Screenshot

Screenshot

جذور الشجن في وادي الرافدين المواويل، والنعاوي، وطبيعة الحزن الجنوبي

يُعدّ الحزن العراقي، وتحديداً في مناطق جنوب العراق، ظاهرة سوسيولوجية وتاريخية معقدة، لا تقتصر على كونها حالة مزاجية عابرة، بل هي تراكم حضاري يمتد لآلاف السنين. يتجلى هذا التراكم بوضوح في الموروث الشعبي الشفاهي، وتحديداً في “المواويل” و”النعاوي” التي تُعدّ وثائق ناطقة بالتاريخ النفسي والاجتماعي لإنسان وادي الرافدين.

الاعتقاد بأن الغناء الحزين بدأ مع العصور الحديثة أو الإسلامية هو اعتقاد خاطئ تاريخياً؛ فالنصوص المسمارية تؤكد أن الحزن كان طقساً مؤسساتياً ودينياً في العراق القديم.

مراثي المدن أقدم أشكال الرثاء في التاريخ البشري ظهرت في سومر، وأشهرها “مرثية أور” التي كُتبت بعد تدمير مدينة أور السومرية (حوالي 2000 ق.م). تصف المرثية بكاء الآلهة والبشر على خراب المدينة ودمار المعابد وتشتت الأهالي. هذا النمط من البكاء الجماعي على الخراب أصبح جينة ثقافية متوارثة.

طقوس تموز (ديموزي): ارتبطت الديانة الرافدينية القديمة بتعاقب الفصول. في كل صيف قاحل، كان يُعتقد أن الإله “تموز” (إله الخصب) يموت ويهبط إلى العالم السفلي. كانت تُقام طقوس بكاء ونواح جماعية تقودها النساء والكهنة حزناً عليه، وتُعرف هذه الطقوس بـ “البكاء على تموز”.

كهنة الكالا كان في المعابد السومرية والبابلية فئة من الكهنة والمنشدين (وغالبيتهم يؤدون أدواراً أنثوية أو يغنون بطبقات صوتية نسائية) يُطلق عليهم “كالا”. وظيفتهم الأساسية هي إنشاد تراتيل الحزن والمراثي لتهدئة غضب الآلهة. مقاماتهم الموسيقية كانت تعتمد على السلالم الحزينة التي تشبه إلى حد كبير الأطوار الريفية الجنوبية الحالية.

نعاوي الأمهات” كامتداد لطقوس النواح القديمة
“النعي” أو “النعاوي” هو فن رثائي شعبي تؤديه النساء في جنوب العراق، وخاصة الأمهات والجدات، عند فقدان عزيز. يتميز بكونه ارتجالياً، يعتمد على بحور الشعر الشعبي القصيرة والمكثفة.
الارتباط الهيكلي بالماضي: النعاوي الحديثة تشبه إلى حد التطابق الوظيفي والنفسي تراتيل كاهنات المعابد السومرية اللواتي كنّ يندبن “تموز”. تتكرر في النعاوي ثيمات الفقد، قسوة القدر (الذي كان يُمثل قديماً بغضب الآلهة)، والرحلة إلى المجهول (العالم السفلي).

تُؤدى النعاوي غالباً بـ “طور الصبي” أو أطوار ريفية أخرى تعتمد على مساحات صوتية ضيقة وتكرار نغمي يولد شحنة عاطفية عالية، وهو امتداد للتراتيل الجنائزية القديمة التي لم تكن تعتمد على التطريب بل على التأثير النفسي العميق.

الموال العراقي، وبشكل خاص “الزهيري” (المكون من سبعة أشطر) و”الأبوذية” (المكونة من أربعة أشطر تنتهي بياء مشددة وهاء ساكنة)، يمثل ذروة التعبير عن الشجن الفردي والجماعي.

تطور الموال في بيئة قاسية ليكون متنفساً للفلاح العراقي والبحار وصياد الأهوار. كلمات المواويل تتمحور حول “الغربة في الوطن”، “خيانة الزمن”، “الفقد”، و”الظلم”.

الغناء الريفي الجنوبي (مثل المحمداوي، اللامي، الغافلي) يعتمد بالأساس على استعراض مساحات الألم في الصوت البشري. المغني لا “يُغني” بل “ينعى” بصوت مرتفع وحشرجة متعمدة (البحّة) ليعبر عن قسوة الحياة.

لماذا يغلب طابع الحزن على جنوب العراق دائماً؟
تتضافر مجموعة من العوامل الموضوعية (الجغرافية، التاريخية، والاجتماعية) التي صاغت هذه السيكولوجية الجمعية الميالة للحزن:

على عكس نهر النيل الذي كان فيضانه هادئاً ويمكن التنبؤ به (مما خلق نظرة متفائلة لدى المصريين القدماء)، كان فيضان دجلة والفرات مدمراً، فجائياً، وعنيفاً. هذا خلق لدى إنسان وادي الرافدين نظرة تشاؤمية مرعوبة من الطبيعة والقدر، وشعوراً دائماً بعدم الاستقرار.

بيئة الأهوار المستنقعية العزلة، وصعوبة الحياة فيها، فرضت إيقاعاً بطيئاً وحزيناً انعكس على الأصوات والمقامات.

العراق عبر التاريخ كان ساحة للصراع وممراً للغزوات (العيلاميون، الحيثيون، المغول، العثمانيون، والفرس). هذا التاريخ الدموي المتواصل جعل من “الفقد” حالة يومية، والموت واقعاً معيشاً، فصارت ثقافة الرثاء هي الثقافة السائدة.

في التاريخ الحديث، وتحديداً في القرنين التاسع عشر والعشرين، عانى فلاحو جنوب العراق من نظام إقطاعي شديد القسوة. سُلب الفلاح أرضه وكرامته، وعاش في فقر مدقع. هذا القهر الطبقي والاجتماعي لم يجد متنفساً له سوى في الأبوذية والموال، حيث كان الفلاح يبث شكواه لليل والطبيعة.

معركة كربلاء (61 هـ) ومقتل الإمام الحسين بن علي شكلت منعطفاً حاسماً في وجدان الجنوب العراقي. تماهت هذه المأساة التاريخية مع الموروث القديم (رثاء تموز)، وتأسست مؤسسة “المنبر الحسيني” و”الرادود”. أصبح البكاء واللطم والرثاء طقساً عقائدياً سنوياً يُجدد أحزان الجنوب ويُبقي الذاكرة الجمعية مشدودة إلى الألم والتضحية ومظلومية الإنسان.

في الختام يُحكى أنَّ أحد الطلاب العراقيين الدارسين في أمريكا ذهب لزيارة صديقٍ له هناك، فلم يجده في الدار التي كان ينزل بها، فجلس يتجاذب أطراف الحديث عنه مع صاحبة الدار.

أخذت السيدة تصف صديقه بأنه شابٌ طيبُ الأخلاق، ولكنَّ الغريب في أمره أنه لا يكاد يدخل الحمام حتى يشرع في البكاء!

وقد اتضح أخيراً أنَّ هذا الشاب العراقي لم يكن يبكي؛ بل كان يردد مواويل الفنان «عبادي العماري» التي تقطر حزناً.

#أسعد_صباح