
سعد جاسم الكعبي
كاتب عراقي
ليست هي المرة الأولى ولن تكون الأخيرة التي تظهر فيها عنصرية الإعلام وانحيازه والبغض الطائفي ضد عشائر جنوب العراق والمعروفين بالشروگية لشجاعتهم و بطولاتهم فيما يتم التطبيل لمواقف الآخرين التافهة وتكبيرها.
فلم تكن حادثة اختطاف الناقلة SIBU 1 / MTT-SIBU1 في خليج عدن يوم 20 آب الماضي حادثة قرصنة عابرة. الناقلة التي ترفع علم إريتريا ووضعتها الخزانة الأمريكية على قائمة العقوبات في كانون الأول الماضي بتهمة نقل النفط الإيراني ضمن الأسطول الخفي، كان على متنها بحار عراقي من أبناء عشيرة الشغانبة في قضاء أبي الخصيب – السيبة – قرية جيكور بمحافظة البصرة.
حسب رواية الشيخ علي الشغانبي التي نقلتها كردستان 24، فإن 40 رجلاً من أبناء العشيرة تحركوا بعدما علموا بالاختطاف وطالب الخاطفون بفدية، ونسقوا مع جهات خارج العراق ومع الحكومة الصومالية لاستعادة السفينة، وقال الشيخ إنهم أسروا سبعة من القراصنة وفر البقية.
في الجهة المقابلة، ظهرت رواية ثانية من بونتلاند.
في 25 أيلول 2026 خرج قائد في قوات الشرطة البحرية في بونتلاند محمد جامع ليقول لرويترز: “كانت عملية لمكافحة القرصنة نفذتها قواتنا منذ يومين ولا تزال مستمرة. السفينة حرة والقراصنة جميعهم في أيدي قواتنا” وهو نفس التصريح الذي كررته رويترز وكل الوكالات.
هنا بدأ السؤال الكبير الذي تطرحه أنت: لماذا يستكثرون على عشائر العراق شجاعتها؟
لماذا تبنت رويترز رواية بونتلاند فقط؟،
رويترز وكالة لا تملك مراسلاً على ظهر الناقلة، هي تعتمد على مصدر رسمي واحد هو الشرطة البحرية في بونتلاند، وهذا هو الأسهل والأكثر أماناً لها قانونياً.
تصريح ضابط رسمي مجهول يعتبر مصدرا قابلا للنشر، بينما رواية عشائرية من جنوب العراق تعتبرها الوكالات الغربية “غير قابلة للتحقق المستقل”.
ولكن التقرير نفسه يكشف التناقض: بونتلاند تقول إنها نفذت العملية خلال يومين، بينما السفينة كانت مختطفة لأكثر من شهر كامل منذ 20 آب. فأين كانت هذه القوات طوال 36 يوماً؟
الواقع أن بونتلاند، وهي إقليم شبه مستقل ضعيف الموارد، لا تملك قدرة حقيقية على مراقبة ساحل طوله أكثر من 1600 كلم. وعودة القرصنة الصومالية في 2024-2026 جاءت بسبب الفوضى وتراجع الدوريات الدولية، السفينة SIBU 1 هي على الأقل السفينة الثالثة عشر التي تتعرض للهجوم هذا العام فقط قبالة الصومال وخليج عدن حسب بيانات المكتب البحري الدولي.
عشرات السفن لا تزال رهينة أو مهددة إلى اليوم لأن لا أحد يتحرك حقاً إلا إذا دُفع أو إذا كانت هناك مصلحة.
لماذا لم تتحرك شرطة بونتلاند قبل أن يتحرك أبناء الشغانبة؟
هذا هو السؤال الجوهري الذي تتجاهله رويترز والشرقية ومواقع خليجية .
إذا كانت قوات بونتلاند قادرة على تحرير ناقلة عملاقة في 48 ساعة، فلماذا تركتها شهراً كاملاً في أيدي 6 مسلحين فقط حسب تقرير عمليات التجارة البحرية البريطانية UKMTO؟ الجواب الذي يعرفه أهل البحر: الصفقات كثير من عمليات القرصنة في الصومال لا تنتهي بعملية عسكرية بل بفدية تدفع بصمت، ثم يخرج بيان رسمي يقول “حررناها”.
رواية الشغانبة تقول إنهم كانوا على اتصال بالحكومة الفدرالية الصومالية وراقبوا السفينة قبل استعادتها. وهذا يفسر ظهور فيديوهات على مواقع التواصل لرجال مسلحين يشاركون في العملية، قال ناشرون إنهم من أبناء الشغانبة ساعدوا شرطة بوتلاند في اعدة أبنائهم بالقتال الفعلي ، بينما شرطة بونتلاند لم تقدم أي تفاصيل عن مكان العملية أو الجرحى أو كيفية الاعتقال.
المنطق يقول: العشيرة دافعت، أو أرسلت رجالها للقتال ووسطائها لأخذ موافقة الدولة هناك ، وعندما تم الاتفاق، دخلت قوات بونتلاند لتتسلم الصورة الأخيرة أمام الكاميرا وتقول “نحن حررناها”. وهذا ما يفسر أن بونتلاند جلبت مجموعة القراصنة إلى ميناء غاراد يوم الأحد بعد التحرير، بينما رواية العشيرة تتحدث عن أسر 7 فقط وهروب البقية.
السوال لماذا تبنت الشرقية وقنوات خليجية وصفحات التواصل تقرير رويترز بحذافيره؟
لأن رواية “القبيلة الشيعية الجنوبية التي عبرت البحار وحررت أبناءها” لا تخدم السردية المهيمنة في بعض غرف الأخبارفلو كانت عشائر من قبائل أخرى غير الجنوب لكانوا يقاتلون بعزم عكرمة و القعقاع وصلاح الدين وهذه بطولاتهم النادرة في تاريخ مليء بالتزييف وابطال الكيبورد فقط.
هذه القنوات تعودت على نمطين:
نمط يصور العشائر الجنوبية كعبىء، وكفوضى، وكسلاح منفلت.
ونمط يطبل لأي عملية تحرير تقوم بها قوة غربية أو خليجية حتى لو كانت مناورة تدريبية.
عندما يقوم أبناء جيكور، قرية السياب، بما عجزت عنه بوارج دولية، يصبح الخبر محرجاً. فالأسهل هو نسخه من رويترز: “قوات بونتلاند حررت”. انتهى. لا حاجة لذكر اسم الشغانبة، ولا البصرة، ولا أن صاحب الناقلة عراقي.
وهنا يأتي سؤالك الأخطر: هل لأنهم شيعة؟
لنكن صريحين نعم، هناك حقد طبقي ومذهبي ومناطقي متراكم، عشائر الجنوب، وخاصة في البصرة وميسان وذي قار، قدمت آلاف الشهداء في الحشد وفي الجيش وفي مقارعة النظام السابق، ولكنها في الإعلام الخليجي والليبرالي الممول تُختزل دائماً بصورة “العشائرية المتخلفة”، فإذا أظهرت هذه العشائر انضباطاً وشبكة علاقات دولية وقدرة على التفاوض والتحرير في خليج عدن، فإن الصورة النمطية تنهار.
لهذا يستكثرون عليهم الشجاعة. الشجاعة مسموحة إذا كانت فردية، أو إذا كانت تحت راية الدولة المدنية المستوردة، أما شجاعة جماعية منظمة باسم العشيرة الشيعية الجنوبية فهي مرفوضة، لأنها تذكر بأن هذه العشائر هي الدولة الاجتماعية الحقيقية التي تحمي أبناءها عندما تتخلى عنهم الدولة الرسمية والسفارات وشركات التأمين.
الخلاصة ليست من حرر السفينة وحده، بل من هو صاحب الحق في أن يُروى عنه البطولة.
أبناء الشغانبة لم ينتظروا بياناً من بونتلاند ولا من رويترز ولا من الشرقية. لديهم رجل مختطف، ولديهم مبدأ: “ابننا ما ينترك”. وهذا المبدأ، الذي يحفظ كرامة العراقي في أقاصي البحار، هو ما يجب أن يُحتفى به، لا أن يُشكك به لأن رويترز لم تذكره.
السفينة حرة، نعم. لكن من حررها حقاً؟ من دفع الثمن وسهر الليالي وتواصل مع مقديشو وبونتلاند وأبو الخصيب؟ الجواب عند أهل جيكور، لا عند مكتب رويترز في نيروبي.





