
رياض سعد
لم تعد بعض التحركات السياسية التي تجري تحت عناوين المصالحة الوطنية، واستيعاب النازحين، ومنح الجنسية العراقية، تثير تساؤلات تتعلق بالسيادة والأمن الوطني فحسب، بل باتت تستدعي التوقف عند طبيعة المشاريع التي تقف وراءها، والأهداف التي تسعى إلى تحقيقها، ولا سيما حين تتزامن مع استقدام جماعات متشددة من خارج الحدود، وتوفير الغطاء السياسي والإداري لإسكانها في مناطق حساسة من البلاد.
إن خطورة هذه الظاهرة لا تكمن في استقبال السوريين أو منح الجنسية لمن يستحقها وفق القانون، فذلك شأن إنساني وقانوني تحكمه ضوابط الدولة ومصالحها، وإنما في احتمال استغلال هذه الملفات لأغراض سياسية وأمنية، من خلال توطين جماعات ذات ارتباطات أيديولوجية متطرفة، أو توفير بيئات حاضنة لها، أو توظيفها في إعادة تشكيل التوازنات السكانية والسياسية، بما يهدد أمن العراق واستقراره.
ولعل ما أثير بشأن منطقة البوعيثة في بغداد، وما رافق الحادثة الأمنية فيها من اتهامات وتحذيرات، يعيد إلى الواجهة أسئلة جوهرية عن طبيعة التحركات التي تجري في محيط العاصمة، وعن دور بعض القوى السياسية في استقدام أشخاص وجماعات من مناطق سورية وعراقية مختلفة، وإيوائهم في مناطق زراعية وسكنية، بعيداً عن الرقابة الأمنية والإدارية الكافية.
# البوعيثة… حين تتجاوز القضية حدود الحادثة الأمنية
لم تكن حادثة الاعتداء على القوات الأمنية في منطقة البوعيثة، في منطقة الدورة جنوبي بغداد، مجرد واقعة أمنية عابرة في نظر من أثاروا ملابساتها، بل تحولت إلى مدخل لطرح تساؤلات عن وجود تحركات منظمة، يُقال إنها استمرت سنوات، واستهدفت إيجاد بؤر سكانية ذات توجهات متشددة في محيط العاصمة.
وقد تضمنت المعلومات المتداولة اتهامات لشخصيات سياسية، من بينها خميس الخنجر ويحيى العيثاوي، بالعمل على استقطاب أعداد من الأشخاص القادمين من الأنبار وتكريت والموصل، وإسكانهم في مناطق زراعية، مع الحديث عن استقدام مئات السوريين المنتمين إلى التيار الجولاني وتوطينهم في المنطقة ذاتها.
كما أثيرت اتهامات بشأن دعم جماعات سلفية متشددة، وتوفير غطاء سياسي لتحركاتها، وإنشاء مؤسسات دينية يُخشى توظيفها في نشر خطاب تكفيري وإقصائي.
وإذا صحت هذه المعلومات، فإننا لا نكون أمام مجرد تجاوزات عقارية أو مخالفات إدارية، بل أمام قضية تتصل مباشرة بالأمن الوطني، وباحتمال استغلال النفوذ السياسي لتأسيس تجمعات بشرية يمكن توظيفها في صراعات مستقبلية، أو تحويلها إلى حواضن للتطرف والعنف.
ومع ذلك، فإن خطورة هذه الاتهامات تفرض على المؤسسات المختصة التحقيق فيها وإعلان نتائجها للرأي العام، بدلاً من تركها نهباً للشائعات أو التوظيف السياسي، فالأمن الوطني لا يُصان بالاتهامات المجردة، وإنما بالأدلة والإجراءات القانونية والمحاسبة القضائية.
# التجنيس والإيواء السياسي… من المسؤول عن حماية الهوية والسيادة؟
تزداد خطورة هذه القضية حين نضعها في سياق ما يُثار عن مساعي بعض السياسيين لاستقدام سوريين، ولا سيما المنتمين إلى تيارات دينية متشددة، وتسهيل إقامتهم في الأنبار وبغداد ومحافظات غربية أخرى، وصولاً إلى منح بعضهم الجنسية العراقية.
وهنا ينبغي التمييز بوضوح بين السوريين الذين اضطروا إلى مغادرة بلادهم هرباً من الحرب، وبين الجماعات التي تحمل مشاريع أيديولوجية متطرفة، أو ترتبط بتنظيمات مسلحة، أو تسعى إلى فرض رؤيتها بالقوة… ؛ فالأصل في التعامل مع الوافدين هو الاحتكام إلى القانون، والتحقق من الهويات والخلفيات، وعدم تحويل الاعتبارات الإنسانية إلى غطاء لتمرير أجندات سياسية أو أمنية.
أما منح الجنسية العراقية، فليس إجراءً إدارياً بسيطاً يمكن إخضاعه للمساومات السياسية أو المصالح الحزبية، بل هو قرار يمس السيادة الوطنية، ويرتب حقوقاً وواجبات، ويؤثر في مستقبل الدولة وتركيبتها الاجتماعية والسياسية… ؛ ومن ثم، فإن أي تجاوز للضوابط القانونية، أو استغلال للنفوذ في منح الجنسية لأشخاص لا يستوفون شروطها، يستوجب المساءلة والتحقيق.
إن العراق، الذي عانى عقوداً من الحروب والإرهاب والتدخلات الخارجية، ليس بحاجة إلى استيراد أزمات جديدة، ولا إلى تحويل أراضيه إلى ملاذات لجماعات تحمل صراعاتها الأيديولوجية معها، أو إلى توظيف ملف الجنسية في بناء قواعد اجتماعية تخدم مشاريع بعض الساسة المنكوسين والمشبوهين .
# من حواضن الإرهاب إلى إعادة إنتاج الأزمات
لقد كشفت التجربة العراقية أن الإرهاب لا يعتمد على السلاح وحده، بل يحتاج، في كثير من الأحيان، إلى بيئة حاضنة، وغطاء اجتماعي، وشبكات تمويل، وحماية سياسية، ومؤسسات قادرة على تسهيل حركته وتوفير الملاذ الآمن لعناصره.
ومن هنا، فإن الخطر لا يكمن في وجود أفراد متشددين فحسب، بل في احتمال نشوء تجمعات مغلقة تتبنى خطاباً إقصائياً، وتعمل على تكريس الولاءات العابرة للحدود، وتستثمر في ضعف مؤسسات الدولة أو تواطؤ بعض المسؤولين.
ولا يجوز، في هذا السياق، الخلط بين المكوّنات الاجتماعية العراقية وبين الجماعات المتطرفة التي قد تنشط داخلها أو تتخذ من مناطقها منطلقاً لتحركاتها؛ فالمسؤولية الجنائية والسياسية تقع على الأفراد والجهات التي يثبت تورطها، لا على جماعات سكانية بأكملها… .
إن تعميم الاتهام لا يخدم الأمن، بل يمنح المتطرفين فرصة جديدة لتغذية الانقسام وإعادة إنتاج خطاب الكراهية.
لكن ذلك لا يعفي الدولة من واجبها في مراقبة التحركات المشبوهة، ومراجعة ملفات التجنيس والإقامة، والتحقق من مصادر التمويل، ومنع استغلال المساجد والمؤسسات الدينية أو المناطق السكنية في بناء شبكات للتطرف والتعبئة الطائفية.
# أية أولويات وطنية لدى الساسة؟
في الوقت الذي ما زالت فيه ملفات الفساد مفتوحة، وأزمات الكهرباء والطاقة مستمرة، والبطالة تثقل كاهل الشباب، والبنى التحتية تعاني من الإهمال، والعديد من المشاريع الوطنية تنتظر التمويل والتنفيذ، يبدو أن بعض المسؤولين قد وجدوا في ملفات أخرى ما يستحق اهتمامهم وطاقاتهم السياسية.
فبدلاً من توجيه الجهود نحو استكمال المشاريع المعطلة، وتحسين الخدمات، وتوفير فرص العمل، وحماية المال العام، تبرز تحركات تثير تساؤلات عن أولويات بعض القوى السياسية، وعن طبيعة المصالح التي تدفعها إلى الانشغال باستقدام جماعات من خارج الحدود، أو تسهيل إقامتها، أو التدخل في ملفات التجنيس والإيواء.
وهنا يحق للمواطن أن يتساءل: هل انتهت مشكلات العراق الداخلية حتى أصبح بعض الساسة يتفرغون لإدارة ملفات سكانية وأمنية بالغة الحساسية؟ وهل استُنفدت جميع الأولويات الوطنية، فلم يبقَ سوى إعادة توزيع السكان، أو استقدام جماعات اجنبية وغريبة جديدة، أو توفير الغطاء السياسي لتحركات قد تترتب عليها تداعيات خطيرة؟
إن المسؤولية الوطنية تقتضي أن تكون مصلحة العراق، وأمن مواطنيه، وسيادة مؤسساته، فوق الحسابات الحزبية والطائفية والشخصية، وأن تخضع جميع الملفات، من الإقامة إلى التجنيس، لسلطة القانون وحده.
# بغداد ليست ساحة لتصفية الحسابات
إن تحويل مناطق بغداد وأطرافها إلى ساحات لتجميع جماعات ذات ولاءات أيديولوجية متشددة، إن ثبت وقوعه، يمثل تهديداً لا يمكن التعامل معه بوصفه خلافاً سياسياً عابراً، لأن العاصمة ليست ملكاً لحزب أو مكوّن أو شخصية سياسية، بل هي مركز الدولة ورمز وحدتها، وأمنها مسؤولية وطنية مشتركة.
كما أن السماح لأي جهة سياسية باستغلال نفوذها لتأسيس بؤر نفوذ موازية لمؤسسات الدولة يفتح الباب أمام تكرار تجارب مؤلمة، عانى العراقيون من نتائجها، حين تحولت بعض المناطق إلى ملاذات للجماعات المسلحة، وممرات للعمليات الإرهابية، ومراكز لتجنيد المتطرفين.
وليس من الحكمة انتظار وقوع الكارثة حتى تتحرك المؤسسات الأمنية، كما لا يجوز استخدام المخاوف الأمنية ذريعة لاستهداف الأبرياء أو التضييق على النازحين واللاجئين الذين لم يثبت تورطهم في أي جريمة… ؛ المطلوب هو دولة تميز بين الضحية والمجرم، وبين طالب الحماية وصاحب المشروع التخريبي، وتطبق القانون على الجميع دون استثناء.
# خاتمة: كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله
إن ما أثير بشأن البوعيثة، وما يُتداول عن استقدام جماعات متشددة وإيوائها في مناطق حساسة من العراق، يستدعي تحقيقاً وطنياً شفافاً يكشف حقيقة هذه التحركات، ويحدد المسؤوليات، ويضع حداً لأي استغلال سياسي لملفات الإقامة والجنسية والأمن.
فالعراق ليس بلداً بلا ذاكرة، وقد دفع أثماناً باهظة نتيجة التواطؤ السياسي مع الإرهاب، والتساهل مع الجماعات المتطرفة، وتحويل الخلافات الطائفية إلى مشاريع للقتل والتهجير والدمار.
ولذلك، فإن حماية العراق لا تكون بالشعارات، ولا بالمزايدات الطائفية، ولا بتبادل الاتهامات، بل بإعلاء سلطة القانون، ومراقبة أداء المسؤولين، وصيانة الحدود، وضبط ملفات التجنيس بل ايقاف عمليات التجنيس ، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في توفير الغطاء السياسي أو اللوجستي للجماعات الإرهابية.
وإذا كان بعض الساسة يظنون أن بإمكانهم إعادة إنتاج الأزمات القديمة بأدوات جديدة، فإن عليهم أن يدركوا أن العراقيين ليسوا مستعدين لدفع ثمن مغامرات سياسية أخرى، وأن بغداد ليست أرضاً مستباحة لمشاريع النفوذ، ولا وطناً بديلاً لتصفية صراعات الآخرين.
فكلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله، وسيبقى العراق أكبر من مشاريع المتاجرة به، وأبقى من رهانات الذين لا يرون في الوطن سوى ساحة لتوسيع نفوذهم المشبوه ومصالحهم الباطلة .



