نازك الملائكة
وُلدت الشاعرة الكبيرة نازك صادق الملائكة في بغداد عام 1923، في بيئة عائلية عريقة لا تتنفس سوى الأدب والشعر. وقبل أن تشتهر العائلة بلقبها الحالي، كان لقبهم القديم هو “الچلبي” من مدينة الكاظمية، ثم اختار الجيران لقب “الملائكة” للعائلة بسبب هدوئهم الشديد وسكينتهم العالية الفائقة، وهو اللقب الذي التصق بهم وبات رمزاً أدبياً وثقافياً بارزاً.
والدتها هي الشاعرة سليمة عبد الرزاق الملائكة، والتي عُرفت بكنيتها “أم نزار” نسبةً إلى نزار الشقيق الأكبر لنازك، وهو كنية حقيقية وليس اسماً مستعاراً كما شاع في بعض الأوساط. وكان والد نازك، الأديب والشاعر ومدرس اللغة العربية صادق الملائكة (وهو ابن عم والدتها)، يحب مناداتها باسم “سلمى”، وهو ما جعل بعض الجهات تنشره بهذا الاسم، بينما اسمها الثابت والرسمي في الهوية هو سليمة عبد الرزاق الملائكة. أما والدها فقد كان قامة علمية تركت مؤلفات هامة وموسوعية، لعل أبرزها موسوعة “دائرة معارف الناس”.
في هذا البيت المليء بالكتب والنقاشات النحوية والشعرية، بدأت نازك بكتابة الشعر النبطي (العامي) وهي في سن السابعة، ثم انتقلت لكتابة الشعر الفصيح في سن العاشرة. ولم تكتفِ بموهبتها الفطرية، بل سعت لصقلها بالدراسة الأكاديمية العميقة؛ فتخرجت من دار المعلمين العالية (كلية التربية حالياً) في بغداد عام 1944، ثم دخلت معهد الفنون الجميلة وتخرجت من قسم الموسيقى عام 1949 حيث درست العزف على آلة العود، مما عمّق فهمها للإيقاعات الشعرية وتطوير الأوزان. ولشغفها بالمعرفة، درست اللغات اللاتينية، الإنجليزية، والفرنسية، ثم سافرت إلى الولايات المتحدة الأمريكية وحصلت على درجة الماجستير في الأدب المقارن من جامعة ويسكونسن-ماديسون عام 1959.
تُعد نازك الملائكة (إلى جانب الشاعر العراقي بدر شاكر السياب) الرائدة الأولى لحركة “الشعر الحر” في الأدب العربي. وكانت قصيدتها الشهيرة “الكوليرا” (1947) هي الشرارة الأولى؛ إذ كتبتها لتصوير مشاعرها الحزينة تجاه الوباء الذي اجتاح مصر آنذاك، مستغنية فيها عن شطرَي البيت التقليدي (الصدر والعجز) والقافية الموحدة، معتمدة على وحدة “التفعيلة” وتنوع القوافي. وعندما قرأها والدها وناقشها فيها، ردت بثقة واعتزاز: “قل ما تشاء، فهذه القصيدة ستغير خريطة الشعر العربي”. وقد كان.
ولم تكتفِ نازك بالتطبيق، بل نظّرت لهذه الحركة نقدياً؛ ففي مقدمة ديوانها الثاني “شظايا ورماد” (1949)، وضعت القواعد والأصول العروضية للشعر الحر، مما جعلها المُنظّرة الأولى له.
المحطات الحياتية والاستقرار المادي
عاشت نازك الملائكة حياة كريمة ومستقرة مادياً واجتماعياً، ولم تكن يوماً مضطهدة أو تعاني من تضييق سياسي؛ بل كانت تحظى دائماً بتقدير
ومكانة رفيعة في وطنها العراق.
انتقلت للعيش في الكويت لمدى تزيد على عشرين عاماً كأستاذة في جامعة الكويت، ولم يكن انتقالها بحثاً عن الاستقرار بل رغبةً في توسيع معارفها وخبراتها الأكاديمية في بلد آخر.
وطوال فترة إقامتها في الكويت، ظلت الشاعرة الكبيرة على تواصل وثيق ومستمر مع وطنها، فكانت تستجيب دائماً وبترحاب لدعوات العراق الرسمية لحضور المهرجانات الأدبية والشعرية، . كما احتفظت بعلاقة ممتازة مع بلدها، وظل دارها العامر في حي “العامرية” ببغداد مفتوحاً ومحفوظاً بحراسة خاصة طوال فترة غيابها، وكانت تزور العراق مع عائلتها بسيارتهم الخاصة ويسكنون دارهم بحرية تامة وبدون أي عوائق أو مشاكل مع النظام.
وفي الفترة ما بين عامي 1990 و1992، عادت نازك الملائكة إلى العراق استجابةً لدعوة الحكومة العراقية ووجوب عودة الرعايا العراقيين من الكويت إثر تداعيات حرب الخليج، فأقامت في بلدها عامين وسط رعاية ومحبة.
أما عن غيابها الأدبي وتوقفها عن الكتابة، فلم يكن وراءه أي دافع سياسي، بل كان ناتجاً عن تقلبات صحية بدأت معها منذ منتصف عمرها تقريباً؛ حيث أخذت صحتها تضعف تدريجياً وثقل لسانها (وهو ما لُوحظ عليها بوضوح في آخر زياراتها لمهرجان المربد)، مما أثر على قدرتها المستمرة على الكتابة والعطاء بالشكل المعهود، فآثرت التوقف عن الكتابة منذ مطلع التسعينيات وقبلها ببضعة سنوات.
وبعد قضائها عامين في العراق، اشتدت عليها التقلبات الصحية وتراجعت حالتها كثيراً. وعند مغادرتها متوجهة إلى مصر براً، ونظراً لإغلاق مطار بغداد في ذلك الوقت، حظيت برعاية إنسانية وطبية رفيعة عند وصولها إلى منفذ “طريبيل” الحدودي؛ إذ أرسل العاهل الأردني الراحل الملك حسين طاقماً طبياً خاصاً استقبلها ونقلها إلى الأردن، حيث حلت ضيفة مكرمة هناك لاستكمال علاجها وفترة نقاهتها حتى استعادت قدرتها على مواصلة الرحلة.
بعدها، سافرت برفقة زوجها إلى القاهرة لتستقر في شقتها هناك، وهي الشقة التي كان يقطنها ابنها الدكتور البراق محبوبة وزوجته منذ سنوات طويلة. وفي القاهرة، آثرت الراحلة الكبيرة الانعزال التام بعيداً عن الأضواء والإعلام والنشاط الأدبي، محاطة برعاية وعناية ابنها وعائلته في سنواتها الأخيرة.
بعد رحلة حافلة بالإبداع والتجديد الأدبي، توفيت نازك الملائكة في القاهرة يوم 20 يونيو (حزيران) 2007 عن عمر يناهز 83 عاماً، ودُفنت في مقبرة العائلة الخاصة في القاهرة إلى جوار زوجها، مخلفةً وراءها إرثاً شعرياً ونقدياً خالداً غيّر مسار الأدب العربي الحديث.
#أسعد_صباح