
د. سامي خاطر آكاديمي وأستاذ جامعي
الإعدامات السياسية في إيران: استراتيجية إرهاب الشارع وتداعيات التدويل الدولي
تشهد الساحة السياسية الإيرانية تصعيداً متزايداً في النهج القضائي الصارم، حيث يعكس تنفيذ أحكام الإعدام الأخيرة بحق شباب في مقتبل العمر رهان المؤسسة الحاكمة على أداة الردع القانوني والأمني لضبط الشارع ومنع اتساع رقعة الاحتجاجات الشعبية. وفي هذا السياق، جاء تنفيذ أحكام الإعدام في سجن دستجرد بمدينة أصفهان بحق الشابين أمير حسين ملكي وأمير حسين إبراهيمي، على خلفية القضية المعروفة إعلامياً بـ “ميدان عليخاني”، ليضع آليات التعاطي الحكومي مع ملف التظاهرات تحت مجهر التحليل الاستراتيجي والمتابعة الدولية.
ديناميات الأحكام القضائية: التكييف القانوني وسياق الاعتقال
وفقاً للبيانات الرسمية الصادرة عن السلطة القضائية الإيرانية، جاءت تهم المحاربة والإفساد في الأرض بناءً على لائحة اتهام تتضمن العمل ضد الأمن القومي وإحداث انعدام أمني واسع النطاق عبر استخدام الأسلحة والمواد الحارقة. وتعكس هذه الصياغات القانونية توجهاً رسمياً يتجاوز مجرد التعامل مع مخالفي النظام العام إلى تصنيف الفعاليات الاحتجاجية المسلحة أو العنيفة ضمن دائرة التهديدات المباشرة للأمن القومي.
وعلى الصعيد الميداني، يُشرّح تتابع القرارات الصادرة عن قضاة محكمة الثورة في أصفهان — وفي مقدمتهم مرتضى براتي درجة ومحمد رضا توكلي — عقيدة قضائية صارمة تعتمد منهجية الأحكام القاسية التي شملت إعدام عدد من المتهمين في القضية ذاتها خلال الأشهر الماضية، إلى جانب صدور أحكام بالسجن لمدد تترواح بين 5 و10 سنوات على عشرات آخرين. هذا المسار القضائي المكثف يوضح رغبة السلطة في إنهاء الملفات القضائية المتعلقة بانتفاضة يناير بحزم، لتوجيه رسالة حاسمة لكافة القوى الاجتماعية الراغبة في التغيير.
الأبعاد الاستراتيجية: بين المعادلة الأمنية وديناميكية الاحتجاج
من الناحية الجيو-سياسية والداخلية، تُقرأ هذه الخطوات التشريعية والقضائية باعتبارها جزءاً من استراتيجية إدارة المخاطر التي تتولاها الأجهزة الأمنية:
• ترسيخ أداة الخوف: تهدف الأحكام إلى رفع تكلفة المشاركة الميدانية في أي تحركات مستقبليّة، لا سيما لدى فئة الشباب واليافعين التي تشكل الوقود الأساسي للتظاهرات.
• إغلاق مجالات المناورة: تسعى المؤسسات الرسمية إلى قطع الطريق أمام تشكّل شبكات تنظيمية محلية قابلة للتطور في المحافظات الكبرى مثل أصفهان.
وفي المقابل، تؤكد التحليلات المستقلة لمراكز الرصد والتفكير الدولية أن الامعان في السياسات العقابية الصارمة قد يؤدي إلى نتائج عكسية على المدى المتوسط والطويل. فبدلاً من تحقيق الهدوء التام، تؤدي هذه الإجراءات إلى تغذية الاحتقان المجتمعي وزيادة الفجوة بين الجيل الشاب ومؤسسات الدولة، مما يحول الاحتجاجات السلمية أو المطالب الخدمية إلى حالة من السخط السياسي المزمن المتطلع لبدائل جذرية.
الموقف المعارض والردود الدولية: نقد الخطاب وتدويل الملف
شكلت هذه التطورات ركيزة أساسية في خطاب القوى المعارضة، حيث اعتبرت رئيسة المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، مريم رجوي، أن لجوء النظام إلى هذا المستوى من الإجراءات يعبر عن محاولة يائسة للسيطرة على الأوضاع الميدانية، مشددة على أن هذه السياسات تزيد من إصرار الشباب على النضال والتغيير. كما جددت التزاماتها بالمطالبة بتدخل الأمم المتحدة والهيئات الدولية لوقف الإعدامات السياسية ومحاسبة المسؤولين عن هذه القرارات.
وعلى الساحة الدولية، تُبرز تقارير المنظمات الحقوقية المستقلة ومقرري الأمم المتحدة قلقاً عميقاً إزاء تزايد معدلات تنفيذ عقوبة الإعدام وتراجع معايير المحاكمات العادلة. ويرى المحللون أن تدويل ملف الإعدامات يضع الخارجية الإيرانية أمام ضغوط دبلوماسية متزايدة، ويُعقد من ملفات التفاهم الإقليمي والدولي، خصوصاً في ظل المطالبات المستمرة بالربط بين التعاون الاقتصادي ومدى الالتزام بمعايير حقوق الإنسان.
الآثار المستقبلية: كلفة الردع وحتمية التحول
تُظهر قراءة المتغيرات أن معادلة الاستقرار الأدنى القائمة على التغطية الأمنية والتكييف القضائي الصارم تظل محفوفة بالمخاطر؛ إذ إن التركيز على الآليات العقابية دون إيجاد حلول حقيقية للأزمات الاقتصادية والاجتماعية الهيكلية يرفع من احتمالية انفجار المواقف عند أي استحقاق سياسي أو اقتصادي قادم.
إن التوزان الحرج بين صرامة السلطة وتنامي الإصرار لدى القواعد الشبابية يجعل من الملف القضائي ركيزة مركزية في تحديد مسار الاستقرار الداخلي في إيران خلال المرحلة المقبلة.






