سبتمبر 23, 2026
LOGO

قاتل بمرتبة “صديق”.. كيف نستثمر في هلاكنا؟
فرح علي الشهاري
___________________
عجيب أمر الإنسان؛ يبني جدراناً شاهقة ليحمي بيته من لصوص الليل، لكنه يشرع أبواب صدره طوعاً للصٍ أنيق يسرق أنفاسه في وضح النهار. التدخين، تلك العادة التي تسللت إلى مجتمعاتنا مرتديةً قناع “المزاج” و”الترويح عن النفس”، لم تعد مجرد سلوكٍ شخصي خاطئ، بل تحولت إلى استثمارٍ يومي في الهلاك، نقتطع ثمنه من قوت أبنائنا وعافية أجسادنا.

في المفهوم التقليدي، ينظر الكثيرون إلى السيجارة أو الشيشة على أنها مجرد “دخان يتلاشى”، متجاهلين الحقيقة العلمية الصارخة: نحن لا ندخن التبغ، بل ندخن أعمارنا. فمع كل نَفَس، تغزو أكثر من 7000 مادة كيميائية سامة خلايا الجسد، لتبدأ حرباً صامتة لا هوادة فيها. الرئتان اللتان خلقهما الله لتنقية الحياة، تتحولان تدريجياً إلى مخزنٍ للقطران الأسود. والقلب الذي ينبض حباً لمن حولنا، يكبله النيكوتين، ويُنهكه حتى يغدو عاجزاً عن ضخ الدم النقي، ليقف المدخن فجأة أمام أبواب العناية المركزة، يواجه شبح الجلطات، وأمراض الشرايين، والأورام الخبيثة.
لكن المأساة الحقيقية لا تتوقف عند حدود جسد المدخن؛ بل تتعداها لتطال أبرياء لم يختاروا هذه النهاية. “التدخين السلبي” جريمة صامتة يرتكبها المدخن بحسن نية في حق أقرب الناس إليه. الزوجة التي تقاسمك هواء الغرفة، والطفل الذي يركض ليعانقك، يستنشقون من بقايا سيجارتك ما يكفي لزرع بذور الربو والتهابات الرئة المزمنة في أجسادهم الغضة. إنها مفارقة قاسية؛ أن نكدح طوال النهار لنوفر لأبنائنا حياة كريمة، ثم نعود في المساء لنلوث الهواء الذي يتنفسونه!

وفي ظل الظروف الاقتصادية الضاغطة التي تكبل الأسر، يتحول التدخين إلى نزيف مادي لا يقل خطورة عن النزيف الصحي. الأموال التي تُحرق يومياً في شراء السجائر، والمعسل، والفحم، لو جُمعت، لكانت كفيلة بسد حاجة عائلة، أو توفير دواء لمريض، أو تأمين مستقبل طفل. نحن نشتري المرض بأموالنا، ونحرق مدخراتنا بأيدينا، ثم نقف عاجزين حين يداهمنا المرض وتتخلى عنا صحتنا.

من هنا، تأتي رسالة صندوق مكافحة السرطان في حملته الوطنية الثانية عشرة، ليس من باب الترهيب المعتاد، بل من دافع الحرص العميق على بنية المجتمع. الصندوق الذي يقف يومياً وجهاً لوجه أمام معاناة الآلاف من مرضى الأورام، يدرك تماماً أن الوقاية ليست مجرد شعار طبي، بل هي “طوق النجاة” المجاني الأخير قبل الغرق في دوامة العلاج المكلف والألم الطويل.

التدخين ليس قدراً محتوماً، والإقلاع عنه ليس معجزة مستحيلة. إنه مجرد “قرار”.. قرار شجاع يتخذه العقل في لحظة صدق مع النفس، قبل أن تُجبر عليه بتوصية طبيب.

انتصر لإرادتك، استعد عافيتك، وأنقذ هواء بيتك، وتذكر دائماً: السيجارة التي لا تطفئها اليوم بمحض إرادتك، ستطفئ بهجة حياتك غداً رغماً عنك.

#الحملة_الوطنية_الثانية_عشرة_للتوعية_بمخاطر_التدخين
#قرارك_يحميك
#صندوق_مكافحة_السرطان