
رياض سعد
وكما عوّدناكم، ضمن سلسلة «مقولة وتعليق»، نتناول في كل حلقة مقولةً أو بيتًا شعريًا بالشرح والتحليل والتعليق، في محاولةٍ لالتقاط ما وراء الكلمات من دلالاتٍ نفسية واجتماعية وفلسفية وسياسية، وربطها بتجربة الإنسان وواقعه… ؛ وفي هذا السياق، نتوقف اليوم عند مقولةٍ للأديب المصري مصطفى لطفي المنفلوطي، وردت في كتابه «النظرات»، إذ يقول:
«السبب في شقاء الإنسان أنه دائمًا يزهد في سعادة يومه، ويلهو عنها بما يتطلع إليه من سعادة غده، فإذا جاء غده اعتقد أن أمسه كان خيرًا من يومه، فهو لا ينفك شقيًّا في حاضره وماضيه.»
هذه واحدة من العبارات التي تبدو للوهلة الأولى حكمة بسيطة عن الندم وتأجيل السعادة ، لكنها في الحقيقة تفتح باباً واسعاً على سؤال أعمق: لماذا يعجز الإنسان عن أن يعيش حياته في اللحظة التي تحدث فيها؟
فالمنفلوطي لا يتحدث هنا عن الفقر أو المرض أو المصائب وحدها، وإنما عن طريقة الإنسان في النظر إلى الزمن ؛ عن ذلك العقل الذي لا يرضى بالحاضر لأنه ينتظر المستقبل، ثم لا يرضى بالمستقبل عندما يتحول إلى حاضر، فيعود إلى الماضي باحثاً فيه عن حياة يعتقد أنها كانت أجمل.
وهكذا يصبح الإنسان، كما يقول المنفلوطي، شقيّاً في حاضره وماضيه معاً…!!
# الإنسان الذي يعيش في مكان آخر
هناك إنسان يعيش في جسده هنا، لكنه يعيش في ذهنه في مكان آخر.
يكون في الحاضر، لكن عينيه معلقتان بالمستقبل:
سأكون سعيداً عندما أتخرج.
سأرتاح عندما أتزوج.
سأعيش عندما أمتلك المال.
سأطمئن عندما أحصل على الوظيفة.
سأفرح عندما أشتري البيت.
سأبدأ حياتي عندما تنتهي هذه المشكلة.
ثم يأتي ذلك المستقبل المنتظر.
يحصل على الوظيفة، ويتزوج، ويشتري البيت، ويجمع المال، وتنتهي المشكلة.
ولكن المفاجأة أنه لا يشعر بالسعادة التي تخيلها.
لماذا؟
لأن العقل لم يتعلم الاستمتاع بالوصول، وإنما تعلّم فقط مطاردة الوصول .
وهنا تكمن المفارقة التي التقطها المنفلوطي بذكاء شديد: نحن لا نؤجل السعادة فقط؛ بل نؤجل حقنا في الشعور بأننا سعداء.
# المستقبل الذي يبتلع الحاضر
المستقبل ضروري للإنسان؛ فمن دونه لا توجد خطة ولا أمل ولا مشروع.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول المستقبل من أفق نتحرك نحوه إلى شرط لكي نسمح لأنفسنا بأن نعيش .
عندها يصبح الحاضر مجرد غرفة انتظار.
وهذه هي الحياة التي يعيشها كثيرون: نحن لا نعيش اليوم، وإنما نتحمل اليوم.
نحن لا نستمتع بالرحلة، وإنما ننتظر الوصول.
لا نستمتع بالعمل، وإنما ننتظر الراتب.
لا نستمتع بالشباب، وإنما نخطط للشيخوخة.
ولا ننتبه إلى أن السنوات التي قضيناها في الانتظار كانت هي نفسها الحياة التي كنا ننتظر أن تبدأ …!!
# لماذا يبدو الماضي أجمل دائماً؟
ثم تأتي الضربة الثانية في مقولة المنفلوطي: «فإذا جاء غده اعتقد أن أمسه كان خيرًا من يومه.»
لماذا يفعل الإنسان ذلك؟
لأن الذاكرة ليست كاميرا.
إنها محررٌ داخلي للتجربة .
عندما نتذكر الماضي، لا نستعيده كما كان تماماً، وإنما نستعيده بعد أن تكون الذاكرة قد انتقت منه بعض الصور وأسقطت صوراً أخرى.
ولهذا نتذكر طفولتنا غالباً بوصفها زمناً جميلاً، وننسى خوفنا آنذاك، ومللنا، ومشكلاتنا الصغيرة، والأيام التي كنا نتمنى فيها أن نكبر بسرعة.
ثم عندما نكبر، نكتشف أننا كنا سعداء في ذلك الزمن من دون أن نعرف.
وهنا تظهر مأساة الإنسان: لقد كان يعيش لحظته، لكنه لم يكن يعرف أنها لحظة ستصبح ذات يوم ذكرى.
# نحن لا نشتاق دائماً إلى الماضي… بل إلى أنفسنا فيه
حين يقول الإنسان: «كانت أيام زمان أجمل»
فهو أحياناً لا يشتاق إلى الزمان نفسه.
إنه يشتاق إلى نسخة قديمة من ذاته .
يشتاق إلى جسده القديم، وأصدقائه، ووالديه، وبيته الأول، وأول حب، وأول حلم، وإلى تلك المرحلة التي كانت فيها الحياة أقل تعقيداً.
لذلك فإن الحنين إلى الماضي ليس دائماً حنيناً إلى الأماكن والأحداث؛ إنه في كثير من الأحيان **حنين إلى الإنسان الذي كنا عليه قبل أن تسرقنا الحياة من أنفسنا.**
ولهذا قد نعود إلى المكان نفسه بعد عشرين عاماً فلا نجده كما نتذكره.
ليس لأن المكان تغير فقط، وإنما لأن **الذي كان يرى المكان قد تغير**.
# مشكلة الإنسان ليست الزمن… بل علاقته بالزمن
الزمن في حد ذاته لا يعذب الإنسان.
الذي يعذبه هو موقفه من الزمن.
الماضي لا نستطيع تغييره.
والمستقبل لا نستطيع امتلاكه.
والحاضر قصير إلى درجة مذهلة.
ومع ذلك نقضي حياتنا موزعين بين ثلاثة أشياء:
**ندم على الماضي، وقلق من المستقبل، وغفلة عن الحاضر.**
ولهذا يبدو الإنسان وكأنه يعيش في ثلاث غرف، لكنه لا يسكن أياً منها.
إذا عاش في الماضي أصبح أسيراً للحنين والندم.
وإذا عاش في المستقبل أصبح أسيراً للقلق والتوقع.
أما إذا عاش في الحاضر، فقد بدأ للمرة الأولى **يعيش فعلاً**.
# البعد النفسي: لماذا لا يكفينا ما نملك؟
هناك جانب نفسي عميق في كلام المنفلوطي.
الإنسان لا يتكيف فقط مع الأشياء السيئة، بل يتكيف أيضاً مع الأشياء الجيدة.
ما كان بالأمس حلماً يصبح اليوم أمراً عادياً.
السيارة التي حلمت بها تصبح بعد أشهر مجرد سيارة.
البيت الذي انتظرته سنوات يصبح بعد مدة مكاناً تعيش فيه.
الراتب الذي فرحت به في البداية يصبح رقماً معتاداً.
حتى العلاقات الإنسانية يمكن أن تخضع لهذا التكيف.
وهكذا تتحرك النفس باستمرار نحو **خط جديد من التوقعات**.
كلما وصلت إلى شيء، رفعت سقف ما تريد.
وهذه الآلية تجعل الإنسان قادراً على التطور، لكنها في الوقت نفسه قد تحرمه من الإحساس بالامتنان.
فتصبح المشكلة ليست في قلة النعم، وإنما في عدم القدرة على رؤيتها بعد أن تصبح مألوفة .
# وهنا يتحول الطموح إلى مرض
الطموح جميل عندما يجعل الإنسان أفضل.
لكنه يتحول إلى عبء عندما يقول له: أنت لست جيداً بما يكفي الآن.
حين يصبح الإنسان دائماً في حاجة إلى إنجاز جديد لكي يشعر بقيمته، فإنه يدخل في سباق لا نهاية له.
يصل إلى القمة، فيكتشف أن هناك قمة أخرى.
يحصل على المال، فيريد المزيد.
ينال الشهرة، فيريد انتشاراً أكبر.
يحصل على السلطة، فيريد سلطة أوسع.
وفي النهاية قد يمتلك أشياء كثيرة، لكنه لا يمتلك الإحساس بالاكتفاء … !!
وهنا ينبغي التفريق بين الطموح و عدم الرضا .
الأول يدفعك إلى الأمام.
والثاني يمنعك من الاستمتاع بما وصلت إليه.
# البعد الاجتماعي: مجتمع يؤجل السعادة
المشكلة ليست فردية دائماً.
هناك مجتمعات كاملة تعلّم أبناءها أن الحياة الحقيقية ستبدأ لاحقاً.
الطفل يسمع: ادرس الآن، وسترتاح عندما تكبر.
ثم يكبر فيقال له: اعمل الآن، وسترتاح عندما تجمع المال.
ثم يقال له: اصبر حتى تتزوج.
ثم: اصبر حتى يكبر الأطفال.
ثم: اصبر حتى يتقاعد الإنسان.
ثم يكتشف فجأة أن سلسلة «اصبر» انتهت، وأن العمر نفسه انتهى معها.
وهكذا يتحول الإنسان إلى مشروع مؤجل باستمرار.
كل مرحلة في حياته تصبح ممراً إلى المرحلة التالية، ولا تصبح حياة بحد ذاتها.
# وفي المجتمعات المأزومة تصبح المسألة أكثر قسوة
في المجتمعات التي تعيش الحروب والأزمات والفقر وعدم الاستقرار، يصبح الحاضر أحياناً ثقيلاً بالفعل.
فيقول الإنسان: سنعيش عندما تنتهي الحرب.
ثم: سنعيش عندما تتحسن الدولة.
ثم: عندما تنخفض الأسعار.
ثم: عندما تتوفر الكهرباء والخدمات.
ثم: عندما يتغير السياسيون.
وهكذا يمكن أن يتحول انتظار الحياة الأفضل إلى ثقافة اجتماعية كاملة.
لكن المشكلة أن الظروف قد لا تتحسن بالسرعة التي نريدها، وقد تمر السنوات بينما الإنسان يؤجل كل شيء.
وهنا لا تعني الحكمة أن نتجاهل البؤس أو نتظاهر بالسعادة، وإنما تعني ألا نسمح للظروف بأن تصادر كل مساحة ممكنة للحياة .
فحتى في أقسى الظروف يمكن للإنسان أن يحتفظ بصديق، وكتاب، ونزهة، وموسيقى، وابتسامة، وحوار، وذكرى جميلة، ووقت مع من يحب.
هذه الأشياء ليست ترفاً.
إنها مساحات مقاومة نفسية للخراب .
# البعد الوجودي: الإنسان كائن يعرف أنه سيموت
ربما تكمن أعمق طبقات هذه العبارة في الوجودية.
الإنسان هو الكائن الذي يعرف أنه سيموت، لكنه يتصرف غالباً كما لو أن أمامه زمناً لا ينتهي.
وهذا الوعي بالموت هو الذي يجعل الحاضر ثميناً.
فإذا كنت تعرف أن كل يوم لا يعود، فإن اليوم ليس مجرد وحدة زمنية.
إنه قطعة من عمرك تُستهلك مرة واحدة فقط .
ولهذا فإن إضاعة الحاضر ليست مجرد إضاعة وقت.
إنها إضاعة جزء من الوجود نفسه.
فالوقت الذي مضى لا يمكن استعادته بالمال ولا بالسلطة ولا بالندم.
ومن هنا تصبح عبارة المنفلوطي أكثر قسوة:
أنت لا تخسر يومك فقط عندما لا تعشه؛ أنت تخسر جزءاً منك لن يعود.
# السعادة ليست دائماً حدثاً كبيراً
نحن نرتكب خطأ آخر عندما نتصور السعادة باعتبارها حدثاً ضخماً:
ثروة.
نجاح.
حب استثنائي.
سفر.
شهرة.
انتصار.
لكن الحياة في حقيقتها لا تتكون من هذه اللحظات الكبرى فقط.
إنها تتكون أساساً من تفاصيل صغيرة متكررة .
فنجان قهوة في الصباح.
حديث مع شخص نحبه.
ضحكة عابرة.
كتاب جيد.
شارع نعرفه.
رائحة المطر.
جلسة مع الأصدقاء.
صحة لا ننتبه إليها لأنها موجودة.
والإنسان لا يكتشف قيمة هذه الأشياء إلا بعد أن يفقد بعضها.
ولهذا ربما تكون إحدى أكثر المفارقات حزناً في الحياة:
نحن نكتشف قيمة النعمة غالباً بعد أن تتحول إلى ذكرى.
# لكن هل يريد المنفلوطي أن نكره المستقبل؟
بالتأكيد لا.
فالإنسان الذي لا يتطلع إلى الغد يفقد الأمل.
المشكلة ليست أن نحلم بالغد، وإنما أن نحوّل الغد إلى شرط للحياة .
يمكنك أن تقول: سأعمل لكي يكون غدي أفضل، لكنني لن أحتقر يومي.
يمكنك أن تطمح إلى منزل أكبر، دون أن تحتقر منزلك الحالي.
يمكنك أن تطمح إلى نجاح أكبر، دون أن تعتبر كل ما أنجزته حتى الآن فشلاً.
يمكنك أن تتطلع إلى المستقبل، دون أن تجعل المستقبل يسرق منك الحاضر.
وهذه ربما هي الحكمة الأكثر توازناً: خطط للغد، وتعلّم من الأمس، لكن لا تسلّم حياتك لأي منهما.
#الخلاصة: لا تجعل حياتك غرفة انتظار
إن مأساة الإنسان التي تحدث عنها المنفلوطي ليست أنه لا يجد السعادة دائماً، وإنما أنه قد يجدها ثم لا ينتبه إليها .
قد يكون سعيداً وهو صغير، لكنه يريد أن يكبر.
ثم يكبر ويريد المال.
ثم يحصل على المال ويريد الحب.
ثم يتزوج ويريد الأولاد.
ثم يأتي الأولاد فيشتاق إلى أيام العزوبية.
ثم يكبر الأولاد فيشتاق إلى طفولتهم.
ثم يتقدم به العمر فيتمنى أن يعود شاباً.
وهكذا: يعيش الإنسان مرة واحدة، لكنه يقضي جزءاً كبيراً من حياته متمنياً أن يكون في زمن آخر.
وهذا هو المعنى العميق في قول المنفلوطي: «فهو لا ينفك شقيًّا في حاضره وماضيه.»
إنه شقي في حاضره لأنه ينتظر غده، وشقي في ماضيه لأنه يحن إليه بعد فواته.
أما السعادة الأكثر نضجاً، فليست أن تحصل على كل ما تريد، وإنما أن تتعلم ألا تفقد قيمة ما لديك وأنت تسعى إلى ما ليس لديك.
ولعل أجمل تعليق يمكن أن نخرج به من مقولة المنفلوطي هو: لا تؤجل حياتك حتى تصبح الحياة كما تريد؛ فقد يأتي اليوم الذي تصبح فيه الحياة كما تمنيت، لكنك لن تعود أنت الشخص الذي يستطيع الاستمتاع بها.
فالحياة لا تحدث غداً.
الحياة تحدث الآن.




