
د. فاضل حسن شريف
يوضح الدكتور فاضل حسن شريف في تحليلاته الدلالية والقرآنية واللغوية الفرق بين السؤال والاستفسار، فكلاهما يُعبّر عن طلب المعرفة أو توجيه القول للغير، إلا أن بينهما تمييزاً دقيقاً في الشمول، والقصد، وحالة المسؤول: السؤال (طلب المعرفة أو النوال بوجه عام) المفهوم: هو الطلب الطلبي المباشر للحصول على معلومات، أو طلب حاجة، أو استعطاء مال ومنفعة، أو ابتلاء واختبار للمسؤول. الأصل والصفة: مأخوذ من “السُّؤْل” وهو الحاجة والطلب، فالسؤال أعم وأوسع مجالاتٍ، إذ قد يكون للتعلم، أو للمطالبة بالحساب، أو لطلب المعونة والمال. الاستعمال القرآني: جاء في القرآن الكريم شاملاً لجميع مجالات الطلب والحساب والتكليف: “فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ” (الأعراف 6) سؤال الحساب والتكليف. “وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ” (الضحى 10) سؤال الحاجة والمعونة. “يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهلَّةِ” (البقرة 189) سؤال الاستعلام والتفقه. الاستفسار (طلب البيان والتوضيح لما خفي) المفهوم: هو طلب الفسر والإبانة، أي طلب كشف الغطاء عن أمرٍ مبهم أو غامض أو غير واضح سبق طرحه أو سماعه. الأصل والصفة: مأخوذ من “الَفَسْر” وهو الكشف والإبانة (وهو أصل كلمة “تفسير”)، فالسين والتاء في “الاستفسار” تفيدان طلب الشيء والبحث عنه، فالمستفسر لديه أصل المعلومة أو الخبر لكنه يطلب توضيح تفاصيلها أو إزالة اللبس عنها. الدلالة البيانية: الاستفسار أخصّ من السؤال، فلا يُقال لمن يطلب مالاً أو يبدأ حديثاً من الصفر إنه “يستفسر”، إنما يستفسر من سمِع مجمل كلامٍ وأراد تفصيله وإبانة خفاياه. خلاصة الفرق: السؤال هو اللفظ العام الشامل لكل طلب (سواء كان طلب علم، أو مال، أو إحسان، أو ابتلاء وحساب)، بينما الاستفسار هو نوع أخصّ من السؤال يهدف حصراً إلى طلب الشرح والتوضيح لأمرٍ غامض أو مجمل لتفصيله وإزالة اللبس عنه.
يتناول الدكتور فاضل حسن شريف في تحليلاته الدلالية والقرآنية واللغوية الفرق بين الكتمان والسر.
فكلاهما يُعبر عن إخفاء المعنى أو الخبر وحجبه عن الآخرين، إلا أن بينهما تمييزاً دقيقاً في الطبيعة، والجهة، والأثر الأخلاقي، وقابلية الإفشاء: الكتمان (الفعل السلبي لإخفاء الحق أو الخبر الواجب إظهاره) المفهوم: هو حبس المعرفة أو الخبر أو الشهادة، وإخفاؤها بامتناع وحجب متعمد عن من يحق له معرفتها. الأصل والصفة: مأخوذ من “الكتْم” وهو التغطية والستْر الحاسم، فالكتمان يتعلق غالباً بـ إخفاء أمور كان من الواجب إظهارها أو بيانها (كشهادة الحق، أو العلم الشرعي، أو الحقوق). ويكون فيه صبغة إخفاء للشيء الموجود بالفعل لمنع وصوله للغير. الاستعمال القرآني: ورد الكتمان غالباً في مقام الذم والنهي عن حجب العلم والشهادة والحق: “وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ۚ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ” (البقرة 283). “إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ” (البقرة 159). السر (المضمون المخفى والمكتوم بحكم الطبيعة أو الأمانة) المفهوم: هو المعنى أو الحديث أو الأمر المستور في القلب أو بين خواص الناس، والذي يُطوى عن باقي الخلق لصيانته أو لخصوصيته. الأصل والصفة: مأخوذ من “السريرة” وهو الخفاء والباطن، فالسر هو ذات الشيء المستور وخبيئته، وقد يكون أمراً محموداً يُطلب حفظه (كصيانة الأمانة وخصوصيات البيوت مناصحةً للناس)، أو يكون نجوى مكتومة بين طائفة. الاستعمال القرآني: جاء السر في مقابل “العلن” و”الجهر”، كاستواء علم الله بالظاهر والباطن: “يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى” (طه 7). “وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ ۖ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُُّدُورِ” (الملك 13). خلاصة الفرق: السر هو المضمون أو الأمر المستور ذاته (الباطن والخبيئة)، بينما الكتمان هو الفعل والسلوك الإرادي المتمثل في حجب هذا المضمون وإخفائه عن الناس. فـ “السر” هو الشيء المخفى، و”الكتمان” هو عملية الإخفاء والحجب نفسها (والتي غالباً ما تتجه في القرآن نحو إخفاء الحق والشهادة والعلم).
يبرز الدكتور فاضل حسن شريف في تحليلاته الدلالية والقرآنية واللغوية الفرق بين القنطار والدينار، فكلاهما يُعبر عن المال والقيمة المالية في الميزان القرآني والمعاملي، إلا أن بينهما تمييزاً دقيقاً في القدر، والنوع، والرمزية الدلالية: القنطار (المال العظيم والقدر الهائل) المفهوم: هو المعيار والمقدار الكبَار من المال أو الذهب والفضة، ويُطلق على المال الجسيم المحزوم والمركوم بعضه فوق بعض. الأصل والصفة: مأخوذ من “القَنْطَرَة” وهي البناء المرتفع والعظيم الممتد، فالقنطار يمثل الكثرة الكاثرة والوفرة المالية التي تعجز عن حملها الكف الواحدة، بل تحتاج إلى أحمال وأوعية. الاستعمال القرآني: جاء في معرض ضرب المثل بالوفرة والكثرة المطلقة في الأمانة أو الشهوات: “وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ” (آل عمران 75) إشارة إلى الأمانة العظيمة في المال الكثير جداً. “وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا” (النساء 20) إشارة إلى الصداق والمال المفرط في الكثرة. الدينار (النقد المحدد والقدر القليل) المفهوم: هو القطعة النقدية الذهبية المضروبة للتعامل والمعاملات الشائعة، ويُعبر في مقام الموازنة عن القدر القليل أو المحدود من المال مقارنة بالأحمال. الأصل والصفة: معرب من أصل روماني/يوناني (Denarius)، وكان يمثل وحدة النقد الأساسية من الذهب، والدينار يمثل الوحدة النقدية القليلة أو الفردية التي تقع في يد الشخص بسهولة. الاستعمال القرآني: جاء في القرآن الكريم في مقابل “القنطار” لبيان التباين الشديد بين الكثرة والقلة وخيانة العهد: “وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَّا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا” (آل عمران 75) حيث استُعمل “الدينار” ليمثل الجرم الشديد في خيانة الأمانة حتى في الشيء القليل اليسير. خلاصة الفرق: القنطار هو وحدة قياس للوفرة والكثرة الهائلة من المال المسكوب أو المركوم (المال العظيم)، بينما الدينار هو وحدة نقدية محددة وقليلة تُستعمل في التعاملات الفردية. وقد جمع القرآن بينهما في آية واحدة لعقد مقارنة بيانية عجيبة بين من يُؤتمن على “القنطار” (المال الشديد الكثرة) فيؤديه، ومن لا يُؤتمن حتى على “الدينار” (المال القليل) فيخونه.