
بقلم .. عصام الصميدعي
—
العراق: إصلاح الـ 40% .. عندما لا يعود الحزب ولا القدوة كافيين
بقلم: عصام الصميدعي
بلدي اليوم مريض، لا لأنه يجهل مرضه، بل لأنه يعرف مرضه ولا يستطيع أن يعالج نفسه.
نحن لا نعاني من نقص الوعي. العراقي يعرف من سرق، ومن كذب، ومن باع، ومن تحالف مع الخارج على حساب الداخل. الوعي موجود، بل فائض. ما ينقصنا ليس المعلومة، بل القائد الذي يحوّل هذا الوعي إلى فعل.
لسنا بحاجة إلى وكيل حجة، ولا إلى قدوة فاضلة نعلّق صورتها على الجدار ونبكي عليها. القدوة الفاضلة لا تدير دولة. ولا نحن بحاجة إلى حزب جديد يرفع شعاراً جديداً، لأننا جربنا الأحزاب، وتحولت في النهاية إلى بداية خديعة جديدة. حزب البعث بدأ بشعارات الوحدة والحرية، وانتهى إلى جهاز قمع. والأحزاب التي جاءت بعده بدأت بشعارات الدين والعدالة، وانتهت إلى محاصصة وفساد.
مشكلتنا ليست في غياب الفلسفة، بل في التشرذم الذي يجعل أي فلسفة حزبية مستحيلة. البلد اليوم متشظٍ إلى ولاءات متنافسة، كل جماعة تريد أن تكون هي الدولة، ولا تريد أن تكون جزءاً من الدولة. وفي هذا المناخ، النزيه لا يمتلك قاعدة. النزيه يملك فكرته فقط، بينما الفاسد يملك المال والسلاح والإعلام والحماية الخارجية.
لهذا لا أطرح نموذجاً كاملاً، ولا أعد بحلم مثالي. ما أطرحه هو إصلاح 40% من الواقع. ليس 100%. فقط الحد الأدنى الذي يمنع الهلاك.
إصلاح الـ 40% يعني أننا لا نبحث عن ملاك، بل عن قائد صقلَه الواقع وصنع نفسه بنفسه. قائد يعرف لعبة الجميع لأنه عاشها، لا لأنه قرأها في كتاب. قائد لا يفكر بالجنة بقدر ما يفكر بكيف ينقذ بلده، حتى لو كان الثمن هلاكه هو.
هذا القائد لا يحتاج إلى أن يكون طاغية عادلاً، فالطاغية العادل أسطورة لا تدوم. ولا يحتاج إلى أن يكون أخلاقياً بالمعنى الوعظي، لأن الأخلاق وحدها في واقعنا كانت نقطة ضعف. عبد الكريم قاسم كان نزيهاً مخلصاً صنعه الواقع، لكن أخلاقه كانت سر فشله، لأنه لعب بقواعد الشرف بينما لعب خصومه بلا قواعد.
ما نحتاجه هو قائد يمتلك الحكمة والعقل والقدرة، لكن هذه وحدها لا تكفي. نحتاج إلى ما هو أندر: البصيرة والإلهام. البصيرة أن يرى الخطر قبل أن يأتي، والإلهام أن يجعل الناس يؤمنون أن المستقبل ممكن وهم في القاع. هذه ليست مهارات تُدرَّس، بل هبة ربانية تمنح لمن يستحقها.
ونحن شعب فنان في بناء الشخصية الأسطورية. منذ كلكامش ونحن نبحث عن البطل، ونحوّل الإنسان إلى رمز حتى لو كان غبياً أو فاسداً أو عميلاً. لأننا لا نعبد الشخص، بل نعبد الحاجة التي يمثلها: الحاجة إلى أب، إلى منقذ، إلى من يقول لنا ناموا مرتاحين.
لكن الأسطورة وحدها لا تبني دولة. الدولة تُبنى بركائز، كما فعلت الصين. الصين لم تُبنَ بالخطب عن الفضيلة، بل بفكرة واحدة: لا يهم لون القط، المهم أن يصطاد الفئران. لا يهم أن يكون الحاكم ملاكاً، المهم النتيجة: هل بنى مصنعاً؟ هل أطعم الناس؟ هل جعل الدولة قوية؟
إصلاح الـ 40% هو أن نثبّت أربع ركائز فقط، تمنع الانهيار:
أمن لا يُباع، ومال لا يُسرق بالكامل، وقضاء يخاف منه القوي، وهوية عراقية تمنع أن يتحول البلد إلى ولاية تابعة لأي دولة، قريبة كانت أو بعيدة.
نحن اليوم في مفترق طرق: إما أن نجد ذلك القائد الذي يثبّت هذه الركائز، أو نتحول تدريجياً إلى ساحة للجيران، ينظرون إلينا على أننا لا نستحق البقاء.
أنا لا أعد بالجنة. ولا أعد بالوحدة الكاملة. أعد فقط بشيء واحد: أن نبقى أحياء، وأن يبقى العراق عراقاً.





