سبتمبر 22, 2026
LOGO

د. فاضل حسن شريف

يبرز الدكتور فاضل حسن شريف في تحليلاته الدلالية والقرآنية واللغوية الفرق بين الإصغاء/الإنصات والاستماع، فكلاهما يتعلق بحاسّة السمع وتلقي الأصوات، إلا أن بينهما تمييزاً دقيقاً في درجات الإقبال، وتفريغ الجوارح، وتدبّر المعنى: الاستماع (توجيه حاسة السمع بقصد وإرادة) المفهوم: هو إعمال حاسة السمع وتوجيه الأذن نحو الكلام أو الصوت برغبة وقصد لتلقيه وفهمه، وهو أخصّ من السمع المجرد (الذي قد يحصل صدفة دون قصد).الأصل والصفة: مأخوذ من “السَّمْع” مع زيادة التاء (اسْتَمَعَ) التي تفيد الطلب والاجتهاد، فالاستماع يتطلب طلباً وتوجيهاً للأذن، ولكنه قد يجتمع مع وجود حركة، أو انشغال بعض الجوارح الأخرى، أو الحديث الخفيف. الاستعمال القرآني: جاء “الاستماع” في القرآن الكريم للتعبير عن التوجه السمعي للتفكر والتلقي، كما جاء في حق الإنس والجن والمستمعين: “وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ” (الأعراف 204) حيث بدأ بالاستماع كخطوة أولى تسبق الإنصات. “وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ” (الأحقاف 29). الإنصات (السكوت التام وتفريغ الجوارح لتلقي المسموع) المفهوم: هو السكوت الساكن والتزام الصمت والهدوء التام مع إقبال القلب والعقل على المسموع لتأمله، ودون إحداث أي شاغل أو حركة. الأصل والصفة: مأخوذ من “النَّصْت” وهو السكوت للإصغاء، فالإنصات أعلى درجة وأشد عمقاً من مجرد الاستماع، لأنه يستلزم ترك الكلام بالكلية، وقطع أي عمل أو حركة تُشوش على الفهم والاستيعاب. الاستعمال القرآني: ورد “الإنصات” مقروناً بالسكوت والتعظيم وحسن التلقي: “وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا” (الأعراف 204) عُطف الإنصات على الاستماع ليدل على درجة أعلى من التعظيم والسكوت التام. “فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا” (الأحقاف 29) أي اسكتوا سكوداً تاماً وألقوا بالكم لكلام الله. خلاصة الفرق: الاستماع هو توجيه حاسة السمع بقصد ورغبة لتلقي الكلام (وهو المرحلة الأولى)، بينما الإنصات هو السكوت التام والصمت الجارحي مع إحار الفكر والعقل لتأمل الكلام المسموع. فالإنصات درجة أعلى وأبلغ من الاستماع، إذ يمكن للإنسان أن يستمع وهو يتحرك أو يعمل شيئاً يسيراً، ولكنه لا يكون “منصتاً” إلا إذا سكت تماماً وتفرغ بجوارحه للمسموع.

يتناول الدكتور فاضل حسن شريف في تحليلاته الدلالية والقرآنية واللغوية الفرق بين تَغَيُّر وتَغْيِير، فكلاهما يتعلق بالتحول والانتقال من حالة إلى حالة أخرى، إلا أن بينهما تمييزاً دقيقاً في الفاعلية، والتأثير الداخلي والخارجي، ومسؤولية الإرادة والجهد: التَّغَيُّر (التحول الذاتي أو التلقائي في الشيء) المفهوم: هو التحول والتتحول الذي يطرأ على الشيء في ذاته أو في صفاته بشكل تلقائي أو نتيجة تفاعل داخلي، دون التأكيد على وجود مؤثر خارجي مباشر أحدث هذا التحول بصلابة وقصد. الأصل والصفة: مأخوذ من الفعل الخماسي “تَغَيَّرَ” على وزن (تَفَعَّلَ)، والذي يفيد مطاوعة الفعل والتحول الذاتي، فالشيء يتغير بنفسه أو بفعل عوامل الزمن والبيئة الطبيعية (كتغيُّر طعم الماء أو تغير أحوال النفس). الاستعمال القرآني والبياني: جاء ما يدل على التغير الذاتي في الصفات والأحوال في القرآن لبيان ثبات النعم أو فساد الأشياء تلقائياً: “فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاءٍ غَيْرِ آسِنٍ” (محمد 15) أي غير متغيّر الطعم أو الرائحة بطول الماكث والتحول الذاتي. وتُستخدم لغوياً في وصف تغير الأحوال الذاتية والطبائع النفسية حين تتحول تلقائياً. التَّغْيِير (الفعل المقصود والمؤثر الخارجي المباشر) المفهوم: هو إحداث تحوّل وتبديل في الشيء بفعل فاعل وتأثير خارجي مقصود، يتطلب إرادة وجهداً وسعياً لإخراج الشيء من حاله الأول إلى حال جديد. الأصل والصفة: مأخوذ من الفعل الرباعي “غَيَّرَ” على وزن (فَعَّلَ)، وهو مصدر يتضمن معنى التكثير والتعدية والفاعلية الصريحة، فالتغيير إيجاد أثر وفعل مباشر يتطلب صانعاً أو مغيرًا يقوم بالتأثير والتبديل. الاستعمال القرآني: ورد “التغيير” في القرآن الكريم في مقام المسؤولية الإنسانية والسنن الإلهية القائمة على فعل الإنسان وعمله: “إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ” (الرعد 11) حيث ربط القرآن التغيير الإلهي للنعمة أو البلاء ببدء التغيير السلوكي والفكري الصريح من الإنسان نفسه. “وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ” (النساء 119) إشارة إلى التدخل الخارجي المقصود والعبث المباشر. خلاصة الفرق: التَّغَيُّر هو تحولٌ وتأثرٌ ذاتي أو تلقائي يقع في صفات الشيء وحالته (نتيجة الزمن أو البيئة)، بينما التَّغْيِير هو فعلٌ مقصود وأثرٌ خارجي مباشر يحتاج إلى فاعل وإرادة وسعي لتبديل الحال. فالأول نتيجة ومطاوعة، والثاني سبب وفعل، ولهذا جعل الله سنة تبديل الأحوال مرهونة بـ “التغيير” الإرادي والعملي الصادر من الإنسان.

يوضح الدكتور فاضل حسن شريف في تحليلاته الدلالية واللغوية والقرآنية الفرق بين هَوِيَّة (بفتح الهاء) وهُوِيَّة (بضم الهاء)، فكلاهما اسمٌ مشتقٌّ لغوياً من أصلٍ مختلف، ويحمل معنىً ودلالةً تفارق الأخرى تماماً في المعاجم والاستعمال القرآني والحديث: هَوِيَّة (بفتح الهاء – الهبوط والعمق والهاوية) المفهوم: هي السقوط في البئر العميقة أو المهواة، وتُطلق على البئر العميقة التي لا يُدرك قعرها، كما تُطلق على النازلة أو المصيبة والهوة السحيقة. الأصل والصفة: مأخوذة من الفعل “هَوَى” (يَهْوِي)، والَهْوِيَّة مصدر أو اسم للمكان المنخفض السحيق، وهو أصل اللفظة في معجم العين ولسان العرب، وتصويرٌ لحالة السقوط والانحدار. الاستعمال القرآني والبياني: ترتبط بمفهوم “الهاوية” التي وردت في القرآن الكريم للتعبير عن عمق جهنم وسقوط أهلها فيها: “فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ” (القارعة 9) والهاوية هي “الهَوِيَّة” السحيقة التي يتردى فيها العاصي. وتُستعمل في اللغة لبيان الانحدار والمهواة: “وقع في هَوِيَّةٍ سحيقة” أي في حفرة أو بئر لا قعر لها. هُوِيَّة (بضم الهاء – حقيقة الشيء وذاتيته) المفهوم: هي جوهر الشيء، وحقيقته الصريحة، وما يتشخص به عن غيره وتنعكس به ذاتيته وخصائصه المطلقة. الأصل والصفة: اسم مصاوغ ومصطلح فلسفي ولغوي مُصاغ من الضمير “هُوَ” مع إضافة ياء النسب والتاء المربوطة (مأخوذة من الهُوَ هُوَ)، للتعبير عن “معنى الكينونة” واستمرار الذات وحقيقتها. الاستعمال والمعنى المعاصر: يُستعمل هذا اللفظ بضم الهاء حصراً للتعبير عن “الهُويّة الوطنية”، أو “بطاقة الهُويّة”، أو “هُويّة الإنسان والجامعة”، أي الخصائص والصفات التي تُحدد كنه الشخص أو الأمة وتُميّزه عن السوى. خلاصة الفرق: هَوِيَّة (بفتح الهاء) هي السقوط والمهواة والبئر العميقة (مأخوذة من هَوَى يَهْوِي)، بينما هُوِيَّة (بضم الهاء) هي حقيقة الشيء وجوهره وخصائصه الذاتية (مأخوذة من الضمير هُوَ). والخطأ الشائع هو فتح الهاء عند القصد إلى حقيقة الشخص وثقافته، فالصواب لغوياً ودلالياً في حقيقة الذات هو الضم (هُوِيَّة).