جديد

تُعد كارثة تجفيف الأهوار في جنوب العراق خلال تسعينيات القرن الماضي واحدة من أسوأ الجرائم البيئية والإنسانية في العصر الحديث. فقد أدت هذه العمليات الممنهجة إلى تدمير 97% من مساحة الأهوار المركزية،

تُعد كارثة تجفيف الأهوار في جنوب العراق خلال تسعينيات القرن الماضي واحدة من أسوأ الجرائم البيئية والإنسانية في العصر الحديث. فقد أدت هذه العمليات الممنهجة إلى تدمير 97% من مساحة الأهوار المركزية، محطمةً نظاماً بيئياً وحياتياً فريداً استمر لأكثر من 5000 سنة، ووصفتها الأمم المتحدة بأنها “مأساة توازي في حجمها إزالة غابات الأمازون المطيرة”.

ادعت الحكومة العراقية آنذاك أن بناء السدود والقنوات الترابية الضخمة يهدف إلى استصلاح الأراضي لأغراض زراعية ومعالجة تملح التربة. لكن الهدف الحقيقي كان عسكرياً وأمنياً بامتياز؛ فطبيعة الأهوار المعقدة وغابات القصب الكثيفة والممرات المائية المتشابكة جعلت منها حصناً طبيعياً يصعب على القوات العسكرية اختراقه.

خلال فترة الثمانينيات، شكلت الأهوار ملاذاً للهاربين من الخدمة العسكرية في الحرب العراقية الإيرانية، وعقب فشل “الانتفاضة الشعبانية” عام 1991، لجأ إليها آلاف المعارضين والثوار. كرد فعل، شنت الحكومة حملة هندسية قاسية لقطع شرايين المياه القادمة من نهري دجلة والفرات، محولةً هذه الجنة المائية إلى صحراء قاحلة لتجريد المعارضين من غطائهم الجغرافي.

كانت الأهوار العراقية تمثل أكبر نظام بيئي للأراضي الرطبة في الشرق الأوسط. وبتجفيفها، تحولت المنطقة إلى مقبرة للحياة البرية، حيث اختفى بالفعل 134 نوعاً من الطيور والحيوانات، وتمثلت

كانت الأهوار محطة استراحة وتزاوج لملايين الطيور المهاجرة سنوياً بين سيبيريا وأفريقيا. جفاف المياه أجبر هذه الأسراب على تغيير مسارها، كما دفع أنواعاً نادرة مستوطنة (مثل هازجة قصب البصرة) إلى حافة الانقراض.
الحيوانات البرية والمائية: فقدت كائنات متوطنة موطنها الوحيد، وعلى رأسها “كلب الماء ذو الفراء الناعم” (المعروف محلياً بـ “جليب المي”) والذي بات رؤيته شبه مستحيلة.
إبادة الثروة السمكية: فقد العراق نحو 65% من ثروته السمكية التي كانت توفرها مياه الأهوار العذبة، ونفقت أعداد هائلة من قطعان “الجاموس” التي لم تحتمل الجفاف.

انقلاب المناخ: جحيم الجنوب
، تغير المناخ ليصبح أكثر قسوة وحرارة. قبل التجفيف، كانت هذه المسطحات المائية الشاسعة تعمل كـ “مُبرّد” طبيعي ومصدر لترطيب أجواء جنوب العراق.

بعد انحسار المياه:
ارتفعت درجات الحرارة بشكل حاد: لتتصدر مدن مثل البصرة والناصرية وميسان قائمة أعلى درجات الحرارة عالمياً خلال فصل الصيف.

مع جفاف التربة وانعدام الغطاء النباتي (القصب والبردي)، تفككت جزيئات الأرض، مما سهّل على الرياح إثارة غبارها لتتشكل عواصف ترابية عنيفة باتت تخنق المدن العراقية، إضافة إلى تفاقم أزمة تملح التربة وخرابها الزراعي.

كان سكان الأهوار (عرب المعدان) يعيشون حياة متوارثة عن أجدادهم السومريين، حيث تُبنى منازلهم (المضايف) من القصب، وتعتمد حياتهم كلياً على صيد الأسماك والطيور وتربية الجاموس.
بجفاف المياه، انعدمت سبل الحياة، ووقعت كارثة تهجير قسري ضخمة طالت نحو 300 ألف إلى 500 ألف إنسان، وقد توزع نزوحهم على مسارين:

النزوح الداخلي (عشوائيات المدن): اضطر مئات الآلاف إلى الهجرة نحو أطراف المدن القريبة مثل الناصرية، العمارة، والبصرة. ولأنهم فقدوا مصدر رزقهم الوحيد، عاشوا في ظروف فقر مدقع ضمن عشوائيات تفتقر لأبسط الخدمات. وامتد النزوح حتى أطراف العاصمة بغداد بحثاً عن العمل.

النزوح الخارجي (مخيمات اللاجئين): هرب عشرات الآلاف عبر الحدود نحو إيران، حيث استقر معظمهم في مخيمات للاجئين في محافظة خوزستان (الأحواز) والمناطق الحدودية. عاشوا هناك لسنوات طويلة في ظروف قاسية جداً بانتظار العودة.

رغم المحاولات التي جرت لإعادة غمر المنطقة بالمياه بعد سقوط النظام عام 2003 والتي أنعشت أجزاءً من الأهوار، إلا أن الأضرار العميقة التي مست بنية هذا النظام البيئي، إلى جانب أزمات الجفاف الحديثة وبناء سدود في دول الجوار، تجعل من استعادة مجد الأهوار التاريخي تحدياً بالغ الصعوبة

#أسعد_صباح