سبتمبر 13, 2026
daesh2

داعش.. ومستنقعات الفوضى

د.حسام شعيب
باحث استراتيجي وخبير في شؤون الجماعات الإسلامية
14سبتمبر/أيلول 2026

إذا كان ما يُطلق عليه “دولة الخلافة أو التنظيم الأم ” قد لفظ أنفاسه الأخيرة في مكان نشوئه ، أي سورية والعراق ، فإن الأنظار تتجه الآن إلى مصير فروع وخلايا “داعش” لتحديد مدى تأقلمها مع واقع جديد تحافظ فيه على بقائها بعد وفاة “التنظيم الأم ” من وجهة نظر الكثيرين.

في تقارير تُحذر الأممُ المتحدة من تنامي خطر بقايا “داعش” في سورية ، حيث تشير تلك التقارير أن “داعش” ما زال يحتفظ ب3000 مقاتل.

وسبق هذا التقرير ما تحدثت به شبكة “دويتشه فيله” عن هذا الظهور الجديد للتنظيم في سياق المشهد الأمني السوري ، حيث لم يعد “داعش” يمتلك السيطرة الجغرافية التي مكنته في السابق من إقامة مناطق نفوذ واسعة ، لكنه لا يزال يعتمد على الخلايا التي تعمل بعيداً عن الواجهة .

ويجعل هذا النمط من النشاط التعامل مع التنظيم مختلفاً عن مرحلة سيطرته على المدن والمناطق وإعلانه ما سماه “الخلافة” .

ورغم خسارة التنظيم لما يسمى ب”معقل الخلافة” إلا أنه استطاع أن يُنشأ فروعاً خارج سورية والعراق ، فقد ركز التنظيم على القارة الإفريقية وأنشأ فروعاً عدة ل”داعش” ، لكن أبرزها وأكثرها نشاطاً في مرحلة من المراحل ” فرع ولاية سيناء” في مصر ، الذي قام على أنقاض جماعة أخرى كانت محسوبة على تنظيم “القاعدة” ، وتُطلقُ على نفسها اسم “أنصار بيت المقدس” .

وفي واقع الأمر كانت هذه الجماعة ناشطة في سيناء قبل سنوات من تحولها إلى فرع “داعش” حيث بايعت أبو بكر البغدادي ، زعيم “داعش” بعدما خلع عن نفسه ثوب الولاء ل “القاعدة”.

ولا يعني بعد مرور كل هذه السنوات تراجع عمليات “ولاية سيناء” أن هذا الفرع “داعش” قد انتهى تماماً ، إذ انه قد ينجح في أي لحظة في تنفيذ هجومٍ دامٍ جديد ، لكن الأكيد ، في المقابل أنه تعرض لضربة قوية من الجيش المصري ، وأن مواصلة قوات الأمن المصرية حملاتها المستمرة قد تؤدي إلى الإجهاز عليه نهائياً ، رغم قناعتي الشخصية أنه مازال في حالة تشبه الموت السريري .

“داعش ليبيا” ، لم ينشأ فرع “داعش” الليبي على أنقاض جماعة موجودة أصلاً ، كحال ولاية سيناء مع “أنصار بيت المقدس” بل نشأ إلى حد كبير نتيجة استقطاب أفراد ليبيين شاركوا في الثورة التي أطاحت بنظام العقيد معمر القذافي ، عام 2011 ، ثم أكملوا مشوارهم في الإنضمام إلى “داعش” في سورية .
وعلى إثر الخلافات والانقسامات هناك عاد بعض الليبيين الذين إنحازوا إلى “داعش” في سورية أدراجهم إلى بلادهم لتأسيس خلايا للتنظيم وتجديد مزيد من العناصر .
ولم يكتف “داعش” بذلك بل أرسل قادة كبار “مثل تركي البن علي” إلى ليبيا لتأسيس فروع هناك وأخذ مُبايعات من جماعات إسلامية ليبية .

ورغم انخراط الولايات المتحدة وبريطانيا بالاشتراك مع قوات ليبية محلية لملاحقة “داعش” وتلقيه ضربات موجعة ، إلا أن تهديد “داعش” لم ينتهِ كلياً في ليبيا ، لكن الأكيد أيضاً أن التنظيم لم يعد بالقوة نفسها التي كان عليها خلال السنوات الماضية ، فقد فشل في المحافظة على قاعدة دائمة له في ليبيا ، كما فشل عناصره التونسيون في تحقيق موطئ قدم ثابت لهم على الاراضي التونسية .

في المقابل ، كشفت أجهزة الأمن الجزائرية في مطلع يناير/كانون الثاني 2025 ، عن تمكن قواتها المسلحة من اعتقال 6 من العناصر الإرهابية المشتبه في إنتمائهم لتنظيم “داعش” بينهم 2 من الأجانب ، والذين تسللوا إلى البلاد عبر الحدود المشتركة مع مالي ، وكان بحوزتهم بعض الأسلحة والمخططات لتنفيذ عمليات إرهابية داخل البلاد .

كما كشفت العديد من التقديرات عن صعود لافت للتنظيم “داعش” في منطقة الصحراء الكبرى ، وخاصة في شمال “بنين” و”غانا” و “توغو” و “ساحل العاج” ، وكان لافتاً هنا ، تعرض “بنين” على سبيل المثال لسلسله من الهجمات الإرهابيه كان آخرها في 11 يناير/كانون الثاني 2025 ما يجعلها أكثر دول خليج “غينيا” تضرراً من وجود تنظيمات إرهابيه ، من أهمها “داعش” و “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” .

ويُشار إلى تقرير “مركز إفريقيا للدراسات الاستراتيجيه” الذي كشف أن عدد القتلى في “بنين” بسبب الهجمات الإرهابية بلغ 173 ضحية في الفتره من يوليو/تموز 2023 إلى يوليو/تموز 2024 ، كما أفاد موقع “ديفينيس بوست” بوقوع 20 هجوماً ارهابياً في 2022 و 40 هجوماً إرهابياً في عام 2023 وذلك على يد تنظيمي “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” و “داعش” في الصحراء الكبرى .

ووفقاً للعديد من التقديرات ، فإن تكثيف “داعش” لحضوره في القارة الافريقية لا يرتبط فقط بالانتكاسات التي تعرض لها في منطقه الشرق الأوسط ، إنما يعود بالأساس إلى إدراك التنظيم للقيمة والأولوية الاستراتيجيه للقاره السمراء ، كونها تمثل نقطة استناد استراتيجية في التفاعلات السياسية والاقتصادية والأمنية المرتبطة بالتنافس الحاد بين القوى الدولية والاقليمية ، ومنها الصين وروسيا وواشنطن إضافة إلى تركيا وإيران ودول الخليج وهو ما يخدم الحملة الدعائية “لداعش” ومن ناحية أخرى يضيف بُعداً جديداً في استراتيجية التنظيم التوسيعية وقدرته على بسط هيمنته على مناطق جديدة .

وليس بعيداً عن القارة الأفريقية فقد أعلن جهاز أمن الدولة اليمني في مطلع سبتمبر/أيلول 2026 عن مقتل القيادي والمتحدث الرسمي باسم تنظيم “داعش” المعروف “بأبو حذيفه الانصاري” بمحافظة “حضرموت” بواسطة قوات خاصه تابعه للتحالف الداعم “للشرعيه” بحسب الشرق الأوسط مما يشي أن “التنظيم” لديه فرعاً في اليمن ، وأنه من الممكن أن نشهد خلال الأيام القادمه نشاطاً ارهابياً ل “داعش” في اليمن ومنطقة البحر الاحمر ، لاسيما في ظل الصراع الإقليمي والدولي على الممرات المائية…

كما أن تنظيم “داعش” الذي بات يُشكل تهديداً أمنياً مستمراً لروسيا ، وبرز ذلك جلياً في هجوم قاعد ” كروكوس سيتي” بضواحي موسكو في مارس/أذار 2024 والذي أسفر عن مقتل وإصابة مئات الأشخاص وتبناه التنظيم ، وسط شكوك وتحفظات رسمية روسية وجهت أصابع الاتهام أحياناً لأطراف غربية وأوكرانية .

ولا يقتصر التهديد على روسيا الاتحادية فقط ، فقد يعم منطقة جنوب أسيا وأسيا الوسطى ، وتحديداً في أفغانستان وباكستان وإيران ، حيث أعلن التنظيم عن تأسيس “ولاية خراسان” في يناير/كانون الثاني 2015 ، بعد ظهور مقطع مصور للقيادي “حافظ سعيد خان” و “شهيد الله شهيد” مع قادة آخرين يُعلنون فيه الولاء ل”أبي بكر البغدادي” .

ويُشير اسم “خُراسان” إلى خصوصية تاريخية وجغرافية إسلامية ، حيث تضم أجزاء من أفغانستان ، باكستان ، إيران ، وأسيا الوسطى .

وتشير التقديرات أن التنظيم “ولاية خُراسان” يحتفظ بنحو 2000 مقاتل في أفغانستان وباكستان . كما أن وزارة الخارجية الأمريكية رصدت مكافأة مالية تصل إلى 8 ملايين دولار لمن يُدلي بمعلومات عن زعيمه الحالي “ثناء الله غفاري” ولقد استطاع “التنظيم الأم” رغم تلقيه ضربات موجعة أن يحافظ على هيكليته التنظيمية من خلال عدة عوامل ساعدت في نجاحه في الحفاظ على هذه الهيكلية ، حيث لم يعتمد على المركزية في القرار أو في العمل الميداني ، على عكس هيكلية الحكومات ، بل اعتمد على بيئات محلية غير مستقرة ، وبنى مجموعة معقدة من الشبكات المستقلة نسبياً ، مما خفف من وطأة الضربات الأمريكية والتحالف الدولي على جسم التنظيم ، وبقاء رؤوس لفروع متعددة..

ورغم المتابعة والملاحقة الاستخباراتية استطاع “التنظيم” أن يمارس عمليات هجومية ، بتكتيكات الذئاب المنفردة ، والاغتيالات والعبوات الناسفة ، كما استطاع أن يقوم بحرب العصابات ، فيظهر ويختفي بحسب البيئة والمناخ الاجتماعي الذي يسود تلك البيئات .
كما أنه استطاع أن يستقطب وجوهاً جديدة ، واستمرت الموارد المالية بالوصول إليه من خلال شبكات معقدة من تحويلات التبرعات ، وبيع قطع الآثار المنهوبة ، وفرض الاتاوات والضرائب ، وممارسة الخطف والابتزاز…

وكل ذلك ما كان يتحقق لولا وجود مساحات من الفراغ الأمني والسياسي ، مستغلاً مناطق الفوضى والحروب والنزاعات الطائفية لترسيخ وجوده .

وثمة عوامل أخرى أسهمت في نشوء “التنظيم” وولادة فروع له في مناطق مختلفة أبرزها:
-غياب الاستقرار وظهور جماعات مسلحة ولدت من رحم تنظيم “القاعدة”.
-التهميش والتوترات الطائفية ، فقد استغل “التنظيم” حالة الاحتقان السياسي والاجتماعي وأن يستقطب أولئك الشباب الذين تملّكهم اليأس والاحباط ، لا سيما الاسلاميين منهم .
-استطاع ” التنظيم ” أن يركز وجوده وانتشاره في المناطق الحدودية والمشتركة بين الدول كا سيناء في مصر ، واليمن ، والجزيرة السورية في الحدود المشتركة مع العراق…

وليس خافياً أن السجال في صناعة ” تنظيم الدولة – داعش ” لم يقتصر على تبادل الاتهامات بين أمريكا والدول المناهضة لها من جهة ، وبين أمريكا وروسيا من جهة أخرى ، حتى الأنظمة التي لا علاقة لها بمناهضة أمريكا أو بتلك المناطق التي تخللتها فوضى ونزاعات استغلت التنظيم كذريعة لتنفيذ أجندتها القمعية .

لكن الملاحظ أن جميع تلك الاتهامات والتفسيرات كانت تمهل الحقائق والمعطيات المتوفرة عن ” التنظيم ” واسهمت في تشابك استخباراتي انعكس على “التنظيم” نفسه من خلال عمليات التصفيات والاغتيالات ، وبالتالي قد يكون ” التنظيم ” أو أحدُ فروعه قد خرج عن السياق الانضباطي المرسوم له…

وأياً كان لم يعُد الأمر خافياً أن واشنطن غضَّت الطرف عن نمو هذه الجماعات المتطرفة في مستنقعات الفوضى التي خلقتها لخدمة مصالح جيوسياسية.

وثمة تصريحات وتقارير غالباً ما يُستشهد بها في النقاشات السياسية للتأكيد أو تلميح وجود دور أمريكي (سواء كان ذلك مباشر أو غير مباشر أو عبر أخطاء استراتيجية )، كتلك التصريحات ل دونالد ترامب حينما اتهم الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما وهيلاري كلينتون خلال حملته الانتخابية عام 2016 عندما قال: “هما مؤسسا تنظيم داعش” .

كما أن هيلاري كلينتون في مذكراتها وبعض المقابلات ، أشارت إلى أن دعم بعض الفصائل المسلحة في سورية دون تدقيق كاف ، أو ترك فراغ أمني في العراق ، ساهم غير مباشر في تسرب الأسلحة والتمويل إلى أيدي المتطرفين .

ومما يؤكد تصريحات هيلاري كلينتون ما كشفت عنه تقارير صادرة عن منظمات تتبع الأسلحة (مثل منظمة Conflict Armament Research) أن أسلحة ومعدات عسكرية اشترتها الحكومة الأمريكية لتقديمها لدول حليفة أو جماعات معارضة (في الشرق الأوسط والساحل الإفريقي) انتهى بها المطاف في أيدي مقاتلي “داعش”.

وتأتي اتهامات عضو الكونغرس الأمريكي “سكوت بيري” للوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) لتثير جدلاً واسعاً بعد اتهامه بتحويل مئات الملايين من الدولارات سنوياً بشكل غير مباشر عبر تمويل منظمات ومؤسسات وصلت أموالها بطرق ملتوية إلى جماعات إرهابية في إفريقيا مثل ” بوكو حرام ” و ” داعش” . ورغم أن السفارة الأمريكية والوكالة نفيتا ذلك بشدة واعتبرتا الأمر افتقاراً للرقابة الصارمة في مناطق النزاع وليس دمجاً متعمداً ، إلا أن البرلمان النيجيري طالب بفتح تحقيق رسمي حول هذه المزاعم .

ولعل بعض السياسين والاعلاميين ما زال يُكذب تلك التقارير أو التصريحات ، وهو غير مقتنع أن أمريكا هي من تقف خلف نشأة ” داعش ” وفروعه المنتشرة ، إلا أن أحداً لا يستطيع أن يكذب أن الولايات المتحدة الأمريكية هي أكثر استفادة من غيرها من وجود ” داعش ” لا سيما أنها هيأت لإحداث تغيير سياسي جذري في منطقة الشرق الأوسط ، من خلال مستنقعات سياسية واجتماعية ، أُطلق عليها ” الفوضى الخلاقة ” على لسان وزير الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس مطلع عام 2005 .

د.حسام شعيب/سورية
14سبتمبر/أيلول 2026