سبتمبر 26, 2026
رياض

قراءة أنثروبولوجية-سياسية في جدلية الأصيل والدخيل

رياض سعد

تمهيد: في نقد الالتباس المصطلحي

قد يظن البعض أننا نخبط خبط عشواء، وأننا نعاني من تناقض بنيوي حين نجمع بين الدعوة إلى دولة المواطنة والهوية الوطنية من جهة، والحديث عن “الأغلبية العراقية” أو “الفئة الهجينة” من جهة أخرى… ؛  لكن هذا الإشكال يزول بأدنى تأمل، إذ إن المواطنة شيء والهوية الوطنية شيء آخر مختلف تماماً، كما أن الفرق بينهما فرق النهار والليل.

فلو افترضنا أن مهاجراً صومالياً حصل على الجنسية الألمانية وأصبح مواطناً ألمانياً وفقاً للقانون، فهل يعني ذلك أن إسلافه صاروا من الجرمان الشقر؟

أو أنه يمثل الهوية الألمانية التاريخية والحقيقية؟

قطعاً لا.

وهذا هو الفرق الجوهري بين المواطن الأصيل والمواطن الدخيل: الأول ابن البلد ولو سُحبت جنسيته، والثاني جذوره أجنبية وغريبة ولا تمت لهوية البلد وتاريخ أهله بصلة ولو أصبح رئيساً للوزراء.

وعليه، الهوية الوطنية تساوق المواطن الأصيل… ؛  فالعراق يمثله العراقي، ولا يمثله المواطن من ذوي الأصول الإيرانية أو الأفغانية أو النجدية أو التركية أو الكردية الخارجية أو المصرية أو الشامية… ؛  وبما أن الأغلبية السكانية في كل بلد تمثل ثقله الحضاري والتاريخي، أصبح من الضرورة بمكان التأكيد عليها، لأن التأكيد عليها تأكيد على الهوية الوطنية والأمة العراقية نفسها.

الفصل الأول: نشأة الفئة الهجينة في رحم الدولة العثمانية

لم تأتِ الفئة الهجينة من فراغ، بل هي نتاج سياسات عثمانية وبريطانية منظمة استهدفت تفريغ العراق من أهله الأصليين… ؛  ففي منتصف القرن الثامن عشر، سيطر المماليك على مقاليد الحكم في العراق، وهؤلاء كانوا غلماناً للأتراك العثمانيين من أصول شركسية وجورجية وقوقازية وغيرها… ؛ و استمر حكمهم زهاء 82 عاماً، وكانوا ينكحون في الليل ويأمرون في النهار بقمع العراقيين الأصليين… ؛ حتى شاع المثل السائر في بغداد عنهم : (( في الليل عرائس وفي الصبح فوارس )) .

لم يكتف المحتل التركي العثماني بقتل العراقيين الأصليين ومحاربة العشائر والقبائل العراقية، بل راح يجلب العبيد والسبايا والمرتزقة من كل حدب وصوب؛ ليكونوا يده الضاربة، ومحلاً لتفريغ شهوته الحيوانية… ؛  حتى جار الزمان وجار، وملك العراق مجموعة من شذاذ الآفاق من المماليك الذين كانوا أداة بيد الأتراك العثمانيين .

الفصل الثاني: الاغتصاب البريطاني والولادة الهجينة

لم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تخمرت هذه الفئة الهجينة وتحولت إلى بذرة خبيثة سقاها الإنكليز فيما بعد… ؛  فبعد ثورة العشرين التي اندلعت في أيار/مايو 1920 ضد الاحتلال البريطاني، والتي كانت صرخة أمة رفضت أن تُستبدل، قررت بريطانيا معاقبة العراقيين الأصليين معاقبة قاسية.

وفي عام 1921، وتحت رعاية بريطانية خبيثة، تشكلت أول حكومة هجينة معاصرة… ؛  فقد عُقد مؤتمر القاهرة في آذار 1921 برئاسة تشرشل، وسمي  الغريب فيصل بن الشريف حسين ملكاً على العراق.. ,  وهكذا سيطر الخط المنكوس على مقاليد البلاد، فصيَّر الأصيل دخيلاً، والدخيل أصيلاً، والوطني غريباً، والمحتل عراقياً.

ولو راجعت سيرة حكام وساسة ومسؤولي الحكومات الملكية في العراق، بل والكثير من الذين تصدروا المشهد الإعلامي والثقافي والاقتصادي، لوجدتهم ليسوا عراقيين أصليين، بل إن الكثير منهم لم يكونوا عرباً حتى… ؛  وليت المهزلة وقفت عند هذا الحد، بل أصبح هؤلاء الأجانب والغرباء – وبقدرة قادر – أحفاد عدنان وقحطان، بينما أمسى أبناء جماجم العرب وأحفاد ملوك ممالك ميسان والحضر والحيرة العربيات عجماً أو زطاً أو هنوداً أو تركاً… ؛  وما عشت أراك الدهر عجباً!

الفصل الثالث: اقتطاع الأرض وسلب الهوية

إن قيام الإنكليز بمعاقبة الأغلبية والأمة العراقية بسبب مقاومتها الشرسة للاحتلال ثم اندلاع ثورة العشرين، دفعهم للانتقام باقتطاع الكويت والمحمرة وعبادان من الجنوب العراقي… ؛  ولم يكتفوا بذلك، بل راحوا يسلخون الأراضي العراقية الشاسعة لصالح تركيا وسوريا والأردن والسعودية.

وتدخلوا في كافة مفاصل الحياة الاجتماعية والدينية والثقافية والسياسية والاقتصادية، فجلبوا الهنود وبقية مرتزقتهم إلى العراق لمساندة الحكومة الهجينة في بغداد… ؛ فتشكل حلف هجين غريب أجنبي يستهدف العراق والهوية الوطنية والأغلبية العراقية.

ومنذ ذلك الزمن الأغبر عام 1921 وإلى حين سقوط الصنم الهجين عام 2003، لم ير العراق والعراقيون يوماً سعيداً قط… ؛ فقد عاشوا وسط العوز والمرض والحرمان والفقر والتهميش والإقصاء، فضلاً عن سياسات الإفقار والعنف والاعتقالات والإعدامات التعسفية والتمييز الطائفي والعنصري والمناطقي… ؛ اذ امتلأت الأرض العراقية بجثث أبنائها، وارتوت أرض الرافدين بدماء أبنائها الأصليين والكرماء.

الفصل الرابع: التواطؤ الديني والاستحواذ المذهبي

أصدرت بريطانيا أوامرها إلى عملائها بسلسلة من المخططات التي تستهدف الأغلبية العراقية الأصيلة، ومنها إفراغ الحوزات العلمية الدينية في النجف الأشرف وكربلاء والكاظمية من رجال الدين العراقيين؛ لأنهم ساهموا في مقارعة الإنكليز، والمجيء برجال دين من الإيرانيين والهنود والأفغان ليحلوا محلهم.. ,  وقد مُنِحوا مختلف أشكال الدعم المادي والمعنوي، واستمرت هذه السيرة المنكوسة إلى هذه اللحظة.

فقد مارست هذه الشخصيات والعوائل ذات الأصول غير العراقية أدواراً خبيثة ضد الأغلبية بالتعاون مع الإنكليز تارة، وتركيا تارة أخرى، فضلاً عن التواطؤ مع الحكومات الهجينة التي حكمت العراق… ,  وكل أشكال المعارضة الصورية والمطالبات الشكلية بإنصاف شيعة العراق  إنما كانت مسرحيات معدة باتفاق كافة الأطراف المعادية للأغلبية العراقية؛ لذر الرماد في العيون ولكي تنطلي اللعبة على أبناء الأغلبية البسطاء.

وقد استولت هذه الفئة الهجينة على مراقد الأئمة المعصومين، فلا يُسمح بدفن رجال الدين العراقيين ولا الشخصيات ولا شيوخ العشائر في مراقد الأئمة إلا في حالات استثنائية… ,  فهذه المراقد محجوزة لموتى الإيرانيين والأفغان والباكستانيين والهنود، بينما هي محرمة على العراقيين.

الفصل الخامس: العنصرية المقنعة والتنمر الممنهج

منذ كان أهْلنا يعملون بشرف ويأكلون الطعام من كد أيديهم وعرق جبينهم، كان هؤلاء يعتاشون على الدين ويأكلون الأموال بالباطل والسحت الحرام باسم المذهب… ؛ و يبيعون الأكفان للموتى، أو يعملون بالسحر وفتح الفال، أو الحكايات والقصص والروزخونيات، أو يستجدون من أبواب السفارات والمخابرات الأجنبية.

وهذه الشرذمة هي التي جلبت السمعة السيئة للمدن الدينية المقدسة… ؛  فقد عرفهم العراقيون الأصليون بالبخل واللؤم والحقارة والأنانية والنرجسية والعنصرية والتعالي والتكبر… ؛  وهم لا يمتون بأية صلة لأبناء الفرات الأوسط أو العراقيين الأصليين من أبناء تلك المدن.

نعم، البعض من العراقيين الأصليين تأثر بطباعهم وهجر العادات والتقاليد العراقية، لأن من خالط القوم أربعين يوماً صار منهم… ؛  وهذه من أغرب الظواهر، فالمعروف أن الجاليات والعوائل والشخصيات المهاجرة تتأثر بثقافة البلد الذي هاجرت إليه، إلا في العراق، إذ فرض أبناء الفئة الهجينة الثقافة العثمانية والإيرانية والأجنبية على العراقيين الأصليين فرضاً...!!

فأبناء الفئة الهجينة يتسمون بالحزم والمكر والدهاء والتلون والأنانية والنرجسية والمصلحية والمادية والنفعية والدجل والنفاق وانعدام المشاعر الإنسانية والوطنية وعدم الانتماء والشعور بالاغتراب… ؛  دينهم المال، ومعبودهم السلطة والنفوذ حتى لو كانت بيد إبليس نفسه.

الفصل السادس: التحريف النسبي وسرقة التاريخ

الخطير في أبناء الفئة الهجينة أنهم لا يكتفون بإظهار عنصريتهم وعداوتهم لأبناء الأغلبية والأمة العراقية، بل يكذبون ويدلسون ويدعون أنهم من العرب الأقحاح، أو من سلسلة العشائر والقبائل والبيوتات العراقية، أو أنهم أحفاد الآشوريين والكلدان… ؛  وهذه الصفة الذميمة هي التي تدعونا للتمييز بينهم وبين العراقيين الأصليين؛ لئلا تختلط الأنساب وتضيع الحقائق ويزور التاريخ.

فلا خير في من يكذب أو ينكر أصله، وكما قال أهْلنا في المثل الشعبي السائر: “اللي ينكر أصله نغل”… ؛  وهذا السبب الذي دعانا إلى تسميتهم بالفئة الهجينة، فهم لا يفصحون عن أصولهم ولا يكشفون عن حقيقتهم، بل يدعون ادعاءات لا صحة لها.

وهؤلاء أخطر ما يكون، فهم كالحرباء يتغيرون حسب الظروف… ؛  تجد منهم العملاء والخونة، والجلادين والمتسلطين، والقساة والعنصريين، والبخلاء واللؤماء، والتجار وأصحاب النفوذ… ؛  فهم يتمتعون بشبكة علاقات خارجية تربطهم بالأنظمة والحكومات الخارجية، وشبكة داخلية تربطهم فيما بينهم بغض النظر عن انتماءاتهم الطائفية.

الفصل السابع: فيلم منكوس ومشهدان من الفجيعة

هذا هو المشهد الأول من الفيلم المنكوس… ؛  أما المشهد الثاني، وهو أشد ضرراً من الأول، فهو قيام الإنكليز بمعاقبة الأغلبية والأمة العراقية معاقبة قاسية قل نظيرها… ؛  فقد قاموا باقتطاع الكويت والمحمرة وعبادان من الجنوب العراقي، وسلخوا الأراضي العراقية الشاسعة لصالح تركيا وسوريا والأردن والسعودية.

وعمل الخط المنكوس على إحلال الدخيل بديلاً عن الأصيل… ؛  لذا صرنا نشاهد الذين يتصدرون المناصب الحساسة والمواقع القيادية والمراكز الإعلامية والثقافية والدينية وهم ليسوا عراقيين، وقد اكتسبوا الجنسية العراقية بطرق ملتوية تستهدف التركيبة السكانية للعراق.

لذا، وبسبب تصاعد النعرات العنصرية والطائفية والمناطقية طوال أكثر من 100 عام في العراق، طالب الأحرار والأصليون والغيارى من أبناء الأغلبية والأمة العراقية الأصيلة بسحب الجنسية العراقية من كل الذين تجنسوا في العراق من عام 1921 إلى هذه اللحظة… ؛ فالتجنيس و هذه الإجراءات المشبوهة  زادت من تنافر مكونات الأمة العراقية ورفعت مستويات العنصرية على مختلف الأصعدة والمجالات.

الخاتمة: نحو تطهير الهوية واستعادة الأمة

من أجل مجتمع متآخٍ مسالم، لا بد من سحب الجنسية من ذوي الأصول الأجنبية والجذور غير العراقية، وإصدار قرار يمنع التجنيس نهائياً كما تفعل بعض الدول؛ لأن وضع العراق هش ولا يتحمل المزيد من المغامرات.

فهم عراقيون ولكن بالمواطنة لا بالأصالة…  ؛ وها هي الكثير من الدول تقوم بين الحين والآخر بسحب الجنسية من المجنسين ومن ذوي الأصول الأجنبية والغريبة؛ حفاظاً على الأمن الوطني والسلم الأهلي والهوية الوطنية. فلماذا لا يفعل العراق ذلك؟!

إن الأمة العراقية ليست اختراعاً سياسياً حديثاً، كما أنها ليست مجرد تجمع طوائف أو قوميات متجاورة، إنها حصيلة آلاف السنين من التراكم الحضاري… , والحفاظ على هذه الأمة يتطلب استعادة الهوية المسلوبة، وتطهير الجسم العراقي من الشوائب الدخيلة التي علقت به عبر عقود طويلة من الاحتلال والتبعية.

فهل آن الأوان ليقول العراقي الأصيل كلمته الفصل في تاريخه، ويسترجع مجده الضائع من قبضة الفئة الهجينة التي لا هم لها إلا المال والسلطة والنفوذ، ولو على حساب دماء الأبرياء وتاريخ الأمة ومستقبل الأجيال؟

………………………………………….

المصادر والمراجع:

• موسوعة ويكيبيديا: مماليك العراق

• موسوعة ويكيبيديا: ثورة العشرين

• موسوعة ويكيبيديا: المملكة العراقية

• موسوعة ويكيبيديا: اضطهاد الكرد الفيليين في عهد صدام حسين

• رياض سعد: الأمة العراقية: الهوية الوطنية بين التاريخ والسياسة

• رياض سعد: مظاهر استراتيجية الفئة الهجينة في تدمير الأغلبية العراقية

• رياض سعد: هم عراقيون ولكن بالمواطنة لا بالأصالة

• الانتداب البريطاني على العراق

• قانون الجنسية العراقية