العراق العثماني بين إسطنبول وطهران ولندن: صراع النفوذ الأجنبي في وثائق الدبلوماسي البريطاني جون لوريمر

القوات الهندية تزحف نحو بغداد، 11 مارس آذار 1917

إيهاب مقبل

تكشف وثائق الدبلوماسي والموظف البريطاني جون غوردون لوريمر عن عراق أواخر العهد العثماني بوصفه ساحة تتقاطع فيها ثلاثة أنواع من النفوذ: سلطة الدولة العثمانية القادمة من إسطنبول، والنفوذ الإيراني المتغلغل في المدن والمجتمعات الشيعية، والمصالح البريطانية المتنامية عبر التجارة والخليج والهند والاتصالات. ولا تقدم وثائق لوريمر هذه القوى باعتبارها أطرافاً متساوية في القوة أو الأهداف، بل تكشف شبكة معقدة من المصالح والمنافسة والتفاوض امتدت من بغداد إلى البصرة، ومن النجف وكربلاء والكاظمية إلى الحدود الإيرانية والخليج.

وتزداد أهمية هذه الوثائق لأن عمله الضخم «دليل الخليج الفارسي وعُمان ووسط الجزيرة العربية Gazetteer of the Persian Gulf, Oman and Central Arabia» لم يكن كتاباً تاريخياً عادياً؛ فقد أُعد في إطار الإدارة البريطانية في الهند، وبدأ المشروع في سياق الحاجة البريطانية الاستعمارية إلى معرفة دقيقة بجغرافية المنطقة وسكانها وتجارتها وطرقها وقواها السياسية. صدر الجزء الجغرافي والإحصائي سنة 1908، ثم الجزء التاريخي سنة 1915.

ومن هنا يمكن قراءة العراق في وثائق لوريمر ليس فقط باعتباره ولاية عثمانية، وإنما باعتباره منطقة استراتيجية تقع بين إسطنبول وطهران والخليج والهند، وتزداد أهميتها كلما تطورت وسائل النقل والاتصال والتجارة الدولية.

بغداد في قلب الصراع على العراق
كانت بغداد مركز العراق الإداري والسياسي والتجاري، ولذلك أصبحت أيضاً مركزاً للتنافس على النفوذ. فالدولة العثمانية كانت تمتلك السلطة الرسمية والجيش والولاة والإدارة، لكن هذه السيادة لم تكن تعني أن جميع مجالات الحياة الاقتصادية والاجتماعية كانت تحت سيطرة مباشرة وفعالة من إسطنبول.

وفي الوقت نفسه، كانت بغداد مرتبطة بشبكات تجارية تمتد جنوباً إلى البصرة والخليج، وشرقاً إلى إيران، وشمالاً إلى الموصل، بينما كانت النجف وكربلاء والكاظمية مراكز دينية شيعية ذات علاقات وثيقة بالمجال الإيراني.

أما بريطانيا، فكانت تنظر إلى العراق من زاوية أوسع ترتبط بالخليج والهند وطريق الاتصال بين أوروبا والهند. ويكشف لوريمر أن مشروع التلغراف بين بغداد والخليج كان يُنظر إليه صراحة باعتباره جزءاً من إقامة اتصال مباشر بين أوروبا والهند.

وهكذا لم يكن موقع بغداد الجغرافي مجرد مسألة محلية؛ فكل طريق تجاري أو نهري أو تلغرافي يربط بغداد بالبصرة أو إيران أو الموصل كان يحمل معه أهمية سياسية واستراتيجية.

التلغراف البريطاني وبداية السيطرة على سرعة المعلومات
من أكثر التفاصيل دلالة في وثائق لوريمر أن النفوذ البريطاني لم يبدأ بالاحتلال العسكري، وإنما ظهر مبكراً في البنية التحتية للاتصال.

ففي القسم التاريخي من Gazetteer يوثق لوريمر الدور الذي لعبه الموظفون البريطانيون في مشروع التلغراف في العراق. ويذكر أن السير هنري راولينسون (1810 – 1895)، الذي كان سابقاً الوكيل السياسي البريطاني في بغداد ثم أصبح مبعوثاً إلى البلاط الفارسي، شارك في المناقشات التمهيدية في القسطنطينية سنة 1859.

ثم وصل الكولونيل أرنولد بوروز كيمبال (1820 – 1908)، وكان آنذاك القنصل العام والوكيل السياسي البريطاني في بغداد، إلى القسطنطينية في 15 ديسمبر كانون الأول 1860 بتكليف من الحكومة البريطانية، وبموافقة الباب العالي، لفحص الخط الذي كان قد بدأ إنشاؤه بين القسطنطينية وبغداد. وقام في عام 1861 بجولة على امتداد الخط كله من أسكدار إلى بغداد.

ولم يتوقف الدور البريطاني عند ذلك. ففي الفترة بين 1863 و1865 شارك كيمبال في الإجراءات الخاصة بتمديد التلغراف من بغداد إلى الخليج. وفي ربيع 1863 قام، برفقة المهندس الكهربائي البريطاني غرينر، بمسح استمر شهراً على الطريق المقترح من بغداد إلى البصرة. وبناء على هذا المسح تم اعتماد طريق يمر عبر الحلة والديوانية والحمار والقرنة قبل الوصول إلى البصرة.

هذه التفاصيل تكشف شيئاً مهماً: بريطانيا لم تكن مجرد دولة تستخدم شبكة اتصالات قائمة، وإنما شارك موظفوها في تخطيط مساراتها ودراسة الأرض والإشراف على تنفيذها.

التلغراف بين كيمبال ووالي بغداد والمنتفق
لكن إنشاء التلغراف لم يكن سهلاً، لأن الخط كان يمر بأراضٍ عثمانية وبمناطق قبلية ذات استقلال نسبي.

يذكر لوريمر أن كيمبال كان مضطراً إلى التعاون مع نامق باشا (1804 – 1892)، والي بغداد، وأن تنفيذ الخط في أراضي قبيلة المنتفق شبه المستقلة أدى إلى صعوبات وتأخيرات بسبب سياسة الجانب العثماني.

وهنا تظهر صورة مختلفة للسيادة العثمانية. فبريطانيا كانت تمتلك الخبرة الفنية والقدرة على التخطيط والاهتمام الاستراتيجي بالمشروع، لكن عليها أن تتعامل مع الوالي العثماني ومع القوى القبلية المحلية.

وهذا يعني أن النفوذ في العراق لم يكن مجرد مسألة «عثماني مقابل بريطاني»، بل كان يتطلب التعامل مع الولاة والقبائل والمجتمعات المحلية.

بغداد مركز شبكة التلغراف
مع تطور الشبكة أصبحت بغداد مركزاً أساسياً للاتصالات. ويصف لوريمر بغداد باعتبارها مركز الشبكة التلغرافية، مع وجود إدارة تضم مسؤولين عن البريد والبرق والتفتيش على أعمال التلغراف.

وتكمن أهمية ذلك في أن التلغراف أعاد تعريف المسافة السياسية والاقتصادية. فالخبر الذي كان يحتاج إلى أيام أو أسابيع للانتقال أصبح بالإمكان إرساله بسرعة كبيرة، وهو ما منح الحكومات والتجار والقناصل والوكالات التجارية قدرة جديدة على إدارة مصالحهم.

وبالنسبة لبريطانيا، كانت هذه المسألة ذات أهمية خاصة لأن بغداد أصبحت متصلة بالبصرة والخليج، ومن هناك بشبكات الاتصال البريطانية والهندية.

الاتفاقية البريطانية العثمانية سنة 1864
تكشف وثائق لوريمر أن هذا المشروع لم يكن مجرد مبادرة تقنية، وإنما كان موضوعاً لاتفاق سياسي بين بريطانيا والدولة العثمانية.

ففي 3 سبتمبر أيلول 1864 أبرمت بريطانيا والدولة العثمانية اتفاقية خاصة بتشغيل منظومة التلغراف. ونصت الترتيبات على إنشاء كابل بحري من الهند البريطانية إلى الفاو مروراً ببوشهر، وإنشاء خطوط برية من بغداد للاتصال بالكابل في الفاو وبشبكة التلغراف الفارسية في خانقين.

والأكثر إثارة للاهتمام أن الاتفاقية نصت على إنشاء مكتب مشترك بريطاني ـ عثماني في الفاو، يكون تحت الإشراف العام للإدارة العثمانية، مع منح القسم البريطاني استقلالاً عن التدخل العثماني في شؤونه الداخلية. وكان عدد الموظفين البريطانيين في ذلك القسم لا يتجاوز 50 موظفاً بحسب نص الترتيبات التي ينقلها لوريمر.

وهذا مثال واضح على كيفية بناء النفوذ داخل الأراضي العثمانية من خلال ترتيبات قانونية ومؤسساتية بدلاً من الاحتلال المباشر.

البريد البريطاني بين بغداد والبصرة
لم يكن التلغراف وحده. فقد أنشأت بريطانيا أيضاً خدمة بريد بين بغداد والبصرة.

وتسجل وثائق لوريمر أن خدمة البريد البريطانية بين بغداد والبصرة بدأت في 1862–1863، ثم جرى تحسينها في 1866 و1876.

كما يذكر لوريمر أن مشروع إنشاء مكاتب بريد هندية بريطانية منتظمة في البصرة وبغداد سنة 1868 حظي بالدعم القوي من كيمبال، الوكيل السياسي والقنصل العام البريطاني في بغداد. وفي 25 يناير كانون الثاني 1868 أبلغ كيمبال والي بغداد بالترتيبات الجديدة، وعرض نقل المراسلات الرسمية لبعض دوائر الحكومة العثمانية مجاناً عبر البريد البريطاني بين بغداد والبصرة وحتى بومباي، وهو ما قبل به الوالي.

وهكذا أصبحت بريطانيا حاضرة في العراق من خلال شبكة من الخدمات التي تبدو للوهلة الأولى مدنية وتقنية، لكنها كانت في الواقع جزءاً من منظومة أوسع للاتصال والحركة والتجارة.

البريد والبرق كأدوات نفوذ
تكمن أهمية هذه التفاصيل في أن النفوذ السياسي في القرن التاسع عشر لم يكن يعتمد فقط على الجيوش. فالدولة التي تستطيع نقل المعلومات بسرعة، وإرسال التعليمات، ومتابعة الأسواق، والتواصل مع وكلائها، تمتلك قدرة أكبر على إدارة مصالحها.

وفي العراق تحديداً، أصبح الاتصال بين البصرة وبغداد والخليج والهند ذا أهمية استراتيجية لبريطانيا.

والدليل على حساسية المسألة أن البريد البريطاني لم يكن دائماً موضع قبول عثماني كامل. ففي 29 أغسطس آب 1883، على سبيل المثال، ظهرت مشكلة بين والي بغداد ومكتب البريد الهندي في البصرة حول رفض المكتب قبول بعض المواد المحالة إليه من البريد التركي.

وهذا النوع من الخلاف يكشف أن البريد لم يكن مجرد خدمة للمراسلات، بل كان أيضاً جزءاً من مسألة السيادة والاختصاص داخل العراق العثماني.

الطريق من بغداد إلى الخليج
كان الطريق البري والنهرّي بين بغداد والبصرة جزءاً من هذه المنظومة. وتظهر وثائق لوريمر أن مسار التلغراف نفسه كان نتيجة دراسة ميدانية دقيقة.

فقد اختير الطريق عبر الحلة والديوانية والحمار والقرنة، وهو ما يوضح أن البريطانيين كانوا يدرسون جغرافية العراق دراسة عملية مرتبطة بمشروعات الاتصال.

وفي الوقت نفسه، كان الطريق معرضاً لمشكلات الأمن والقبائل والسيطرة العثمانية. وقد أشار لوريمر إلى أن المخاوف من تعرض الخط للانقطاع على يد العرب الذين يمر في أراضيهم أدت إلى مناقشة طرق بديلة عبر الأراضي الفارسية. ثم جرى في النهاية اعتماد خط مباشر من بغداد إلى رأس الخليج عبر البصرة.

وهذا يكشف أن الجغرافية العراقية نفسها أصبحت موضوعاً للاستراتيجية البريطانية.

إيران في العراق: النفوذ الديني والاجتماعي
في الجهة الأخرى من المعادلة، كان النفوذ الإيراني مختلفاً في طبيعته. فلم يكن نفوذاً بريطانياً يعتمد على البريد والتلغراف والتجارة العالمية، بل ارتبط بدرجة كبيرة بالشبكات الدينية والمذهبية والاجتماعية.

ويشير لوريمر إلى وجود أعداد كبيرة من الفرس في العراق، وإلى أن كثيراً منهم كانوا رعايا عثمانيين، مع استمرار وجود علاقات دينية وسياسية مع إيران. ويذكر بصورة خاصة أن بعض الفرس في كربلاء والنجف كانوا يحتفظون بمعارضة دينية وسياسية مستترة للحكومة العثمانية.

وتكشف هذه الملاحظة عن طبيعة مختلفة للنفوذ الإيراني: فإيران لم تكن بحاجة إلى امتلاك بغداد حتى تؤثر في العراق؛ إذ كان بإمكانها الاستفادة من المدن المقدسة، والعلماء، والزوار، والأوقاف، والجاليات الفارسية، والروابط الدينية.

النجف وكربلاء والكاظمية في المجال الإيراني
كانت النجف وكربلاء مركزين أساسيين في هذه الشبكة. فوجود المراقد الشيعية الكبرى جعلهما مقصدين للزوار من إيران، ومركزين للعلم والمرجعية، ومجالاً للتواصل بين علماء العراق وإيران.

وتظهر وثائق لوريمر أن الفرس كانوا حاضرين بقوة في كربلاء والنجف، وأن المدن الشيعية العراقية لم تكن مجرد مراكز دينية محلية، بل كانت جزءاً من مجال أوسع يمتد شرقاً إلى إيران.

ومن هنا يمكن فهم التنافس على العراق باعتباره تنافساً على المدن والطرق والموانئ والاتصالات، ولكن أيضاً على المرجعيات الدينية والشبكات الاجتماعية.

بغداد والتجارة الدولية
كان النفوذ البريطاني مرتبطاً بصورة وثيقة بالتجارة. وتقدم أرقام لوريمر صورة عن حجم التجارة التي كانت تمر عبر العراق.

يقدّر لوريمر القيمة السنوية للسلع المستوردة بحراً إلى العراق بنحو 1.3 مليون جنيه إسترليني، ويذكر أن ما يقارب نصف هذه القيمة كان يتمثل في المنسوجات القطنية البريطانية. ويشير إلى أن تجارة الأقطان كانت في معظمها بأيدي التجار اليهود، وأن بعضهم كانت له وكالات تجارية في لندن ومانشستر، غالباً لدى أقارب أو شركاء لهم.

كما يذكر لوريمر أن تجارة الأقمشة البيضاء والرمادية كانت تكاد تكون احتكاراً يهودياً، في حين كانت الشركات البريطانية تستحوذ على نحو ربع تجارة الأقمشة المطبوعة. ويشير كذلك إلى الدور الذي كان يؤديه التجار اليهود الأثرياء في توفير الائتمان ومنح القروض الربوية في بغداد، في وقت كانت فيه المؤسسات المصرفية الحديثة محدودة الحضور.

وتكشف هذه الأرقام أن العراق كان يدخل بصورة متزايدة في الاقتصاد العالمي، وأن بريطانيا لم تكن حاضرة فقط من خلال الدبلوماسية، بل من خلال السلع ورأس المال وشبكات التجارة.

صعود التجار اليهود في بغداد
يسجل لوريمر أن تجارة بغداد كانت «تمر كل سنة بدرجة أكبر تحت السيطرة اليهودية»، وأن عدداً من اليهود كانوا يزورون إنجلترا، بينما أقام بعضهم هناك كوكلاء تجاريين لشركائهم أو أقاربهم في بغداد. كما يقول إن التجار المسيحيين المحليين في بغداد تراجعوا بشدة خلال السنوات الخمس عشرة السابقة بسبب المنافسة اليهودية، وإن بعض التجار المسلمين بدأوا يدخلون اليهود في شراكات تجارية كوسيلة للدفاع عن مصالحهم.

وهنا يظهر جانب آخر من العراق الذي تصفه وثائق لوريمر: النفوذ الأجنبي لم يكن منفصلاً عن القوى الاقتصادية المحلية.

فالتجارة اليهودية في بغداد ارتبطت ببريطانيا من خلال الاستيراد والوكالات، لكن ذلك لا يعني أن التجار اليهود كانوا أدوات سياسية بريطانية. بل كان لديهم، بحسب المصدر، مصالحهم التجارية وشبكاتهم الخاصة. وهذا تمييز مهم للغاية في قراءة الوثائق.

التنافس بين إسطنبول وطهران ولندن
عند جمع هذه العناصر تظهر صورة ثلاثية الأبعاد. فـإسطنبول كانت تمتلك السيادة القانونية والعسكرية والإدارية على العراق، وكانت الولاة العثمانيون، مثل نامق باشا، طرفاً أساسياً في تنفيذ مشروعات البنية التحتية.

أما طهران فكان نفوذها أكثر ارتباطاً بالمذهب الشيعي والمدن المقدسة والجاليات الفارسية والروابط الدينية والاجتماعية.

بينما اعتمدت لندن بصورة متزايدة على التجارة، والاتصالات، والقنصليات، والخليج، والهند، والمشروعات التي تربط العراق بالاقتصاد العالمي.

ولذلك لم يكن الصراع على العراق في القرن التاسع عشر مجرد صراع على الأرض، وإنما كان صراعاً على الشبكات: شبكة الإدارة العثمانية، وشبكة المرجعية الدينية الشيعية، وشبكة التجارة والاتصال البريطانية.

البصرة: البوابة التي ربطت العراق ببريطانيا
إذا كانت بغداد مركز الإدارة والتجارة الداخلية، فإن البصرة كانت بوابة العراق البحرية. ومن هنا جاءت أهمية التلغراف والبريد والطريق النهري. فربط بغداد بالبصرة كان يعني في الوقت نفسه ربط قلب العراق بالخليج، ومنه بالهند وبريطانيا.

وكان وجود الشركات التجارية البريطانية واليهودية في البصرة عاملاً إضافياً في تحويل المدينة إلى نقطة اتصال بين الاقتصاد العراقي والأسواق العالمية.

ويشير لوريمر إلى أن الشركات المحلية الكبرى في البصرة كانت يهودية أيضاً، وهو ما يؤكد أن الشبكات التجارية اليهودية لم تكن ظاهرة بغدادية محضة، بل امتدت على طول المحور التجاري بغداد ـ البصرة.

السيطرة على المعلومات قبل السيطرة على الأرض
ربما تكون هذه إحدى أهم النتائج التي يمكن استخلاصها من وثائق لوريمر. فبريطانيا قبل احتلال العراق لم تكن تسيطر على بغداد سياسياً، ولم يكن العراق مستعمرة بريطانية. ومع ذلك كانت تمتلك حضوراً متنامياً في مجالات شديدة الأهمية: التجارة، البريد، التلغراف، الخليج، القنصليات، والمسارات المؤدية إلى الهند.

وعندما يصف لوريمر أن مشروع التلغراف كان جزءاً من إنشاء اتصال مباشر بين أوروبا والهند، فإن ذلك يكشف البعد الاستراتيجي للمشروع بوضوح.

فالسيطرة على المعلومات والحركة التجارية يمكن أن تسبق السيطرة السياسية المباشرة.

وهذا لا يعني أن الاحتلال كان نتيجة حتمية للتلغراف، وإنما يعني أن البنية التي سبقت الاحتلال ساعدت على جعل العراق أكثر ارتباطاً بالمصالح البريطانية الاستعمارية.

العراق العثماني بين ثلاثة عوالم
تكشف وثائق لوريمر أن العراق في أواخر القرن التاسع عشر لم يكن مجرد ولاية بعيدة من الإمبراطورية العثمانية.

كان العراق في الوقت نفسه جزءاً من العالم العثماني، ومتأثراً بالمجال الإيراني، ومتزايد الارتباط بالعالم البريطاني والهندي.

وكانت بغداد نقطة الالتقاء الكبرى لهذه العوالم الثلاثة. فيها الإدارة العثمانية، والتجار اليهود والمسيحيون والمسلمون والفرس، والأسواق المرتبطة بالبصرة، والطرق المتجهة إلى إيران، والبرق المتصل بالخليج، والبريد الذي يصل إلى الهند، والموظفون والقناصل الأجانب.

ومن هنا تأتي أهمية بغداد في السياسة الدولية قبل الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918).

من النفوذ إلى الاحتلال
عند النظر إلى الفترة الممتدة من خمسينيات القرن التاسع عشر إلى بدايات القرن العشرين، يمكن ملاحظة تحول تدريجي.

بدأت بريطانيا بالتعامل مع العراق من خلال المصالح التجارية والدبلوماسية والخليجية، ثم أصبحت مشاركة في مشروعات الاتصالات، وأنشأت خدمات بريدية، وربطت بغداد بالبصرة والخليج، وأصبحت لها معرفة ميدانية واسعة بجغرافية العراق وسكانه وطرقه وقبائله.

وفي المقابل، حاولت الدولة العثمانية الحفاظ على سيادتها، لكنها اضطرت في بعض الحالات إلى التعاون مع البريطانيين في مشروعات الاتصالات، كما واجهت تحديات داخلية من القبائل ومن القوى المحلية.

أما إيران فحافظت على حضور قوي في المجال الديني الشيعي، ولا سيما في النجف وكربلاء والكاظمية، وعلى صلاتها بالجاليات الفارسية في العراق.

وبذلك أصبح العراق عشية الحرب العالمية الأولى بلداً عثمانياً من الناحية القانونية، لكنه محاط بشبكات نفوذ دولية متداخلة.

الخلاصة: صراع النفوذ كان صراعاً على الشبكات
تقدم وثائق لوريمر مادة مهمة لإعادة قراءة تاريخ العراق الحديث بعيداً عن اختزال المسألة في الاحتلال البريطاني سنة 1914. فالتنافس بدأ قبل ذلك بكثير.

كانت إسطنبول تحاول الحفاظ على سيادتها وإدارتها، وطهران تمتلك نفوذاً دينياً واجتماعياً في المدن الشيعية، بينما كانت لندن تبني نفوذاً اقتصادياً واستراتيجياً عبر الخليج والهند والتجارة والاتصالات.

ويظهر التلغراف مثالاً بالغ الدلالة. ففي عام 1863 كان كيمبال وغرينر يمسحان الطريق من بغداد إلى البصرة، وفي السنوات التالية أُنجز الربط مع الخليج، ثم جاءت اتفاقية 3 سبتمبر أيلول 1864 لتنظم العلاقة بين الشبكتين البريطانية والعثمانية.

ويظهر البريد المثال نفسه؛ فقد بدأت خدمة بريطانية بين بغداد والبصرة في 1862–1863، ثم تطورت، وحصل مشروع مكاتب البريد الهندية البريطانية المنتظمة في بغداد والبصرة على دعم كيمبال سنة 1868.

وتظهر التجارة الوجه الاقتصادي للصراع؛ فقد قدر لوريمر واردات العراق البحرية بنحو 1.3 مليون جنيه إسترليني سنوياً، وكان نحو نصفها من المنسوجات القطنية البريطانية، بينما كانت تجارة القطن في معظمها بأيدي التجار اليهود في بغداد.

أما إيران فكان نفوذها مختلفاً، إذ ارتبط بالوجود الفارسي وبالمدن الشيعية المقدسة، ويذكر لوريمر تحديداً وجود معارضة دينية وسياسية مستترة للعثمانيين بين بعض الفرس في كربلاء والنجف.

ومن هنا يمكن القول إن العراق العثماني لم يكن عشية الحرب العالمية الأولى منطقة هامشية تنتظر احتلالاً أجنبياً، بل كان قد أصبح منذ عقود ساحة لتنافس على التجارة والاتصال والدين والموانئ والطرق والمعلومات.

وربما كانت هذه أهم خلاصة تقدمها وثائق لوريمر: إن النفوذ البريطاني في العراق لم يبدأ مع إنزال القوات البريطانية في البصرة في 6 نوفمبر تشرين الثاني 1914، ولا مع دخولها بغداد في 11 ماس آذار 1917؛ فقد سبقت الجيوشَ عقودٌ من بناء شبكات التجارة والبريد والتلغراف والقنصليات والمعلومات، كما سبقت الاحتلالَ العسكري منافسةٌ طويلة على موقع العراق ومقدراته بين إسطنبول وطهران ولندن.

وهكذا لم يكن الاحتلال البريطاني للعراق حدثاً منفصلاً عن تاريخ طويل من التغلغل الاقتصادي والاتصالي والدبلوماسي، بل جاء في سياق تراكمت خلاله شبكات النفوذ والمصالح التي جعلت العراق أكثر ارتباطاً بالمنافسة الدولية.

المراجع
جون غوردون لوريمر، دليل الخليج وعُمان ووسط الجزيرة العربية (Gazetteer of the Persian Gulf, Oman and Central Arabia).
https://dn710606.ca.archive.org/0/items/in.ernet.dli.2015.206963/2015.206963.Gazetteer-Of.pdf

https://dn790009.ca.archive.org/0/items/in.ernet.dli.2015.206964/2015.206964.Gazetteer-Of.pdf

انتهى