IMG_5176

شهد تاريخ الطب في العراق العديد من الشخصيات التي تركت أثراً عميقاً في الذاكرة المجتمعية بفضل تفانيها الإنساني والمهني. من بين هذه الشخصيات البارزة الطبيبة العراقية ذات الأصول اليهودية “ڤيوليت شاؤول طويق”، والتي مثّلت مع عائلتها نموذجاً فريداً للانتماء والتمسك بالبقاء في العراق، رغم الظروف السياسية والاجتماعية المعقدة التي مرت بها البلاد.

ولدت الدكتورة ڤيوليت شاؤول طويق عام ١٩٢٣، أي بعد تأسيس المملكة العراقية بسنتين فقط (١٩٢١). نشأت في بيئة بغدادية عريقة، وفي نهاية الأربعينيات من القرن العشرين، أكملت دراستها في الكلية الطبية الملكية العراقية التي كانت تُخرّج النخب الطبية في المنطقة.

بعد تخرجها، عملت في عدة مستشفيات داخل العراق لتبدأ مسيرة طبية امتدت لعقود.

اكتسبت الدكتورة ڤيوليت شهرة واسعة، ليس فقط لكفاءتها الطبية، بل لإنسانيتها العالية؛ فقد خصصت أوقاتاً محددة في عيادتها الخاصة، الكائنة في “شارع الرشيد” العريق ببغداد، لمعالجة المرضى الفقراء بشكل مجاني. ورغم موجات الهجرة الكبيرة التي طالت يهود العراق في أواخر الأربعينيات وبداية الخمسينيات من القرن الماضي، رفضت الدكتورة ڤيوليت وزوجها “فؤاد إلياهو” مغادرة بلدهما، واختارا البقاء لخدمة المجتمع العراقي.

في مطلع الثمانينيات، تسنمت الدكتورة ڤيوليت منصب مديرة طوارئ الجراحية، والذي عُرف لاحقاً باسم “مستشفى الواسطي للجراحة التقويمية والتجميلية”. واستمرت في أداء مهامها حتى إحالتها إلى التقاعد في مطلع التسعينيات.

استمرار المسيرة: ظافر فؤاد إلياهو “طبيب الفقراء”
تزامناً مع عمل والدته، التحق ابنها الوحيد، “ظافر فؤاد إلياهو” — المولود في بغداد عام ١٩٦٠ — بكلية الطب في جامعة بغداد، حيث تخرج منها عام ١٩٨٤ متخصصاً في جراحة العظام والكسور. وفي مطلع التسعينيات، وبعد تقاعد والدته، انضم الدكتور ظافر إلى كادر مستشفى الواسطي.

في تلك الحقبة، كان المستشفى يضم نخبة من كبار أطباء الجراحة التجميلية والتقويمية في العراق، من أمثال: مدير المستشفى الدكتور علاء بشير، والدكتور وليد الدوري، والدكتور أسام النجار، والدكتور عباس الصحن.

بفضل سياسة المستشفى التي كانت تخصص أسرّة مجانية للعائلات الفقيرة والمتعففة، برز الدكتور ظافر كأحد أهم جراحي العظام، حيث تكفّل بإجراء أغلبية عمليات الكسور المعقدة للمرضى الفقراء مجاناً، مما جعله يُلقب شعبياً بـ “طبيب الفقراء”.

استمر الدكتور ظافر بعمله متفانياً في خدمة العراقيين، رافضاً المغريات وعروض الهجرة والعمل خارج العراق،

حتى وافته المنية في بغداد منتصف شهر مارس/آذار عام ٢٠٢١ إبان فترة جائحة كورونا التي عصفت بالبلاد، تاركاً خلفه إرثاً كبيراً من الاحترام المجتمعي، ودُفن في مقبرة الحبيبية بمدينة الصدر وسط حضور وتشييع من زملائه وأصدقائه من مختلف الطوائف.

حظيت عائلة طويق – إلياهو بتقدير رسمي نظير خدماتهم الطبية والإنسانية الكبيرة. وخلال فترة تولي السيد مصطفى الكاظمي رئاسة الوزراء، تم توجيه اهتمام ورعاية خاصين من قبل مكتب رئيس الوزراء لما تبقى من العائلة، وتحديداً شقيقته الوحيدة الدكتورة “خالدة فؤاد إلياهو”، والتي تعمل طبيبة أسنان في أحد المراكز الصحية في بغداد.

وضمن جهود الحكومة في حفظ التراث المتبقي لهذه الشريحة، شملت الرعاية أيضاً دعم ترميم وتأهيل دور العبادة الخاصة بالطائفة اليهودية في بغداد (مثل كنيس مئير طويق الذي يحمل إسم العائلة الأكبر) تحت إشراف مباشر من رئاسة الوزراء، في خطوة لتأكيد احتضان الدولة لتاريخ أبنائها المخلصين.

تُمثل قصة الدكتورة ڤيوليت شاؤول طويق وابنها الدكتور ظافر فؤاد إلياهو صفحات مضيئة وموثقة في السجل الطبي العراقي. لقد أثبتت مسيرتهما أن الانتماء الوطني والخدمة الإنسانية الخالصة يتجاوزان كل الانتماءات الفرعية، وأن الأطباء المخلصين الذين يكرسون علمهم لخدمة الفقراء والمحتاجين تظل ذكراهم محفورة كجزء لا يتجزأ من تاريخ المجتمع العراقي.

#أسعد_صباح