيولوجي، وإنما باعتبار أن الظواهر السياسية والاجتماعية، شأنها شأن العديد من النظم، تستطيع أن تتكيف مع البيئة التي تعمل داخلها، وتطوّر أدواتها، وتنتقي آليات البقاء الأكثر قدرة على الاستمرار والتوسع.
ففي البيئات التي تضعف فيها مؤسسات الرقابة والمحاسبة، وتتعطل فيها القوانين، وتتداخل السلطة السياسية مع المصالح الاقتصادية، لا يبقى الفساد على صورته الأولى. يبدأ غالبًا باعتباره سلوكًا فرديًا محدودًا: رشوة، اختلاس، عمولة أو سرقة صغيرة. ثم، إذا لم يجد مقاومة مؤسسية فعالة، يبدأ بالتكيف مع البيئة السياسية الجديدة، فينتقل من مستوى الفرد إلى الجماعة، ومن الجماعة إلى الشبكة، ومن الشبكة إلى الحزب أو المؤسسة، وصولًا إلى مرحلة يصبح فيها الفساد جزءًا من البنية نفسها التي يفترض أن تحاربه.
وبهذا المعنى، فإن المسار العراقي بعد عام 2003 يمكن قراءته بوصفه نوعًا من الانتخاب السياسي للفساد؛ إذ بقيت آليات الفساد التي نجحت في الإفلات من المحاسبة، بينما تطورت وتوسعت، وأنتجت آليات أكثر تعقيدًا لحماية مصالحها. فالسرقة الصغيرة التي كان يمكن أن يقوم بها موظف منفرد تحولت تدريجيًا إلى عمولات وعقود ومشاريع وهمية، ثم إلى شبكات اقتصادية وسياسية، وصولًا إلى التحكم في الموارد العامة والموازنات الضخمة.
وهنا تظهر المفارقة الأخطر: كلما ازدادت الدولة ضعفًا، ازدادت قدرة الفساد على التطور؛ وكلما تطور الفساد، ازداد إضعافه للدولة، فتتكون حلقة تطورية مغلقة يعزز كل طرف فيها الطرف الآخر. فالفساد لا يعود مجرد انحراف داخل النظام، بل يتحول تدريجيًا إلى نظام يعمل من داخل النظام، ويعيد تشكيل المؤسسات والقوانين والاقتصاد والسياسة بما يخدم قدرته على البقاء.
ومن هذه الزاوية، فإن الانتقال من الملايين إلى المليارات ليس مجرد تضخم في حجم الأموال المسروقة، بل يمثل تحولًا نوعيًا في البنية التنظيمية للفساد: من فساد فردي يبحث عن فرصة إلى فساد مؤسسي يمتلك شبكة حماية سياسية وقانونية واقتصادية؛ ومن موظف يختلس المال إلى منظومة تستطيع التأثير في القرار، وتوزيع المناصب، والتحكم في العقود، وتطويع أدوات الرقابة، بل وإعادة إنتاج البيئة التي تجعل استمرارها ممكنًا.
وعليه، فإن السؤال المركزي لا ينبغي أن يكون فقط: كم سُرق من العراق؟ بل: كيف تطور الفساد إلى هذه الدرجة من التنظيم والحماية؟ وما هي البيئة السياسية والاقتصادية والقانونية التي سمحت له بالبقاء والتكاثر والتوسع؟ ودور الدين السياسي في ذلك ومن هنا تبدأ دراسة انتقال الفساد العراقي من سرقات صغيرة متفرقة إلى مأسسة هيكلية قادرة على ابتلاع الموازنات المليارية.
إن هذا النقل النوعي من فساد الأفراد إلى فساد النظام السياسي المقعد لم يكن نتاج مصادفة، بل جاء حصيلة شبكة معقدة من التواطؤات السياسية، والاستخدام الاستخباري الخارجي، والتغطية العقائدية الممنهجة.
1. أسباب تحول الفساد من الملايين إلى المليارات
تظافرت مجموعة من العوامل الهيكلية والسياسية التي أدت إلى فتح شهية الشبكات الناهبة لابتلاع الموازنات الكبرى دون رادع:
• غياب الحسابات الختامية والتشريع المشلول:
شكلت تجربة عام 2014 سابقة خطيرة في تاريخ الإدارة المالية العراقية؛ حيث تم صرف الموازنة الاتحادية (التي ناهزت 140 مليار دولار) دون قانون موازنة مصدق من البرلمان ودون تقديم حسابات ختامية أصولية. هذا الغياب المتعمد للرقابة القضائية والمالية حوّل الموازنات العظمى إلى سيولة مكشوفة للإنفاق الكيفي والصفقات الوهمية.
• الهندسة القضائية وخرق التوازنات السياسية:
بدأ تدمير البرلماني منذ تفصيل وتفسير مفاهيم الكتلة الأكبر عقب انتخابات 2010، وصولاً إلى إزاحة الكتلة الفائزة وإرغام القوى الوطنية على الانسحاب عام 2023 (كما جرى عقب انسحاب التيار الصدري من البرلمان وتشكيل حكومة ائتلاف دعارة الدولة). إن تفريغ المعارضة البرلمانية وتطويع المؤسسة القضائية أديا إلى غياب السلطة الرقابية الرادعة، لتصبح الحكومة والكتل الحاكمة هي الخصم والحكم في وقت واحد.
• اقتصاديات المحاصصة والمكاسب:
لم يعد الفساد عبارة عن رشوة يُعاقب عليها القانون، بل تحول إلى محاصصة أفقية بين القوى النافذة؛ حيث تجري المقاسمة المباشرة للوزارات، والدرجات الخاصة، وعقود المشاريع، مما خيّم بسكوت جماعي وتبادلي يُسقط أي محاولة للمحاسبة.
2. العوامل المخابراتية والإقليمية حيث النهب كأداة لتركيع الدولة
تُظهر التحليلات الجيوسياسية أن تفكيك الاقتصاد العراقي وشفط سيولته المالية لم يكن فقط بهدف الإثراء الشخصي للمسؤولين، بل كان أداة استخباراتية إقليمية ممنهجة:
• دعم الخزائن الخارجية المحاصرة:
تُستخدم الأموال المنهوبة من العراق لتمويل شبكات ومؤسسات ايران التي تخضع لعقوبات دولية مشددة. وتُعد عمليات مزاد العملة في البنك المركزي والعقود الفاسدة والمشاريع الوهمية قنوات رسمية لتهريب عشرات المليارات من الدولارات سنوياً للخارج لدعم النفوذ الإقليمي.
• تجريد العراق من مقومات النهوض:
إن إبقاء العراق بلا بنية تحتية (بدون كهرباء، وبلا صناعة أو زراعة وموانئ متطورة او جيش قوي) بوجود موازنات انفجارية هو هدف استراتيجي؛ لضمان استمرار بقائه سوقاً استهلاكياً معتمداً بالكامل على الواردات من دول الجوار، وحرمانه من أسباب الاستقلال الاقتصادي الذي يؤهله لاستعادة دوره القيادي في المنطقة.
• إضعاف المؤسسة العسكرية والأمنية:
كشفت ملفات السلاح وتجهيز القوات الأمنية (مثل صفقات الأجهزة الفاسدة والفضائيين) كيف أسهم الفساد المالي المخابراتي في إضعاف الجيش والشرطة، مما فتح الباب لسقوط مدن كاملة كالموصل عام 2014، وبالتالي إيجاد الذريعة لتثبيت الميليشيات والأذرع المسلحة كبديل للمؤسسة الرسمية.
3. التغطية العقائدية ودور التخميس في تحليل النهب
تُمثل الاستعانة بالنصوص والمفاهيم الفقهية المُحرفة الغطاء الأكثر خطورة لشرعنة سرقة المال العام وتجريد المواطن من دوافع الرفض:
• اعتبار المال العام مجهول المالك:
تعتمد بعض التنظيمات والشبكات العقائدية على فتاوى شاذة تُصنف أموال الدولة على أنها أموال مجهولة المالك لا تصح لها حرمة الملكية الفردية الخاصة. وبموجب هذا التكييف الفقهي الملتوي، يُصبح استيلاء الفرد أو الجهة على المال العام أمراً مباحاً أو مقدوراً على شرعنته.
• مأسسة التخميس كصك غفران:
تمارَس عملية شرعنة الفساد من خلال دفع النسبة العقائدية (الخمس) للجهات المرجعية أو المعممين التابعين للشباك السياسي؛ حيث يُوهم الفاسد نفسه والجمهور بأنه بمجرد اقتطاع جزء من المال المنهوب ودفعها تحت لافتة الحقوق الشرعية، يُصبح باقي المبالغ المسروقة طاهراً وحلالاً، مما يلغي الرادع الأخلاقي والديني ويحول النهب إلى واجب مقدس يدعم المؤسسات والمحاور العقائدية.
• تخدير وعي الشارع:
يستغل الخطاب الطائفي والمظلومية التاريخية لمنع الشعب من التظاهر أو المطالبة بحقوقه المالية؛ إذ يُصور أي هجوم على الفاسدين أو المطالبة بالشفافية وحسابات الموازنات على أنه استهداف للمكون أو مؤامرة لإسقاط التجربة، مما أدى إلى حالة من الذهول والصمت الشعبي المكره تحت ضغط السلاح الفصائلي والشحذ العاطفي.