0-18

كينت إيكروث خلال زيارة إلى إسرائيل

إيهاب مقبل

اختار السياسي السويدي كينت إيكرُوث، في مقال نشره موقع Samnytt، في 30 أغسطس آب 2026، أن يتناول العملية العسكرية التركية في عفرين من زاوية تبدو للوهلة الأولى حقوقية وإنسانية، لكنه سرعان ما يحوّل القضية إلى هجوم سياسي على تركيا وإلى مقارنة مباشرة مع غزة وما يسمى «إسرائيل».

عنوان مقاله نفسه يكشف اتجاهه: «عندما احتلت تركيا عفرين كان هناك صمت غريب». ومنذ السطور الأولى، يبني إيكرُوث سيناريو افتراضيًا عن دولة مجاورة «متفوقة عسكريًا» تعبر الحدود وتستولي على منطقة يعيش فيها شعب آخر، ثم يقول إن رد الفعل الدولي يعتمد على «الفاعل». وبعد ذلك مباشرة تقريبًا يستدعي إسرائيل والفلسطينيين إلى المقارنة.

هذه ليست مصادفة تحريرية. إنها طريقة معروفة في الخطاب السياسي، وهي أخذ قضية حقيقية ومؤلمة، ثم إعادة تركيبها داخل إطار يخدم نتيجة سياسية محددة.

وعفرين بالفعل شهدت نزوحًا واسعًا وانتهاكات ومصادرة ممتلكات وتغيرات سكانية أثارت انتقادات دولية. لكن الاعتراف بهذه الحقائق لا يعني قبول كل الاستنتاجات التي يحاول إيكرُوث بناءها فوقها.

من هو كينت إيكرُوث؟
كينت ألكسندر إيكرُوث وُلد في 11 سبتمبر أيلول 1981 في مدينة مالمو السويدية، وهو سياسي واقتصادي سويدي من حزب ديمقراطيي السويد. كان عضوًا في البرلمان السويدي بين عامي 2010 و2018، كما كان المتحدث باسم الحزب في القضايا القضائية قبل أن يغادر هذا المنصب عام 2012.

وتشير سيرته المنشورة إلى أن له خلفية يهودية من جهة والدته، التي وُلدت في كازاخستان، وكانت آنذاك جزءًا من الاتحاد السوفييتي، قبل أن تصل إلى السويد عبر بولندا. وقد وصف إيكرُوث نفسه في مقابلات سابقة بأنه يهودي ثقافي ذو توجه علماني إلحادي.

لكن الأهم في فهم مقال عفرين هو مساره السياسي والإعلامي. فإيكرُوث ليس صحفيًا مستقلًا يكتب للمرة الأولى عن الدول العربية والإسلامية. لقد كان شخصية بارزة داخل حزب ديمقراطيي السويد «SD»، وهو حزب شعبوي سويدي يميني، وشغل فيه منصب السكرتير الدولي للحزب بين 2007 و2017. كما ارتبط منذ سنوات بالبيئة السياسية المناهضة للهجرة والإسلام، وقال من بين أمور أخرى إن الإسلام يجب أن يُحارَب، وإن القرآن «يحرّض على العنف ضد غير المسلمين»..

وهو أيضًا مرتبط بمسار إعلامي يميني بدأ بمواقع مثل Politiskt Inkorrekt وAvpixlat، قبل أن يصبح من أبرز الأسماء المرتبطة بموقع Samnytt.

بعبارة أخرى، نحن لا نتعامل مع كاتب أكاديمي متخصص في النزاع السوري، وإنما مع سياسي وناشط إعلامي صاحب مشروع أيديولوجي واضح.

عفرين: الوقائع موجودة، لكن إيكرُوث يسيء استخدامها
هنا ينبغي الإنصاف، فليس من الصحيح الرد على إيكرُوث بإنكار ما حدث في عفرين. فالأمم المتحدة أعلنت في أبريل نيسان 2018 أن نحو 137 ألف شخص كانوا لا يزالون نازحين من منطقة عفرين نتيجة العمليات العسكرية. كما وثقت منظمات دولية وحقوقية انتهاكات بحق المدنيين ومصادرة ونهب ممتلكات، وظهرت تقارير جدية عن التغير الديموغرافي في المنطقة.

لكن المشكلة أن إيكرُوث يأخذ هذه الوقائع الحقيقية ثم يضعها داخل قالب أكبر بكثير مما تثبته الأدلة.

فمثلًا، رقم 137 ألفًا هو رقم للنازحين من المنطقة، لكنه لا يعني أن الأمم المتحدة قالت إن «137 ألف كردي هجّرهم الأتراك عمدًا بهدف تغيير الديموغرافية». هذا تحويل لبيانات إنسانية إلى استنتاج سياسي.

والفرق بين العبارتين ليس تفصيلًا صغيرًا، إنه الفرق بين نقل مصدر وبين تفسير المصدر بما يخدم رواية الكاتب.

من التغير الديموغرافي إلى «سياسة تركية» مؤكدة
يستند إيكرُوث إلى تقارير عن انتقال سوريين عرب إلى مناطق كانت ذات غالبية كردية، وهي قضية حقيقية أثارت مخاوف حقوقية وسياسية جدية.

لكن الكاتب يقفز من وجود تغيرات سكانية وتقارير عن نقل سكان إلى استنتاج أوسع، مفاده أن تركيا تعمدت تغيير التركيبة الديموغرافية الكردية كسياسة متعمدة ومتكاملة.

قد تكون هناك أدلة تستحق البحث في مسألة القصد والمسؤولية، لكن لا يجوز أن يُقدَّم الاستنتاج السياسي باعتباره حقيقة أثبتها كل مصدر يستشهد به الكاتب.

هذه بالضبط إحدى آليات التضليل غير المباشر، فلا تحتاج إلى اختلاق حادثة، يكفي أن تأخذ واقعة صحيحة، ثم تمنحها تفسيرًا أقوى مما تسمح به الوثيقة الأصلية.

حكاية «10 آلاف فلسطيني سوري» تكشف المشكلة
من أكثر أجزاء المقال إثارة للانتباه حديث إيكرُوث عن أن نحو 10 آلاف فلسطيني سوري أُسكنوا في عفرين.

لكن المفارقة أن إيكرُوث نفسه يعترف بأن هذا الرقم «لا يمكن التحقق منه بدرجة كافية من اليقين». فإذا كان الرقم غير قابل للتحقق بما يكفي، فلماذا يُستخدم أصلًا كجزء من الحجة؟

لأن وجوده يخدم الهدف البلاغي للمقال، وهو تصوير تركيا على أنها قامت بعملية إحلال سكاني، ثم إضافة الفلسطينيين السوريين إلى المشهد لخلق مفارقة سياسية مع ما يسمى «إسرائيل».

لكن الصحافة المهنية لا تتعامل مع رقم غير موثوق وكأنه قطعة أساسية من الحجة. إذا كان الدليل غير كافٍ، فالموقف الصحيح هو عدم بناء الاستنتاج عليه.

«أين رد الفعل الدولي؟» سؤال مضلل
يقول إيكرُوث، بصيغ مختلفة، إن عفرين لم تشهد رد فعل دوليًا وشعبيًا يقترب من ذلك الذي شهدته إسرائيل.

وهنا يخلط إيكرُوث بين أمرين مختلفين، وهما غياب التعبئة الجماهيرية المماثلة، وغياب رد الفعل الدولي، فالأخير غير صحيح بتاتًا.

كانت هناك إدانات ومواقف أممية وأوروبية وانتقادات دولية للعملية التركية. ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس «هل سكت العالم؟»، بل «لماذا اختلف حجم وطبيعة التعبئة السياسية والشعبية بين القضيتين؟». وهذا سؤال مشروع.

لكن إيكرُوث لا يقدم دراسة للإجابة عنه، بل يقدم الإجابة ضمنيًا مسبقًا، وذلك لأن الدولة اليهودية كما يسميها تُعامل بمعيار مختلف، ثم ينقل القارئ في نهاية المقال إلى سؤال أشد خطورة عن حدود نقد إسرائيل وبداية «كراهية اليهود». وهنا يتحول التحليل إلى اتهام بالإيحاء.

من تركيا إلى «كراهية اليهود»
في نهاية المقال تقريبًا، يقول إيكرُوث إن الانتقادات الموجهة إلى تل أبيب قد تجعل من المشروع السؤال: «أين ينتهي انتقاد إسرائيل – وأين تبدأ كراهية اليهود؟». وهذا انتقال هائل.

فحتى لو أثبت الكاتب وجود ازدواجية في التعامل مع أنقرة وتل أبيب، فإن ذلك لا يثبت أن السبب هو كراهية اليهود.

هناك أسباب كثيرة محتملة لاختلاف التغطية والمواقف الدولية، منها طبيعة الصراع، التحالفات الدولية، الدور الأمريكي، تاريخ الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، حجم الضحايا، الإعلام، السياسة الداخلية الغربية، الحركات المؤيدة للفلسطينيين، والجغرافيا السياسية للدول العربية والإسلامية.

إيكرُوث لا يفحص هذه الاحتمالات بشكل جدي. بدلًا من ذلك، يقود القارئ نحو تفسير يخدم رسالته السياسية. وهذا هو الجزء الأكثر أيديولوجية في مقاله.

صاحب المقال نفسه ليس بعيدًا عن الجدل
حتى سيرة إيكرُوث السياسية تجعل من الضروري قراءة مقاله بحذر. ففي عام 2006، كان إيكرُوث متدربًا في السفارة السويدية في تل أبيب، ثم أنهت السفارة فترة تدريبه بعد أن علمت بانتمائه السياسي وآرائه التي نشرها على الإنترنت.

أما «فضيحة الأنابيب الحديدية» عام 2012، فقد أدت إلى تخليه عن منصبه كمتحدث للحزب في القضايا القضائية، بعد انتشار تسجيل مصور ظهر فيه وهو يحمل أنبوبًا معدنيًا أثناء حادثة أثارت جدلًا واسعًا. ولم يُفتح تحقيق جنائي ضده في ذلك الملف.

وفي قضية أخرى، أُدين إيكرُوث في المحكمة الابتدائية عام 2017 بالاعتداء البسيط، لكنه بُرئ لاحقًا أمام محكمة الاستئناف.

سياسي يميني يكتب عن «ازدواجية المعايير»
المفارقة الكبرى في مقال إيكرُوث هي أنه ينتقد الانتقائية السياسية بينما يمارس هو نفسه نوعًا من الانتقائية في اختيار المقارنة.

فهو لا يقدم دراسة شاملة للحروب والتدخلات والاحتلالات في المنطقة العربية، ولا يقارن عفرين بالعراق أو شمال قبرص أو الجولان أو غيرها من النزاعات الإقليمية. ولا يحلل بالتفصيل طبيعة العلاقة بين تركيا والفصائل الكردية المسلحة، ولا الدوافع الأمنية التي أعلنتها أنقرة لعمليتها.

إنه يختار تركيا وإسرائيل تحديدًا، ثم يجعل عفرين أداة لإعادة النقاش إلى إسرائيل.

وهذا يكشف أن الهدف الأساسي للمقال ليس تقديم دراسة متوازنة لعفرين، بل استخدام عفرين كسلاح في معركة سياسية من أجل إسرائيل.

لماذا تركيا تحديدًا؟
يقدم إيكروث تركيا باعتبارها دولة قامت بالاحتلال والتهجير والتغيير الديموغرافي، ثم يضع هذه الصورة مقابل إسرائيل، ثم يطرح سؤال ازدواجية المعايير، ثم ينتهي إلى قضية معاداة اليهود.

بهذا البناء، يصبح القارئ أمام رسالة سياسية واضحة، مفادها «تركيا دولة شيطانية ينبغي إدانتها، بينما الانتقادات الموجهة إلى إسرائيل الحمل الوديع تحتاج إلى إعادة تفسير أخلاقي وسياسي».

وهذا يتوافق مع خلفية الكاتب السياسية والإعلامية وموقعه داخل بيئة يمينية شعبوية سويدية معروفة بمواقفها القوية تجاه الهجرة والإسلام والقضايا المرتبطة بالهوية.

الخلاصة: عفرين ليست جسرًا لإدانة تركيا وإسرائيل معًا
عفرين تستحق نقاشًا جادًا، بعيدًا عن الدعاية التركية أو الكردية أو الإسرائيلية أو السويدية. ويستحق سكانها الذين تعرضوا للتهجير أو فقدوا ممتلكاتهم العدالة والتعويض والحماية.

لكن عفرين لا يمكن أن تكون ذريعة لتقديم سلسلة من الاستنتاجات غير المثبتة باعتبارها حقائق، ولا يمكن استخدام رقم غير موثوق مثل «10 آلاف فلسطيني سوري» كحجر أساس في حجة سياسية.

والأهم أن المقارنة بين عفرين وغزة لا تثبت وحدها وجود «كراهية لليهود» وراء كل انتقاد لإسرائيل، كما أن اختلاف حجم الاحتجاجات الدولية لا يثبت وحده أن العالم «تجاهل» عفرين.

إن قوة مقال إيكرُوث تكمن في أنه يستخدم حقائق حقيقية، أما ضعفه فيكمن في أنه يضع هذه الحقائق داخل قالب سياسي انتقائي.

وهذا هو جوهر التضليل غير المباشر: «أن تقول للقارئ أشياء صحيحة في معظمها، ولكن بطريقة تجعله يصل إلى نتيجة لم تثبتها تلك الأشياء بالضرورة».

وفي حالة إيكرُوث، تبدو عفرين في مقاله أقلَّ بوصفها موضوعًا مستقلًا للتحقيق، وأكثرَ بوصفها أداةً في معركة أيديولوجية أوسع ضد تركيا، وفي الدفاع السياسي عن صورة إسرائيل في الرأي العام الغربي، لا عن حقوق الأكراد أو نازحي عفرين.

المصدر
عندما احتلت تركيا عفرين كان هناك صمت غريب، Samnytt، نشر بتاريخ 30 أغسطس آب 2026.
https://samnytt.se/ekeroth-nar-turkiet-ockuperade-afrin-blev-det-markligt-tyst

انتهى