جديد

مفهوم “الغيرة” في مجتمع جنوب العراق

مفهوم “الغيرة” في مجتمع جنوب العراق

الجنوبي الذي قد يفيض غيرةً وحمية في مواقف معينة، بينما يمارس ظلماً أو قسوة في مواقف أخرى.

في اللهجة العراقية الجنوبية، لا تعني “الغيرة” بمعناها النفسي الضيق المرتبط بالحسد أو المنافسة العاطفية. بل تُشير إلى النخوة، والشهامة، وحماية العرض، وإغاثة الملهوف، والأنفة، ومقاومة الضيم.

هي الرادع الداخلي الذي يمنع الرجل من قبول المهانة، ويدفعه للمخاطرة بحياته من أجل “الدخيل” (الذي يطلب الحماية) أو الجار، أو دفاعاً عن نساء المحلة والعشيرة.

ارتباطها بـ “البخت”: ترتبط الغيرة ارتباطاً وثيقاً بـ “البخت” (الضمير الأخلاقي والروحي)
و**”المستحى”** (الحياء الاجتماعي). الفرد الذي “لا يملك غيرة” يُصنف في أسفل الهرم الاجتماعي ويُسقط اعتباره (“ساقط فرض”).

عاش إنسان الجنوب العراقي (منطقة السهل الرسوبي والأهوار) في بيئة مائية برية قاسية وصعبة. تطلبت الحياة في هذه البيئة (صيد الأسماك، تربية الجواميس، زراعة الشلب) تضامناً جماعياً مطلقاً للبقاء. الكوارث الطبيعية مثل الفيضانات المفاجئة لنهري دجلة والفرات كانت تتطلب فزعة جماعية (وهو ما يُعرف بـ “الفزعة” أو “العونة”)، ومن هنا ارتبطت “الغيرة” بإنقاذ الآخرين دون تردد كآلية بقاء بيولوجية واجتماعية.

غياب السلطة المركزية ونشوء “قانون العشيرة”
على مدى قرون من السيطرة العثمانية وما تلاها، كانت مناطق جنوب العراق معزولة جغرافياً وإدارياً عن بغداد. هذا الإهمال الحكومي جعل العشيرة هي “الدولة البديلة” التي توفر الأمن والقضاء والخدمات.

في هذا المجتمع اللادولتي، تشكلت “السنّة العشائرية” (الأعراف الاجتماعية غير المكتوبة). وأصبحت “الغيرة” بمثابة القانون الدستوري الأخلاقي الذي يحمي الضعيف؛ فمن لا غيرة له لا يحميه أحد، ومن يملك الغيرة يلتزم بحماية العشيرة وأفرادها.

الجنوب العراقي هو منطقة تداخلت فيها الهجرات البدوية القادمة من شبه الجزيرة العربية مع سكان الأهوار والريف الأصليين (التحول العشائري الكبير في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر). انتقلت مع هذا التحول قيم البداوة كالشهامة والفروسية وحماية الضعيف.
علاوة على ذلك، اندمجت هذه القيم مع الرمزية الكربلائية في الفكر الشيعي، حيث استمد الجنوبيون قيم التضحية، وإباء الضيم، ونصرة المظلوم من سيرة الإمام الحسين بن علي وأخيه العباس (الذي يُلقب في الوجدان الشعبي الجنوبي بـ “أبو الغيرة” و**”كفيل زينب”**). هذا البُعد الروحي حوّل “الغيرة” من مجرد عرف قبلي إلى واجب عقائدي مقدس يتقرب به الفرد إلى الله.

يلاحظ المراقب الاجتماعي والباحث الأنثروبولوجي (مثل عالم الاجتماع العراقي الدكتور علي الوردي في أبحاثه حول “شخصية الفرد العراقي”) وجود ثنائية حادة وتناقض ظاهري في السلوك؛ فقد تجد شخصاً مستعداً للموت دفاعاً عن الغريب أو الجار (قمة الغيرة والحمية)، لكنه في الوقت ذاته يمارس قسوة بالغة أو ظلماً ضد فئات أخرى (مثل النساء في قضايا “النهوة” أو “الفصلية”، أو ضد العشائر المنافسة).

ازدواجية الشخصية (بين البداوة والحضارة)
وفقاً لنظرية علي الوردي، يعيش العراقي (والجنوبي بشكل خاص) صراعاً دائماً بين قيمتين متناقضتين:
قيم البداوة والريف: التي تمجد القوة، والسطوة، والغلبة، والعصبية العشائرية.

قيم الحضارة والمدنية (أو التدين الأخلاقي): التي تدعو إلى العدل، والتسامح، والمساواة.

عندما يتعارض موقف ما مع العصبية العشائرية، قد تتغلب “قيم السطوة والغلبة” على حساب العدالة المطلقة. فالغيرة هنا تصبح “غيرة انتقائية” تُفعّل للدفاع عن جماعته الفرعية (العشيرة أو المذهب أو الصنف) وليس كقيمة إنسانية عامة وشاملة.

أبرز تجليات هذا التناقض تظهر في التعامل مع المرأة. فالجنوبي يحمي المرأة الغريبة في الشارع ويستقتل في الدفاع عنها إذا استنجدت به تحت بند “الغيرة والناموس”، ولكنه قد يظلم أخته أو ابنته بحرمانها من التعليم، أو إجبارها على الزواج (النهوة العشائرية)، أو التنازل عن إرثها.

التفسير: المجتمع العشائري يرى المرأة كـ “مستودع لشرف العشيرة” ورمز لسمعتها الاجتماعية. الغيرة عليها والدفاع عنها خارجياً هو دفاع عن سمعة العشيرة وهيبتها. أما قمعها داخلياً وحرمانها من حقوقها فهو ناتج عن الخوف من “انفلات السيطرة” الذي قد يجلب العار (“الغسيل للعار”). بالتالي، كلا السلوكين (الحماية المفرطة والقمع المفرط) ينبعان من جذر واحد: المرأة كملكية رمزية للعشيرة وليس ككيان مستقل قائم بذاته.

ثقافة “الفصل العشائري” وتجزئة العدالة
في النظام القبلي بالجنوب العراقي، تُقسم الإنسانية إلى “نحن” (العشيرة والحلفاء) و”هم” (الآخرون).
مع الأقربين والحلفاء: تظهر الغيرة والحمية والأخوة بأرقى صورها (الكرم، الفزعة، التضحية).
مع الخصوم أو الغرماء: قد تُستباح الحقوق ويسود منطق القوة والظلم تحت مبرر “أخذ الثأر” أو “فرض الهيبة”. الغيرة هنا تتحول إلى “حَميّة جاهلية” تُبرر الظلم للحفاظ على هيبة المجموعة.

إن “الغيرة” في جنوب العراق هي رأس مال اجتماعي ورمزي هائل، يمثل صمام أمان أخلاقي يحمي المجتمع من التفكك والجريمة الفردية السائبة في ظل غياب أو ضعف المؤسسات المدنية. هي طاقة نفسية دافعة للتضامن والشهامة التي أبقت المجتمع الجنوبي متماسكاً رغم موجات الحروب والأزمات الاقتصادية الطاحنة.

#أسعد_صباح