سكة بغداد: كيف دخل العراق في الصراع الألماني ـ البريطاني؟ من وثائق الدبلوماسي البريطاني جون لوريمر

قطار سكة حديد بغداد يسير في طريقه إلى جرابلس، بالقرب من الحدود السورية التركية الحالية 16 يناير كانون الثاني 1909

إيهاب مقبل

لم تكن سكة بغداد مجرد مشروع لمد خط حديدي بين الأناضول والعراق، بل أصبحت في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين واحدة من أهم القضايا التي كشفت انتقال العراق إلى قلب التنافس الدولي. وتظهر وثائق الدبلوماسي والموظف البريطاني جون غوردون لوريمر (1870 – 1914) أن المشروع الألماني جاء في مرحلة كانت فيها الدولة العثمانية تسعى إلى إحكام اتصالها بولاياتها العربية، وكانت بريطانيا تعمل على حماية مصالحها التجارية والاستراتيجية في الخليج، بينما كانت ألمانيا تبحث عن منفذ اقتصادي وسياسي جديد نحو الشرق.

ومن هذه الزاوية، فإن سكة بغداد لم تكن قصة قطارات وقضبان حديدية فحسب، وإنما قصة رأس المال والبنوك والتجارة والدبلوماسية والموانئ والمعلومات والنفوذ السياسي. وقد جعل موقع بغداد بين الأناضول وإيران والخليج من المدينة مركزاً طبيعياً لهذا الصراع.

امتياز 1899 وبداية المشروع الألماني
يحدد لوريمر سنة 1899 باعتبارها محطة أساسية في تاريخ المشروع. فقد حصل الألمان بصورة نهائية على امتياز إنشاء خط حديدي عثماني يمتد من قونية في آسيا الصغرى إلى الخليج مروراً ببغداد. وفي سنة 1900 تحركت بعثة فنية ألمانية على امتداد المسار المقترح في العراق العثماني، برئاسة القنصل العام الألماني في القسطنطينية، لدراسة المسائل المتعلقة بتنفيذ الخط.

وكان المشروع، وفق وصف لوريمر، أوسع من مجرد تمديد خط إلى بغداد؛ فقد كان الهدف النهائي الوصول إلى الخليج، الأمر الذي كان سيجعل العراق حلقة في طريق حديدي يصل الأناضول بالخليج.

وتكتسب سنة 1899 أهمية إضافية لأن لوريمر يربطها أيضاً بالبداية الفعلية للنشاط التجاري الألماني المتزايد في الخليج. ففي العام نفسه زارت مجموعة ألمانية بندر عباس لدراسة الوضع التجاري، كما بدأ ألمان بالظهور في مواقع مختلفة من الخليج. وفي عام 1901 استقر ممثل لشركة هامبورغ في البحرين، ثم بدأت شركة هامبورغ ـ أمريكا الألمانية البحرية خدمة بواخر بين أوروبا والخليج سنة 1906.

وهكذا جاءت السكة ضمن دخول ألماني أوسع إلى المجال التجاري للخليج.

من قونية إلى بغداد والخليج
كانت أهمية المشروع في قدرته على إنشاء محور بري جديد يصل قلب الدولة العثمانية بالخليج. فخط يبدأ من الأناضول ويمر ببغداد ثم يتجه جنوباً كان من شأنه أن يربط الأسواق العثمانية بالعراق، ثم بالموانئ الخليجية.

ولهذا لم يكن موقع نهاية الخط مسألة فنية بحتة. فقد كان أصحاب الامتياز الألمان يفكرون في البداية في إنزال الخط إلى الساحل عند خليج الكويت. لكن اختيار الكويت كنهاية للخط اصطدم بالاعتراض البريطاني، فتأجل حسم الموقع النهائي. ويذكر لوريمر أن البريطانيين لم يكونوا مستعدين لقبول إنشاء ميناء للسكك في الخليج إلا بشروط تضمن عدم إضراره بموقعهم العسكري.

وهنا تحولت السكة من مشروع نقل إلى قضية استراتيجية تتعلق بمن يملك الطريق المؤدي إلى الخليج.

الكويت والعقدة البريطانية
تحتل الكويت مكانة خاصة في رواية لوريمر عن سكة بغداد. فالبعثة الفنية الألمانية التي زارت المنطقة في بداية عام 1900 بدت، بحسب الوثائق، ميالة إلى اختيار كاظمة في خليج الكويت محطة نهائية للخط.

لكن هذا الخيار اصطدم بمسألة الوضع السياسي للكويت. ويذكر لوريمر أن بريطانيا وجهت في أبريل نيسان 1900 احتجاجات دبلوماسية إلى السفير الألماني في القسطنطينية بشأن الوضع السياسي للكويت، كما أن المفاوضات العثمانية ـ الألمانية اللاحقة تأثرت بالخلاف حول وضع الكويت، ولا سيما في ظل المعارضة البريطانية لامتداد سكة بغداد إليها، الأمر الذي جعل الكويت إحدى أهم العقد السياسية في مشروع السكة. وفي عام 1903 جرى تجاوز المشكلة مؤقتاً باقتراح أن يمتد الخط من بغداد عبر كربلاء والنجف إلى الزبير، على أن يحدد لاحقاً موقع النهاية في الخليج.

ومن المهم هنا توضيح مسألة جغرافية وتاريخية: لوريمر كان يدرس الكويت في مادة مستقلة عن العراق العثماني، ولم يكن يعتبر الكويت ببساطة جزءاً من ولاية بغداد. لكنه تناولها مع العراق والخليج في إطار العلاقات السياسية والاستراتيجية، لأن مشروع السكة جعل الكويت مرتبطة مباشرة بحسابات بغداد والبصرة والخليج.

وهذا يفسر لماذا أصبحت الكويت إحدى أهم نقاط التنافس المحيطة بمشروع سكة بغداد، رغم اختلاف وضعها الإداري والسياسي عن العراق العثماني.

الاتفاقية الحاسمة في 5 مارس آذار 1903
بلغ المشروع مرحلة جديدة في 5 مارس آذار 1903، عندما أبرمت اتفاقية سكة بغداد الجديدة.

وتكشف الوثائق أن الاتفاقية أكدت ووسعت الامتياز السابق الممنوح للشركة الأناضولية، ونصت على إنشاء شركة جديدة ذات طابع دولي تتولى امتياز خط بغداد. وكان من بين الموقعين السياسي والمصرفي الألماني آرثر فون غوينر (1856 – 1931)، رئيس مجلس إدارة شركة السكك الحديدية الأناضولية، والخبير الاقتصادي الألماني البارز الدكتور كورت زاندر (1860 – 1926)، المدير العام، والمهندس السويسري إدوار هوغينين (1856 – 1926)، إلى جانب وزير التجارة والأشغال العامة العثماني الكردي مصطفى زِهني باشا (1838 – 1911).

وتشير الوثائق إلى أن الامتياز كان سيُنقل إلى شركة سكة حديد بغداد الإمبراطورية العثمانية، وهي شركة كان يراد لها أن تحمل طابعاً دولياً.

دويتشه بنك في قلب المشروع
لم يكن المشروع الألماني مشروع شركة سكك حديدية بمعناها الضيق، بل كان مرتبطاً بالمؤسسات المالية الألمانية، وفي مقدمتها دويتشه بنك (Deutsche Bank).

وتوضح الوثائق أن اتفاق ديسمبر كانون الأول 1899 أُبرم بين وزير التجارة العثماني والمدير التنفيذي الأول للبنك الدكتور جورج فون سيمنس (1839 – 1901)، وكان يتصرف نيابة عن شركة السكك الحديدية الأناضولية، ومنح الشركة امتياز تمديد الخط إلى بغداد.

ثم حل آرثر غوينر في موقع قيادة دويتشه بنك، وظهر اسمه في اتفاقية 1903 إلى جانب كورت زاندر وإدوار هوغينين. وتثبت وثائق الاتفاقية نفسها هذه الأسماء وصفاتهم الرسمية.

وهذا يكشف أن سكة بغداد كانت منذ بدايتها مشروعاً تقف وراءه شبكة من البنك ورأس المال والشركات والهندسة والامتيازات الحكومية.

ألمانيا تدخل الخليج عبر التجارة والسفن
كان النشاط الألماني في الخليج يتوسع بالتزامن مع مشروع السكة. إذ يورد لوريمر حادثة لافتة في سنة 1899، حين أُمرت السفينة الحربية الألمانية «أركونا»، أثناء عودتها من الشرق الأقصى، بزيارة البصرة. وتوقفت السفينة في مسقط ولنجة وبوشهر، لكنها لم تتمكن من الوصول إلى البصرة بسبب غاطسها وعدم قدرتها على عبور شريط شط العرب، فعادت جنوباً.

وفي السنة نفسها، زارت مجموعة من الألمان بندر عباس لدراسة الوضع التجاري. ويذكر لوريمر تاجراً ألمانياً اسمه ريتشارد توبن (1861 – 1914) ظهر في مناطق مختلفة من الخليج بين 1899 و1904، كما يشير إلى روبرت وونكهوس (1874 – 1953)، ممثل لشركة هامبورغ استقر في البحرين سنة 1901.

وفي 1906 بدأت شركة هامبورغ ـ أمريكا الألمانية خدمة بواخر بين أوروبا والخليج، وأصبح التاجر الألماني المذكور وكيلاً لها في البحرين.

وهذه التفاصيل تجعل من الصعب النظر إلى سكة بغداد باعتبارها مشروعاً منفرداً؛ فقد كانت جزءاً من توسع ألماني تجاري وبحري متزامن.

بريطانيا بين المعارضة والمشاركة
كان الموقف البريطاني من المشروع معقداً. فمن جهة كانت بريطانيا ترى في وصول ألمانيا إلى الخليج خطراً محتملاً على مصالحها الاستراتيجية، ومن جهة أخرى كانت تدرك أن المشروع قد يمضي حتى من دون المشاركة البريطانية.

وتكشف الوثائق البريطانية أن الألمان كانوا يرغبون في الحصول على تعاون أجنبي، ولا سيما التعاون البريطاني، في تمويل المشروع. وتوضح وثائق المفاوضات أن نقل الامتياز إلى شركة ذات طابع دولي كان مرتبطاً برغبة الجانب الألماني في جذب رؤوس أموال أجنبية.

وهنا تظهر مفارقة مهمة: لم تكن المنافسة الألمانية ـ البريطانية تعني انقطاع المصالح الاقتصادية بين الطرفين؛ فقد حاول الألمان في مرحلة من المراحل جذب رأس المال البريطاني إلى مشروع كان البريطانيون أنفسهم ينظرون إليه بحذر.

أول 125 ميلاً والتمويل
بعد عدم مشاركة بريطانيا في مشروع 1903، تمكنت الشركة من المضي قدماً في بناء الجزء الأول من الخط.

وتذكر الوثائق البريطانية أن الألمان تمكنوا من بناء أول مقطع بطول 125 ميلاً من قونية إلى أرغلي، كما تمكنوا من توفير نحو مليون جنيه إسترليني من الأموال المرتبطة بالضمان العثماني لهذا القسم.

وهذا الرقم مهم لأنه يوضح أن المشروع كان يحتاج إلى رأس مال ضخم منذ مراحله الأولى، وأن الخزانة والضمانات العثمانية كانتا جزءاً من آلية تمويله.

الضمان العثماني ورأس المال الألماني
لم يكن بناء السكة يعتمد على الأموال الخاصة وحدها. فقد ارتبط المشروع بضمانات إيرادات تقدمها الحكومة العثمانية للمساعدة في تأمين التمويل.

وفي اتفاقية 1903 أصبح واضحاً أن الدولة العثمانية، من خلال الامتيازات والضمانات، كانت تشارك بصورة مباشرة في جعل المشروع قابلاً للتمويل.

وبذلك نشأ مثلث اقتصادي وسياسي واضح: الدولة العثمانية توفر الامتياز والضمان، ودويتشه بنك والمؤسسات الألمانية توفر رأس المال والخبرة المالية، بينما كانت بريطانيا تراقب المشروع وتبحث عن الطريقة التي يمكن بها حماية مصالحها أو المشاركة فيه بشروط مناسبة.

السكة والموارد والتجارة العراقية
كان الوصول إلى بغداد والخليج يحمل فوائد تتجاوز نقل الركاب. فخط حديدي يمتد عبر العراق كان يمكن أن يغير اتجاه التجارة وحركة البضائع.

فالعراق كان يعتمد بصورة كبيرة على دجلة والفرات والقوافل والطرق البرية والموانئ التقليدية. أما السكك الحديدية فكانت قادرة على إنشاء طريق أسرع وأكثر انتظاماً لنقل السلع والأشخاص.

وكان الوصول إلى الخليج يعني في النهاية ربط الأسواق العراقية بشبكات التجارة البحرية العالمية.

ومن هنا كان مشروع السكة قادراً، لو اكتمل بالشكل المخطط له، على إعادة تشكيل موقع بغداد الاقتصادي بين الأناضول والبصرة والخليج.

بغداد في قلب الحسابات الدولية
لم يكن اختيار بغداد عرضياً. فالمدينة تقع عند نقطة اتصال بين شمال العراق وجنوبه، وبين الطرق المؤدية إلى إيران وبين طرق الخليج.

ولهذا فإن وصول السكة إليها كان سيجعلها حلقة في طريق دولي يمتد من الأناضول إلى الخليج.

وهنا تتضح العلاقة بين سكة بغداد وبين وسائل النفوذ الأخرى. فالسكك الحديدية تنقل الأشخاص والبضائع، والتلغراف ينقل المعلومات بسرعة، والبريد يدعم التجارة والإدارة، بينما تؤمن الشركات والبنوك رأس المال اللازم لهذه الشبكات.

وبذلك لم تكن هذه الأدوات منفصلة، بل كانت عناصر في بنية نفوذ حديثة تتشكل حول العراق قبل الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918).

ألمانيا والاقتصاد العراقي
تكشف وثائق لوريمر عن توسع ألماني في التجارة والنشاط الاقتصادي بالتزامن مع مشروع السكة. بل يذكر أن ألمانيا حصلت في العراق العثماني على موقع تجاري قوي في بعض المجالات.

وكانت السكة تمنح الشركات الألمانية ميزة إضافية، لأنها تفتح الطريق أمام إنشاء شبكة طويلة من النشاط التجاري تمتد من الأناضول إلى بغداد ثم جنوباً.

وبذلك يمكن النظر إلى المشروع على أنه محاولة لبناء ممر اقتصادي متكامل، لا مجرد خط نقل.

السكة وميناء الخليج
ظل السؤال الأكبر هو: أين سينتهي الخط؟ كان اختيار الكويت في البداية مهماً للغاية، لكن المعارضة البريطانية للمشروع جعلت هذه المسألة معلقة. ثم جاءت ترتيبات 1903 لتجعل الامتداد جنوب بغداد يمر عبر كربلاء والنجف إلى الزبير، مع إبقاء موقع الميناء النهائي في الخليج مسألة تحتاج إلى تحديد لاحق.

وهنا تظهر أهمية الكويت مرة أخرى. فالمنافسة على السكة كانت في جانب أساسي منها منافسة على المخرج البحري للعراق والطريق إلى الخليج، وليس مجرد منافسة على محطة داخلية.

المشروع الذي تجاوز العراق
تكشف قصة السكة أن المشروع كان أوسع من العراق نفسه. فقد كان الهدف إنشاء شبكة تربط الأناضول بالعراق والخليج، بما يعنيه ذلك من ارتباط بين إسطنبول وبغداد والبصرة والموانئ الخليجية.

ولهذا كان المشروع جذاباً لألمانيا من الناحية الاقتصادية والاستراتيجية، ومقلقاً لبريطانيا من الناحية الجيوسياسية.

وكانت الدولة العثمانية ترى فيه وسيلة لتعزيز الاتصال بولاياتها العربية، بينما رأت ألمانيا فيه فرصة لتوسيع نفوذها الاقتصادي، ونظرت إليه بريطانيا من زاوية حماية الخليج والمصالح المرتبطة بطريق الهند.

السكة كأداة نفوذ قبل الاحتلال
تكشف هذه القصة واحدة من أهم الحقائق في تاريخ العراق الحديث: النفوذ الأجنبي لم يبدأ مع وصول الجيوش الأوروبية إلى العراق.

فقد سبق الاحتلال العسكري البريطاني للعراق تنافسٌ طويل على الامتيازات والمصالح، وشبكاتٌ من الشركات الأجنبية والبنوك والقنصليات والتجارة والبريد والتلغراف، فضلاً عن مشاريع السكك الحديدية والموانئ، بحيث كان النفوذ الأجنبي قد بدأ يترسخ في العراق قبل وصول الجيوش البريطانية بسنوات.

وفي حالة سكة بغداد، كانت ألمانيا تحاول دخول العراق والخليج من خلال المال والتكنولوجيا والبنية التحتية، بينما كانت بريطانيا تحاول منع تشكل محور ألماني ـ عثماني يصل إلى الخليج من دون أن تضطر بالضرورة إلى استخدام القوة العسكرية.

وهذا يوضح كيف أصبح العراق قبل الحرب العالمية الأولى جزءاً من صراع إمبراطوريات حديث كانت فيه الشركات والبنوك والسكك أدوات للسياسة الدولية.

الخلاصة
تكشف وثائق جون غوردون لوريمر أن سكة بغداد كانت واحدة من أبرز الأدوات التي نقلت العراق من هامش المنافسة الأوروبية إلى مركزها.

ففي 1899 حصل الألمان على الامتياز، وفي 1900 تحركت بعثة فنية لدراسة المسار في العراق، وفي 5 مارس آذار 1903 أُبرمت الاتفاقية الجديدة التي أعادت تنظيم المشروع ومنحته إطاراً دولياً. وبرز في هذه العملية جورج فون سيمنس، وآرثر غوينر، وكورت زاندر، وإدوار هوغينين إلى جانب المسؤولين العثمانيين.

وفي الوقت نفسه كان النشاط الألماني يتوسع في الخليج، من زيارة السفينة أركونا للبصرة سنة 1899 إلى النشاط التجاري في بندر عباس والبحرين، ثم دخول شركة هامبورغ ـ أمريكا في النقل البحري سنة 1906.

أما الكويت فكانت إحدى أهم عقد المشروع؛ إذ فُكر في كاظمة بخليج الكويت كمحطة نهائية، لكن الاعتراض البريطاني على ذلك، المرتبط أيضاً بمسألة الوضع السياسي للكويت، أدى إلى تأجيل الحسم، ثم جرى في 1903 اعتماد مسار يمر من بغداد عبر كربلاء والنجف إلى الزبير مع إبقاء مسألة المخرج الخليجي مفتوحة.

وهكذا لم تكن سكة بغداد مجرد مشروع حديدي. لقد كانت مشروعاً للنفوذ: عثماني في غايته السياسية، ألماني في رأس ماله ومؤسساته، وبريطانيا تراقبه باعتباره قضية تمس موقعها في الخليج.

ومن هنا فإن قصة سكة بغداد تشرح جانباً مهماً من تاريخ العراق قبل 1914: فالجيوش لم تكن أول من دخل الصراع على العراق؛ فقد سبقتها البنوك والشركات والامتيازات والتجارة والسكك والتلغراف والموانئ.

وهذه هي المفارقة التاريخية الأهم: قبل أن يصبح العراق مسرحاً عسكرياً في الحرب العالمية الأولى، كان قد أصبح بالفعل مسرحاً لصراع اقتصادي واستراتيجي بين إسطنبول وبرلين ولندن.

المراجع
جون غوردون لوريمر، دليل الخليج وعُمان ووسط الجزيرة العربية (Gazetteer of the Persian Gulf, Oman and Central Arabia).
https://dn710606.ca.archive.org/0/items/in.ernet.dli.2015.206963/2015.206963.Gazetteer-Of.pdf

https://dn790009.ca.archive.org/0/items/in.ernet.dli.2015.206964/2015.206964.Gazetteer-Of.pdf

انتهى