سبتمبر 20, 2026
مناورة-أنصار-النظام-في-طهران

كان النظام الإيراني ينظم كل عام عرضاً عسكرياً بمناسبة ذكرى اندلاع الحرب العراقية ـ الإيرانية، لكنه هذا العام لم يكن قادراً على تنظيم العرض بالشكل المعتاد. لذلك لجأ، عبر أرقام دعائية مبالغ فيها، إلى استبداله بما سمّاه «مسيرة المضحّين من أجل إيران»، مستخدماً التشكيلة نفسها: الحرس، والباسيج، والميليشيات التابعة له من العراق واليمن وأفغانستان وباكستان، إضافة إلى عائلاتهم، تحت عنوان «القوات الشعبية». وبهذا حاول النظام أن يملأ فراغ العرض السنوي الذي لم يُنظَّم، وأن يرد في الوقت نفسه على أسئلة المرحلة الراهنة.
وكما فعل في استعراض جثمان خامنئي، بذل النظام كل جهده لإظهار مناورة كبيرة العدد ومقبولة الصورة. فقد قال حسن زاده، قائد فيلق محمد رسول الله التابع للحرس في طهران الكبرى، عبر قناة خبر التابعة للنظام: «تجاوز عدد المشاركين المنظمين في مناورة اليوم 450 ألف شخص». كما تحدثت بعض وسائل الإعلام الخارجية عن مشاركة عشرات أو مئات الآلاف، ووصفت الحدث بأنه أكبر «استعراض للمواجهة» منذ بداية الحرب.
لكن تنظيم مسيرة بمئات الآلاف في طهران، بالنسبة إلى سلطة تمتلك كل إمكانات الدولة وأجهزتها، ليس أمراً مستحيلاً. لقد فعل النظام شيئاً مشابهاً خلال استعراض جثمان خامنئي. لذلك، لا تكمن المسألة في العدد وحده، بل في الأهداف التي سعى النظام إلى تحقيقها، ومدى نجاحه في ذلك.
أراد النظام من خلال هذا الاستعراض أن يوجّه ثلاث رسائل في آن واحد: إلى الشعب الإيراني، بأن أي انتفاضة ستواجه قوة منظمة في الشارع؛ وإلى الولايات المتحدة، بأن لا تراهن على انفجار اجتماعي سريع نتيجة الحرب والضغط الاقتصادي؛ وإلى أنصاره، بأن مخزون النظام البشري والتنظيمي لم ينفد بعد.
أُقيمت المراسم تحت عنوان «مناورة 313 ألفاً من المضحّين من أجل إيران»، من ميدان الإمام حسين إلى ميدان الثورة. وشاركت فيها وحدات من الباسيج، ونساء، ومراهقون وطلاب مدارس، ومجموعات ترتدي أزياء قومية، ووحدات منظمة، إضافة إلى عرض بعض المعدات العسكرية والطائرات المسيّرة.
ومن خلال هذا الكرنفال، الذي ضم فئات وقوميات وأطفالاً ونساء، بل وحتى نساء من دون حجاب، أراد النظام أن يقول إنه، بعد الحرب وكل الكوارث الاجتماعية التي جلبها على الشعب الإيراني، لا يزال يحظى بما يسميه «دعماً مليونياً» وبإيران موحدة تقف خلفه. ولهذا قدّم قواته الأيديولوجية، وعناصر الحرس والباسيج والميليشيات التابعة له، وشبكاته التنظيمية، وبعض الموظفين والمرتبطين بمؤسسات الدولة، وشرائح من الفئات الفقيرة المرتبطة بشبكات الإعاشة الحكومية مثل المساجد والباسيج والشبكات المحلية، بوصفهم صورة عن الشعب الإيراني كله. وفي الشعارات والخطابات جرى الترويج لفكرة أن الإيرانيين لم يتعبوا من الحرب، وأنهم يريدون مواصلة الوقوف حتى النهاية في خندق المواجهة.
كما كان حضور مسعود بزشكيان إلى جانب حسين طائب، قائد الباسيج، وقادة الحرس، ومحمد مخبر، مستشار ومساعد مجتبى خامنئي، ومسؤولين آخرين، جزءاً من تصميم سياسي للمشهد. فقد أراد النظام أن يعرض صورة وحدة في قمة السلطة، وأن يرسل إلى مخاطبيه رسالة مفادها أن لا خلافات بين الحكومة والحرس وبيت خامنئي والباسيج، وأن الرهان على الشقوق الداخلية للنظام لا جدوى منه.
لكن، رغم كل ذلك، بقيت الرسالة الرئيسية موجهة إلى الداخل الإيراني. فالهدف الأهم كان تخويف المجتمع من أن أي انتفاضة منظمة ستواجه قوات منظمة في الشارع. ولهذا كان حسين طائب، قائد الباسيج، المتحدث الأهم وحامل الرسالة الأساسية في هذا الاستعراض. فقد تحدث عن تشكيل ألف كتيبة عملياتية من «المضحّين»، وعن بدء تدريباتهم العسكرية قريباً، وقال إن هذه المناورة ستتكرر في جميع المدن الأخرى. وبهذا وجّه رسالة أمنية إلى كل مدن إيران، لا إلى طهران وحدها.
الخلاصة
أولاً، كان هذا الاستعراض مناورة مُدارة لمواجهة احتمال الانتفاضة. أراد النظام أن يقول للشعب الإيراني إن أي انتفاضة ستواجه ألف كتيبة من العناصر المدرّبة والمسلحة. ويمكن القول إن النظام، وهو لا يشك في اقتراب مواجهة منظمة، يحاول من خلال الحديث عن «ألف كتيبة» إعداد نفسه لمواجهة وحدات المقاومة في مختلف المدن الإيرانية.
ثانياً، لا يمكن للقوى المؤيدة للنظام أن تتجاوز فعلياً تلك النسبة المحدودة التي تحدث عنها مسؤولو النظام ووسائل إعلامه مراراً، أي قاعدة ضيقة لا تمثل الأغلبية الساحقة من الشعب الإيراني. وكلما تقدم الزمن، تتعرض هذه القاعدة لمزيد من التآكل والانكماش.
ثالثاً، تقف هذه القوة التابعة للنظام، في أي انتفاضة منظمة وقوية مقبلة، في مواجهة مجتمع انفجاري وأغلبية شعبية رافضة للنظام، ترتبط بالمقاومة المنظمة وبوحدات المقاومة، وتمتلك طاقة سياسية واجتماعية أكبر بكثير من قدرة النظام على احتوائها.
رابعاً، إن مسار الحرب والتصعيد يضعف النظام يوماً بعد يوم. فهو يزيد من تآكل ولاء قواعده، ويفاقم صراعاته الداخلية، ويكشف عجزه عن إنتاج حل سياسي أو اجتماعي. ومثل هذه الاستعراضات، مهما أُحيطت بالألوان والشعارات والمشاهد المنظمة، لا تستطيع أن تحمي نظاماً فقد توازنه الداخلي.
خامساً، كلما تقدم الوقت، سيتضح أكثر حجم الضربة التي تلقاها هذا النظام، ومدى هشاشته وتصدعه واهترائه بعد خامنئي. فمجتبى خامنئي، ومعه «المضحّون» الذين يحاول حشدهم، لن يكونوا قادرين على الوقوف في وجه انفجار مجتمع بلغ نهاية قدرته على الاحتمال، ولا على إنقاذ نظام لم يعد يملك سوى الخوف والدعاية والقمع.