
Screenshot
كسب غير مشروع ومواطن يذرف الدموع
بقلم: الباحثة كنانة خلف الكردي
في بلدٍ أنهكته الحرب، لا يبدو الفساد مجرد مخالفة مالية عابرة، بل يبدو كأنه اعتداء جديد على مواطن دفع ثمن الانهيار مرتين: مرةً من أمنه ومستقبله، ومرةً من لقمة عيشه.
المفارقة المؤلمة أن المواطن السوري يُطلب منه الصبر، والتقشف، وتحمل الغلاء، وانتظار تحسن الاقتصاد، بينما تتردد في المقابل حكايات عن أموال وعقود ومناصب ومصالح تتحرك في مساحات لا يصل إليها المواطن العادي.
كيف يصبح بعض الناس أثرياء في أشهر، بينما يحتاج المواطن سنوات ليؤمّن قوت يومه؟
هنا تبدأ الحكاية التي تستحق أن تُفتح ملفاتها، لا أن تُغلق بالهمس.
تبدأ أحياناً بتبرع معلن، وملايين يُقال إنها ستذهب إلى التنمية، وظهور إعلامي، وعزائم وهدايا وشبكة علاقات واسعة. ثم تتحول العلاقات إلى أبواب، والأبواب إلى مواقع، والمواقع إلى توقيعات، والتوقيعات إلى عقود.
وهنا يصبح المال العام في خطر.
فالفساد لا يبدأ دائماً من صندوق المال؛ قد يبدأ من المعلومة، ومن معرفة من يقرر، ومن يستطيع الوصول إلى المسؤول، ومن يعرف أي باب يطرق، وأي عقد ينتظر، وأي مشروع يمكن أن يتحول إلى فرصة شخصية.
ثم تأتي العبارة الأكثر خطورة:
«نحن جئنا للاستثمار وخدمة البلد.»
لا مشكلة في الاستثمار، ولا في رجال الأعمال، ولا في تحقيق الأرباح.
المشكلة تبدأ عندما تختلط الثروة بالنفوذ، والمصلحة العامة بالمصلحة الخاصة، والمنصب بالعقد، والعلاقة بالقرار.
عندها يصبح المواطن هو الطرف الذي يدفع.
يدفع من راتبه.
يدفع من قدرته الشرائية.
يدفع من فرص عمل أبنائه.
ويدفع من ثقته بالدولة.
والمؤلم أكثر أن المواطن لا يرى دائماً نتيجة هذا المال الذي يُنفق باسم التنمية. يرى أسعاراً ترتفع، وفرصاً محدودة، وخدمات تحتاج إلى تحسين، فيما تظل الأسئلة عن بعض العقود والصفقات والمنافع بلا إجابات واضحة.
وفي هذا السياق، فإن أي تحقيق تعلنه جهة رقابية، ومن بينها التحقيقات المتعلقة بمسؤولين أو شركات عامة، يجب أن يُنظر إليه باعتباره إجراءً رقابياً لا حكماً قضائياً. فالتحقيق يفتح الباب لمعرفة الحقيقة، ولا يعني بذاته ثبوت الجريمة.لكن المطلوب أن يصل التحقيق إلى نهايته.
إن ثبتت المخالفة، فالمحاسبة يجب أن تكون واضحة.
وإن لم تثبت، فيجب إعلان ذلك بوضوح أيضاً.
الدولة الحديثة لا تحمي المسؤول بإخفاء الملفات، ولا تحمي المال العام بالصمت.
تحميهما بالوثيقة، والتدقيق، والرقابة، والقضاء.
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث في مرحلة بناء الدولة هو أن يعتقد المواطن أن الفساد أكثر ربحاً من العمل، وأن النفوذ أسرع من الكفاءة، وأن المال العام بلا صاحب.
حينها لا نخسر المال فقط؛ نخسر الثقة.
ولهذا فإن مكافحة الفساد لا ينبغي أن تكون حملة موسمية، ولا تصفية حسابات، ولا عناوين إعلامية مؤقتة.
نحتاج إلى كشف العقود الكبرى، وتدقيق مصادر الثروة، وإقرار الذمة المالية، ومنع تضارب المصالح، وتعقب حركة الأموال، وإعلان نتائج التحقيقات للرأي العام ضمن القانون.
ومن يتولى موقعاً حساساً في مؤسسة عامة يجب أن يعرف أن المنصب ليس امتيازاً شخصياً، وأن التوقيع على عقد ليس إجراءً إدارياً عابراً، وأن المال العام ليس مساحة مفتوحة لبناء الثروات الخاصة.
فالسوري الذي فقد بيته أو عمله أو مدخراته لا يستطيع أن يفهم كيف يمكن أن تتراكم الثروات حول مواقع القرار، بينما هو لا يزال يبحث عن الحد الأدنى من الأمان الاقتصادي.
هو لا يريد الانتقام من أحد. يريد العدالة.
يريد أن يعرف أين تذهب أموال الدولة.
يريد أن يرى التنمية في حياته، لا في البيانات.
ويريد مسؤولاً يخرج من منصبه كما دخله: بذمة واضحة وحساب مكشوف أمام القانون.
فالبلد الذي يريد أن يبني اقتصاداً جديداً لا يستطيع أن يسمح بأن يصبح الفساد طريقاً مختصراً إلى الثراء.
وفي النهاية، قد تُعوَّض الخسارة المالية، وقد يُسترد المال، وقد يُلغى العقد.
لكن هناك خسارة أصعب:
أن يذرف المواطن دموعه لأنه شعر أن الدولة التي حلم بها لم تكن عادلة معه.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي:
من يحمي المواطن من الكسب غير المشروع، حين يكون ثمن الفساد من جيبه هو؟






