LOGO

كمال فتاح حيدر

أن تمارس عمق وعيك مع قيادات سطحية اشبه بإعطاء دواء لجثة متفسخة. . 

فقد تحولت الموانئ العراقية في سبعينيات القرن الماضي من منشأة إلى مؤسسة. صار اسمها : (المؤسسة العامة لموانئ العراق)، وكانت مقسمة إلى سبع منشآت (تقريبا)، من بينها المنشأة العامة للحفر والمسح البحري (مقرها الفاو). يترأسها الكابتن رشيد عبد الحميد (خريج ألمانيا الغربية)، فعزلوه واستبدلوه بفيترچي اسمه (عبد الحسين الرماحي). جاءوا به من خارج الوسط البحري، فكان إن حضر لا يُعد وإن غاب لا يُفتقد. .

لا تتوفر لديه ادنى فكرة عن طبيعة عملنا في خور عبدالله، لكنه انفرد بسلوكه الاستبدادي التعسفي الذي لم يسبقه اليه احد.

كان يشعر بالدونية والتقزم بسبب قصر قامته. يتجنب التعامل مع الطواقم البحرية التي تمتلك خبرات ومهارات حافلة بالإنجازات. يعتكف دائما في مكتبه. يجلس وحيدا ووجه إلى الحائط أي بعكس الاتجاه الآدمي. يتكور في كرسيه الدوّار. يلملم جسمه خلف الطاولة ثم يشيح بوجهه إلى الطرف الآخر حتى لا يراه المراجعون. .

تخيل انك تدخل مكتبه لكنك لا تراه. ليس لأنه لا يُرى بالعين المجردة. بل لأنه كان يمارس الغطرسة من قعر المستنقع. .

منشأة هزيلة شاحبة. كنت اقول لنفسي اننا هنا نقف بانتظار النهوض والتطور. لأن عملنا على متن سفن الحفر يستدعي صيانة الممرات الملاحية، والاهتمام بالأهداف المرسومة حتى لو كانت متواضعة، نحتاج أحيانا إلى كلمة فاصلة بيننا وبين الضياع، نحتاج إلى وعود صغيرة نضعها فوق رؤوسنا حتى لا تنهار آمالنا. .

كنا ننتظر مجيء الرجل المناسب ليشغل المكان المناسب. هكذا كنا نحلم. كان الأمر يبدو بسيطا إلى حد السذاجة، ومخيفا إلى حد الرعب. طواقم ينتظرون احلاما لا تأتي. .

ظلت بعض الممارسات الخاطئة تلاحقنا منذ السبعينات وحتى عام 2019 حينما اختاروا دمية على شكل إنسان لم يعمل يوما واحدا في الموانئ. بل لم يعمل دقيقة واحدة. فجاءوا بـ (فرحان) من خارج الوسط المينائي ليعتلي العرش بصلاحيات وزير، كنا نراه ينتفخ كما البالون حتى صار بحجم المنطاد. .

احيانا يكفي ان تقول المحاصصة كلمتها حتى تصبح شركات التمويل الذاتي عارية تماما، بلا نتائج حقيقية، بلا ثمار، بلا محاسبة، بلا زينة تخفي قبحها. .

كنا ندرك ان من يرانا من بعيد قد يظننا راضخين، نحوم حول انفسنا في مسرح العبث، لكننا كنا نشعر اننا ننتظر حلما على نهج الذين علقوا حياتهم على وعود مؤجلة، شأننا شأن الذين قالوا: بعد قليل، غداً، حين يأتي الإصلاح يتغير العراق كله نحو الأفضل، حين تصحح الاحزاب أخطاءها، وتمنحنا الحياة بارقة أمل في نهاية هذا النفق المظلم. ولكن متى يبلغ البنيان يوما تمامه إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم. .

مازلنا نحاول استرجاع المراحل المتعثرة ابتداءً من عصر (أبو الرماح) إلى عصر (أبو الأفراح)، نحاول ان نتذكر. .

فالذاكرة عندنا لم تكن رصيفاً مشلولاً بل خرابة ومتاهة، نمد اليها أيدينا فتعطينا اجوبة غير مقنعة. تعطينا وعوداً وهمية. تعطينا أياماً خارج البعد الزمني. تعطينا سفناً بلا أشرعة وبلا أجنحة. .

هل نحن نكرر المراحل نفسها، أم ان المراحل صارت كلها نسخة واحدة، أم لأننا فقدنا القدرة على التمييز بين الخير والشر ؟. .