1000482886

​الكاتب: حسين شكران العقيلي
التاريخ: الإثنين 31 آب (أغسطس) 2026
​تتجاوز المؤسسة التعليمية في مفهومها الإنساني والاجتماعي العميق حدود كونها مجرد فضاء لتلقي المعارف الجافة وحفظ المتون، لتمثل البيئة الحاضنة الثانية التي تتربى فيها الشخصية الإنسانية في أشد مراحلها تكويناً وحساسية. فالمدرَسَة، بما تحملها من رمزية تربوية، تستودعها الأسر أغلى ما تملك؛ أجساداً تنمو وعقولاً تتشكل، منتظرةً أن تعود هذه الثمار البشرية إلى بيوتها محمولةً بالأمان والسلامة لا بالندوب والتصدعات. ومن هنا، يبرز السؤال الجوهري والمؤرق حول المدى الذي تصل إليه المنظومة التعليمية في توفير دروع حقيقية تحمي المتعلم من كل أشكال الانتهاك الجسدي أو الترويع النفسي، وكيف تتحول قاعات الدرس إلى واحات للاطمئنان عوضاً عن أن تكون مساحات للخوف الصامت.
​إن الحق في السلامة الجسدية والنفسية للمتعلم ليس ترفاً حقوقياً أو مطلباً استثنائياً، بل هو القاعدة الصلبة التي تقوم عليها عملية التعلم برمتها. فالعقل الإنساني، بطبيعته البيولوجية والنفسية، يعجز عن الاستيعاب والابتكار والإبداع متى ما كان محاصراً بهاجس التهديد أو رهينةً للقلق. وحين تتعرض البنية الجسدية للطفل أو المراهق لأي شكل من أشكال العنف أو الإهمال داخل الأسوار المدرسية، فإن ذلك لا يترك أثراً سطحياً زولاً، بل يغرس طعنة غائرة في ثقة المتعلم بمؤسسات الدولة والمجتمع. وبالمثل، فإن العنف النفسي المتمثل في الإهانة، أو التهميش المتعمد، أو التنمر المستشري دون رادع، يمارس هدماً بطيئاً لكيان الناشئة، مفضياً إلى نتائج كارثية تمتد ظلالها الثقيلة لتصنع جيلاً يعاني من هشاشة وجدانية وانكفاء اجتماعي.
​ولكي لا يبقى الحديث عن الأمن المدرسي شعاراً فضفاضاً، لابد من مقاربة هذا التحدي بعين تحليلية متفحصة ترصد جذور الخلل ومعالم الحل. فالمؤسسة التعليمية لكي تستحق بحق لقب “الحاضنة الآمنة”، تتطلب منظومة تشريعية وإدارية واضحة المعالم، تحاسب المقصر وتكافئ الحريص، وتجعل من كرامة المتعلم خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه تحت أي ذريعة تربوية بالية. إن العنف، بغض النظر عن مبرراته الواهية مثل “التقويم” أو “الضبط”، قد أثبت العلم الحديث وبطلان جدواه، بل وتحوله إلى أداة تدميرية تخلق التمرد والعناد وتقتل الشغف المعرفي في منشئه.
​إضافة إلى ذلك، فإن المسؤولية لا تقف عند حدود منع الضرب أو الإيذاء البدني المباشر، بل تمتد لتشمل الهندسة النفسية والاجتماعية للمحيط المدرسي. فالمعلم اليوم مطالب بأن يكون حارساً للوجدان الإنساني لطلابه، قادراً على التقاط إشارات الخمول الفجائي، أو الانعزال غير الطبيعي، أو علامات التنمر المستتر بين الرفاق، قبل أن تتحول إلى كوارث نفسية صامتة. وهنا تبرز الحاجة الملحة لوجود إرشاد نفسي حقيقي وفاعل داخل المدارس، لا يقتصر على المسميات الإدارية، بل يتغلغل في تفاصيل اليوم الدراسي ليكون ملاذاً آمناً لكل متعلم يصارع ضغوطاً خفية، سواء أكانت آتية من محيطه الأسري أو من تفاعلاته داخل الفصول.
​ختاماً، إن حماية أجساد أبنائنا وعقولهم في المؤسسات التعليمية هي معيار حقيقي لمدى تقدم المجتمع ووعيه بقيمته العليا. وحين ننجح في بناء مدرسة تنبض بالاحترام المتبادل، وتصون البدن وتحترم العقل، فإننا لا نؤمن سلامة فردية عابرة، بل نضع المداميك المتينة لوطن سليم ومعافى، يعود فيه المتعلم إلى بيته في نهاية اليوم الدراسي حاملاً نورا في عينيه واطمئناناً في صدره، لا خوفاً في قلبه وندوباً في جسده.