
رياض سعد
ليست أخطر المآسي التي عرفها العراق أن يحتله الأجنبي، أو أن يفرض عليه إرادته بالقوة، وإنما أن ينجح، بعد رحيله أو تبدّل أشكال نفوذه، في إعادة ترتيب علاقة العراقي بوطنه، بحيث يصبح المجتمع غريباً عن دولته، وتتحول مؤسسات الحكم من أدوات لحماية الهوية الوطنية وصيانة المصالح العامة إلى وسائل لإعادة تشكيل المجتمع وفق مقتضيات السلطة ومصالح القوى الاجنبية او ذات الجذور الغريبة المتنفذة… ؛ فالهزيمة الحقيقية لا تقع حين يخسر الوطن معركة عسكرية فحسب، بل حين يفقد قدرته على التعبير عن ذاته، ويصبح أبناؤه مجرد رعايا في دولة لا يشعرون بأنها امتداد لتاريخهم وإرادتهم ومصالحهم.
ومن هنا تنشأ مفارقة عراقية تستحق التأمل: كيف يمكن لمجتمع يمتلك كل هذا العمق الحضاري والتاريخي أن يعاني، في مراحل متعاقبة، من اغتراب سياسي عن سلطاته، ومن اختلال في العلاقة بين هويته الوطنية ومؤسساته الحاكمة؟ وكيف أمكن لبعض النخب الهجينة والغريبة أن تستأثر بالسلطة والثروة والتمثيل السياسي والثقافي ، فيما ظل قطاع واسع من المجتمع يشعر بالتهميش والإقصاء، وكأن الدولة التي يعيش في ظلها ليست دولته؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة تقتضي تجاوز القراءات السطحية للتاريخ، والانتقال من تفتيش الأنساب إلى تشريح المصالح، ومن محاكمة الأفراد على أصولهم إلى مساءلة البنى السياسية التي أنتجت التبعية والفساد والاغتراب الوطني.
# أولاً: الأمة والدولة… جدلية الهوية والسلطة
العراق ليس مجرد كيان جغرافي نشأ بقرار دولي، ولا حدوداً رسمها موظفون أوروبيون على الخرائط بعد الحرب العالمية الأولى… ؛ إنه فضاء حضاري واجتماعي عميق، تعاقبت فيه الحضارات والإمبراطوريات، وتفاعلت على أرضه الشعوب واللغات والأديان، وتراكمت فيه ذاكرة تاريخية لا يمكن اختزالها في عمر الدولة الحديثة.
غير أن قيام المملكة الهاشمية الغريبة والهجينة عام 1921، في أعقاب انهيار الدولة العثمانية، وضع المجتمع أمام معادلة سياسية جديدة؛ إذ نشأت الدولة الحديثة في ظل النفوذ البريطاني، وتداخلت في تشكيلها الإرادة الوطنية مع الحسابات الاستعمارية والمصالح الدولية وطموحات النخب الهجينة المحلية.
ولم يكن الانتداب البريطاني مجرد وصاية إدارية، بل مثّل مرحلة من الصراع على طبيعة السلطة ومصادر شرعيتها، وعلى توزيع النفوذ والثروة، ولا سيما في ظل الأهمية الاستراتيجية للعراق وموقعه الجغرافي وثروته النفطية.
وقد جاءت ثورة العشرين لتكشف عن عمق الفجوة بين الإرادة الشعبية والمشروع الاستعماري، ولتؤكد أن المجتمع العراقي لم يكن مجرد مادة خام تتصرف بها القوى الخارجية، بل كان يمتلك وعياً سياسياً ومطالب وطنية تتجاوز الانتماءات المحلية والمذهبية.
ومع ذلك، فإن قيام الدولة الحديثة لم ينهِ التناقض بين المجتمع والسلطة، بل أعاد إنتاجه بأشكال مختلفة، وظلت العلاقة بين الهوية الوطنية ومؤسسات الحكم خاضعة لتوازنات داخلية وخارجية لم تكن دائماً منسجمة مع تطلعات العراقيين الاصلاء .
وهنا يتجلى مفهوم «الخط المنكوس والفئة الهجينة »: ليس بوصفه انقلاباً في الأنساب أو تفاضلاً بين الجماعات البشرية، بل باعتباره انقلاباً في وظيفة الدولة، حين تصبح السلطة غاية في ذاتها، ويغدو المجتمع وسيلة لخدمة الحاكم الغريب والحكومة الهجينة ، بدلاً من أن تكون المؤسسات السياسية تعبيراً عن إرادة الأمة العراقية وأداة لحماية مصالحها.
# ثانياً: الفئة الهجينة… من مفهوم الأصل إلى بنية المصالح
إن مصطلح «الفئة الهجينة»، إذا أريد له أن يؤدي وظيفة تحليلية جادة، ينبغي ألا يتحول إلى تصنيف عرقي أو سلالي، بل أن يُفهم بوصفه توصيفاً لنمط من النخب والشبكات التي تتشكل مصالحها خارج المصلحة الوطنية، وتستمد قوتها من التبعية والامتيازات والارتباطات العابرة للحدود.
فالهجنة السياسية لا تتعلق بدم الإنسان، وإنما بازدواجية ولائه، وبالتناقض بين خطابه الوطني وممارساته الفعلية… ؛ إنها حالة يصبح فيها الانتماء إلى الوطن مجرد واجهة، فيما تتحدد القرارات الحقيقية وفق حسابات الحزب أو الطائفة أو الزعيم أو الدولة الأجنبية.
نعم ؛ ابناء الفئة الهجينة ليسوا من عائلات او عشائر عراقية عريقة ؛ بل هم من أصول مهاجرة ووافدة عاشت في العراق ولم تندمج في المجتمع … ؛ وطالما أخلصت لوطنها الام او جذورها البعيدة .
وعليه، فإن أخطر ما يمكن أن تواجهه الأمة العراقية ليس تنوع أصول أبنائها، بل نشوء طبقة سياسية واجتماعية هجينة تتعامل مع الدولة باعتبارها غنيمة، ومع المجتمع باعتباره جمهوراً غريبا قابلاً للتعبئة، ومع السيادة الوطنية باعتبارها ورقة تفاوض في صفقات النفوذ.
هذه هي الفئة التي تستحق التشريح والمساءلة؛ لأنها لا تكتفي بإضعاف الدولة، بل تسعى إلى تطويع المجتمع وإعادة تشكيل وعيه بما يضمن استمرار امتيازاتها.
# ثالثاً: الأغلبية العراقية والهوية الوطنية… بين التمثيل والتهميش
لا يمكن الحديث عن الأمة العراقية دون الاعتراف بالثقل التاريخي والاجتماعي لمكوناتها التي تشكلت عبر قرون من التفاعل مع أرض الرافدين، ولا سيما الجماعات التي أسهمت في بناء مدنه ومجتمعاته وثقافته، وحافظت على استمرارية الحياة فيه رغم تعاقب الاحتلالات والحروب والتحولات السياسية.
إن الدفاع عن الهوية العراقية التاريخية لا يتناقض مع مبدأ المواطنة، كما أن الاعتراف بالثقل الاجتماعي للأغلبية لا يستلزم الانتقاص من حقوق الأقليات أو تحويل الدولة إلى ملكية حصرية لجماعة بعينها… , فالأمة الوطنية لا تُبنى بإلغاء مكوناتها، بل بالاعتراف المتبادل بتاريخها وحقوقها ومساهماتها.
لكن المشكلة تبدأ حين تُختزل الهوية الوطنية في شعارات سياسية لا تجد ترجمتها في بنية الدولة، أو حين تُستخدم التعددية غطاءً لتكريس المحاصصة وتقاسم المؤسسات بين القوى الهجينة المتنفذة، فيتحول المواطن من صاحب حق إلى تابع لزعيم أو حزب أو مرجعية سياسية.
وفي مثل هذه البيئة، لا تعود الأغلبية أو الأقلية محكومة بمعايير العدالة والمواطنة، بل بموازين القوة والقدرة على الاستحواذ على مؤسسات الدولة… , وقد تجد جماعات واسعة من المواطنين نفسها مهمشة، لا بسبب نقص في انتمائها الوطني أو مساهمتها التاريخية، بل نتيجة اختلالات في توزيع السلطة والموارد والتمثيل.
إن الأمة العراقية لا تحتاج إلى امتيازات وراثية أو احتكارات هوياتية، وإنما إلى دولة تعترف بتاريخها الاجتماعي، وتحمي حقوق مواطنيها، وتمنع تحويل التنوع إلى أداة للهيمنة أو الإقصاء.
# رابعاً: من المماليك إلى الدولة الحديثة… استمرارية النفوذ وتبدّل أدواته
شهد العراق، خلال العهد العثماني، تحولات عميقة في طبيعة الإدارة وتوزيع السلطة، وبرزت فيه نخب عسكرية وإدارية وتجارية اجنبية وغريبة ارتبط بعضها بالمركز الإمبراطوري العثماني ، فيما نشأت قوى محلية أخرى من رحم المجتمع العراقي نفسه.
وقد أفرزت مرحلة المماليك في بغداد نموذجاً من الحكم الذي اعتمد على شبكات النفوذ العسكري والسياسي، قبل أن تتغير موازين القوة مع عودة السيطرة العثمانية المباشرة، ثم دخول البريطانيين في الحرب العالمية الأولى.
وكانت هذه الصراعات نتيجة للتحولات السياسية والعسكرية , والتي اسفرت عن سيطرة ابناء الفئة الهجينة على مقاليد الامور في العراق , وتهميش واقصاء الامة والاغلبية العراقية .
وهنا تكمن أهمية المقارنة التاريخية: فالأدوات تتغير، لكن نمط إخضاع المجتمع لمصالح النخب الهجينة قد يستمر… ؛ وما كان يُمارس قديماً عبر الامتيازات العسكرية والإدارية، يمكن أن يُعاد إنتاجه حديثاً من خلال الأحزاب والمحاصصة والتمويل السياسي والارتباطات الخارجية واحتكار المؤسسات ؛ والعوائل ذات الاصول الاجنبية والشخصيات ذات الولاءات الخارجية .
إن الخط المنكوس لا يتجسد في هوية الحاكم أو أصله، بل في انقلاب العلاقة بين الحاكم والمحكوم، حين يصبح المجتمع مطالباً بخدمة السلطة، بدلاً من أن تكون السلطة مسؤولة أمام المجتمع... ؛ فقد يكون الحاكم أو المسؤول عراقيًّا أصيلًا، لكنه مشحون بأيديولوجيا حاقدة على الأغلبية والأمة العراقية، في حين قد يجمع المسؤول الهجين بين هذا الحقد وافتقاره إلى الجذور العراقية. وعليه، قلّما تجد فتنةً تُدبَّر أو شرًّا يحلّ بالعراق والعراقيين، إلا وتجد وراءه شخصًا منكوسًا أو هجينًا، سواء أكان الدافع أيديولوجيًّا أم مصلحيًّا أم كليهما معًا.
# خامساً: المؤسسة الدينية بين الوظيفة الروحية والاختراق السياسي
تحتل النجف وكربلاء والكاظمية مكانة استثنائية في التاريخ الديني والاجتماعي للعراق، وقد كانت هذه المدن، بحكم طبيعتها العلمية والدينية، مراكز جذب للعلماء والطلاب والزوار من بلدان متعددة، وأسهم هذا التواصل في تشكيل شبكات علمية وثقافية تجاوزت الحدود السياسية.
غير أن انفتاح المؤسسات الدينية على محيطها الإقليمي لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة للتدخل في الشؤون المحلية او الاستيلاء على مقدرات العراق والامة والاغلبية العراقية … ؛ فالمعيار الحقيقي هو طبيعة الدور الذي تؤديه المؤسسة الدينية ، ومدى استقلال قرارها، وخضوع مواردها وإدارتها للمحاسبة والشفافية.
وتبدأ المشكلة حين تتحول المؤسسة الدينية من فضاء للمعرفة والإرشاد الأخلاقي إلى مركز نفوذ سياسي أو اقتصادي، أو حين تُستغل الرمزية الدينية لتوفير الحماية لشبكات المصالح الخارجية ، أو تمرير أجندات منكوسة ومشبوهة تتعارض مع سيادة الدولة ومصلحة المجتمع والاغلبية والامة العراقية .
فليس ثمة ما يمنع أن يكون للفقيه أو المؤسسة الدينية امتداد علمي خارج الحدود، لكن لا يجوز أن يتحول هذا الامتداد إلى سلطة سياسية موازية للدولة، أو إلى وسيلة للتأثير في القرار الوطني خارج الأطر القانونية والمؤسساتية؛ أو ذريعة للارتباطات الخارجية المشبوهة .
إن استعادة الدور الوطني للمؤسسات الدينية لا تكون بإقصائها أو استهدافها، بل بتحريرها من التوظيف الحزبي والاستخباراتي وهيمنة الاجانب والغرباء وابناء الفئة الهجينة , وتعزيز استقلالها العلمي، وإخضاع مواردها المالية للشفافية، ومنع احتكارها من أي شبكة خارجية تسعى إلى تحويل الدين إلى رأسمال سياسي.
# سادساً: الاغتراب السياسي… لماذا ينفصل المواطن عن حكومته؟
من الظواهر اللافتة في التجربة العراقية استمرار التوتر بين المجتمع والسلطة، حتى في الفترات التي لم يكن فيها احتلال أجنبي مباشر… , وقد أسهم تعاقب الانقلابات والحروب والقمع والفساد في ترسيخ شعور عميق بالاغتراب السياسي، وجعل قطاعات من المواطنين تنظر إلى الحكومة باعتبارها كياناً منفصلاً عن الوطن.
فالوطن في الوجدان الشعبي هو الأرض والذاكرة والأهل والتاريخ، أما الحكومة فقد تكون، في بعض التجارب، رمزاً للجباية والقمع والإهمال والاستحواذ على الثروة.
ومن هنا ينبغي التمييز بين معارضة الحكومة ومعاداة الدولة؛ فليس كل من يعارض السلطة عدواً للوطن، كما أن الدفاع عن الحكومة لا يعني بالضرورة الدفاع عن الدولة… ؛ بل قد تكون معارضة السلطة، في بعض الحالات، محاولة لاستعادة معنى الدولة من أيدي الذين اختطفوا مؤسساتها وحولوها إلى أدوات لمصالحهم.
وهذا الاغتراب لا ينشأ من فراغ، وإنما يتغذى من غياب العدالة، وانعدام تكافؤ الفرص، وتفشي الفساد، وشعور المواطن بأن حقوقه تتوقف على انتمائه الحزبي أو الطائفي أو قربه من مراكز النفوذ.
ولذلك فإن معالجة أزمة الهوية الوطنية لا تبدأ من الخطابات التعبوية، بل من إعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وتحويل المواطنة من صفة قانونية جامدة إلى تجربة يومية يشعر فيها الإنسان بكرامته وحقوقه وقدرته على التأثير في مستقبل بلده.
# سابعاً: اللغة الطائفية والمناطقية… حين تتحول الشتيمة إلى أداة للهيمنة
لم تكن الألقاب المهينة التي عرفها التاريخ العراقي مجرد مفردات عابرة، بل عكست، في كثير من الأحيان، صراعات اجتماعية وسياسية على المكانة والسلطة والموارد… ؛ وقد استُخدمت مفردات من قبيل «النبط» و«الموالي» و«العصاة والخوارج والرافضة … الخ » وغيرها، في سياقات تاريخية مختلفة، لتصنيف الجماعات أو الانتقاص منها أو التشكيك في مكانتها.
وفي مراحل لاحقة، اتسع قاموس التنابز ليشمل أوصافاً طائفية ومناطقية وقومية، فأصبحت اللغة أداة لإعادة إنتاج الانقسام، وتكريس الصور النمطية، وإضعاف الروابط الوطنية.
لكن الخطأ المنهجي يكمن في التعامل مع هذه المفردات باعتبارها أدلة على صفات وراثية أو حقائق ثابتة عن جماعات بشرية… , فالشتيمة لا تثبت نسباً، والتنابز لا يصنع تاريخاً، والعداء الاجتماعي لا يتحول إلى حقيقة علمية بمجرد تكراره.
إن أخطر ما تفعله هذه اللغة هو نقل الصراع من ميدان الأفعال والمصالح إلى ميدان الهويات، بحيث يُعفى الفاسد من المسؤولية إذا انتمى إلى الجماعة التي نتعاطف معها، ويُدان البريء لمجرد انتسابه إلى الجماعة التي نخاصمها.
وهكذا تتحول العنصرية من أداة يستخدمها المتنفذون للهيمنة إلى ثقافة اجتماعية يتبناها الضحايا أنفسهم، فيصبح المجتمع شريكاً، من حيث لا يدري، في إعادة إنتاج الآليات التي أضعفته.
# ثامناً: الفئة الهجينة في العراق المعاصر… تحالف المال والسلطة والولاء الخارجي
إذا كان ثمة نموذج معاصر للفئة الهجينة، فهو التحالف الذي يجمع بين السياسي الانتهازي، ورجل الدين المسيس، ورجل الأعمال المرتبط بمراكز النفوذ، والإعلامي الذي يبيع خطابه، والمسؤول الذي يضع حزبه فوق القانون.
هذه الشبكة لا تحتاج إلى أصل عرقي غريب مشترك، ولا إلى مذهب واحد، ولا إلى قومية متجانسة؛ إذ يجمعها ما هو أقوى من ذلك كله: المصلحة والسحت الحرام .
فهي تتلون بحسب مقتضيات المرحلة، وترفع الشعارات التي تضمن لها البقاء، وتستثمر في الانقسامات الاجتماعية لتأمين نفوذها، وتتعامل مع مؤسسات الدولة باعتبارها موارد قابلة للتوزيع بين الحلفاء.
وقد ترفع هذه الشبكة شعار الوطنية في مواجهة خصومها، ثم تتغاضى عن التدخل الخارجي حين يصب في مصلحتها… ؛ وقد تتحدث عن العدالة والمساواة، ثم تمارس المحاصصة والتمييز عندما تتاح لها فرصة الاستحواذ على المناصب والموارد.
وهذا التناقض هو جوهر الهجنة السياسية: أن يتحدث المرء باسم الوطن، فيما تكون أفعاله سبباً في إضعافه؛ وأن يدافع عن السيادة في الخطاب، فيما يفرط بها في الممارسة؛ وأن يتغنى بالهوية الوطنية، فيما يعمل على تفكيك المجتمع إلى جماعات متناحرة يسهل التحكم بها.
ولذلك فإن مواجهة هذه الفئة لا تكون بتفتيش أصول أفرادها فحسب ، وإنما بكشف مصادر تمويلها، ومحاسبة شبكاتها، وضبط علاقاتها الخارجية، وتطبيق القانون على من يثبت تورطه في الفساد أو التجسس أو تقويض مؤسسات الدولة ؛ وسحب الجنسية العراقية منه .
# تاسعاً: التجنيس والهجرة… السيادة لا تعني الإقصاء
تثير قضايا الجنسية والهجرة أسئلة مشروعة تتعلق بالأمن الوطني والهوية الاجتماعية والقدرة الاستيعابية للدولة… ؛ غير أن معالجة هذه الملفات تقتضي التمييز بين حق الدولة في تنظيم الهجرة والتجنس، وبين استيلاء الجاليات والشخصيات الاجنبية والغريبة على مقدرات الوطن .
لقد جاء قانون الجنسية العراقية رقم 42 لسنة 1924 في سياق الانتقال من الدولة العثمانية إلى الدولة الحديثة، ووضع قواعد لاكتساب الجنسية استناداً إلى الإقامة والروابط القانونية والنسب، فضلاً عن حالات التجنس المشبوهة … ؛ إذ جرى تجنيس أعداد كبيرة من رعايا الدولة العثمانية، ومن ارتبط بهم من مرتزقة وسبايا وعبيد، بالتواطؤ مع سلطات الاحتلال البريطاني… ؛ ولم يقتصر الأمر على منحهم الجنسية، بل أُسندت إليهم مقاليد الحكم والسلطة في العراق، في سياقٍ اتسم بالعداء للأغلبية العراقية التي قادت ثورة العشرين وأسهمت في مقاومة الاحتلال البريطاني… ؛ ومن هنا، يرى أصحاب هذا الطرح أن أبناء الفئة الهجينة أظهروا حقدًا على العراق وأغلبيته، وأن هذا الموقف أسهم في تعقيد مسار بناء الدولة وإعاقة استقرارها وتطورها، رغم مرور عقود طويلة على تأسيسها… ؛ فحين تُبنى أسس الدولة على الإقصاء والتهميش، تظل آثار ذلك حاضرة في بنيتها السياسية والاجتماعية، وكأن ما بُني على باطل لا يمكن أن يؤسس لحقٍّ راسخ.
فالجنسية رابطة قانونية تنشئ حقوقاً وواجبات شكلية ، أما الهوية التاريخية فهي حصيلة تفاعل طويل بين الإنسان والمكان والمجتمع والذاكرة… ؛ وقد يكتسب الإنسان جنسية بلد جديد، ثم يصبح جزءاً خبيثا في جسد المجتمع السليم .
ومن هنا، فإن حماية الهوية الوطنية يقتضي إغلاق أبواب التجنس على نحو مطلق، بل لا بد من مراجعة جميع عمليات التجنيس المشبوهة التي جرت منذ عام 1920 وحتى يومنا هذا، والتحقيق في خلفياتها ودوافعها، ولا سيما ما ارتبط منها باعتبارات طائفية أو قومية أو بمخططات سياسية تستهدف المجتمع العراقي ونسيجه الوطني، وتسعى إلى إحداث تغييرات ديموغرافية لا تصب في مصلحة الأغلبية العراقية، ولا تخدم تطلعات الأمة العراقية ومصالحها الوطنية.
نعم , إن الدولة الواثقة من هويتها لا تخشى التنوع، لكنها لا تسمح بتحويله إلى منفذ لاختراق مؤسساتها أو تقويض سيادتها أو تغييب هويتها الوطنية .
# عاشراً: لا مرجعية فوق الدولة العراقية
إن استعادة العراق لقراره الوطني تقتضي ترسيخ مبدأ لا يقبل المساومة: لا سلطة سياسية فوق سلطة الدولة، ولا ولاء يتقدم على المصلحة الوطنية، ولا مؤسسة حزبية أو دينية أو اقتصادية أو عشائرية تملك حق تعطيل القانون أو مصادرة إرادة المواطنين.
فلا يجوز أن تكون السفارة الاجنبية بديلاً عن المؤسسة الوطنية، أو الحزب بديلاً عن الدولة، أو الزعيم بديلاً عن القانون، أو المرجعية السياسية والدينية العابرة للحدود مرجعاً أعلى من الدستور والمصلحة الوطنية العامة.
ولا يعني ذلك قطع العلاقات مع العالم أو الانكفاء عن المحيط الإقليمي، بل يعني إقامة علاقات متوازنة تحفظ استقلال القرار العراقي، وتمنع تحويل البلاد إلى ساحة لتصفية الحسابات أو تبادل النفوذ بين القوى الخارجية.
كما يتطلب هذا المبدأ إخضاع الأموال العامة والأوقاف والمؤسسات الدينية والاقتصادية لآليات شفافة للمراقبة والمحاسبة، لأن المال، مهما كان مصدره، لا ينبغي أن يتحول إلى سلطة فوق المجتمع أو إلى وسيلة لشراء الولاءات وإدامة النفوذ.
إن الدولة التي لا تستطيع مراقبة مواردها، أو ضبط حدود سلطاتها، أو محاسبة المتنفذين فيها، لا يمكنها أن تحمي هويتها الوطنية مهما رفعت من شعارات السيادة والاستقلال.
# خاتمة: العراق لا يحتاج إلى نقاء الأنساب، بل إلى نقاء الولاء
نحن هنا لا ندعو إلى نقاء الأنساب أو حصر مفهوم الأمة العراقية بعرقٍ معين دون سواه، ولا نروّج للدعوات العنصرية، بقدر ما نحذّر من اتباع «الخط المنكوس» ومن أبناء الفئة الهجينة الذين لم يبادلوا العراقيين مشاعر الودّ والإخاء، على الرغم من أن العراق والعراقيين قد أحسنوا ضيافتهم واستقبالهم… ؛ فلم يكتفِ بعضهم بإخفاء أصولهم وادّعاء أصول وألقاب لا تمتّ بصلةٍ إليهم، بل راحوا يشنّون الحملات تلو الحملات ضد أبناء الأغلبية والأمة العراقية، وكأن مواطنتهم الهجينة لا تكتمل إلا بالطعن في المواطن العراقي الأصيل؛ لذا تراهم دائمًا يقفون مع الأجانب والغرباء ضد العراقيين الاصلاء .
وصدق من قال: «ما حنَّ دخيلٌ إلى أصيلٍ قطّ»؛ والعجيب أن الحكومات المتعاقبة، رغم معرفتها بضراوة وحدة النعرات العنصرية بين العراقيين الاصلاء من جهة، وبعض العوائل والجماعات والشخصيات المجنّسة من ذوي الأصول الأجنبية والجذور غير العراقية من جهة أخرى، لا تزال ترحّب بالأجانب والغرباء، وتفضّلهم على العراقيين الاصلاء ، وتمنحهم الجنسية، وكأنها تتقصّد زيادة الطين بلّةً والإضرار بالأغلبية وبالمجتمع العراقي.
والتاريخ يشهد، أن أعدادًا كبيرة من أبناء الفئات المجنّسة أو ذات الأصول الأجنبية ظلّ ولاؤها للخارج، واتخذ بعضهم مواقف عدائية تجاه العراقيين الاصلاء … ؛ وها هي وسائل التواصل الاجتماعي أمامكم؛ فانظروا إلى بعض ما يُنشر فيها من مواقف تجاه العراق والعراقيين والأمة والاغلبية العراقية؛ فما من دعوةٍ تستنقص من العراق والعراقيين إلا وجدنا هجين او مجنس يروّج لها أو يدافع عنها.
إن العراق، لا يحتاج إلى تجنيس الأجانب والغرباء، بل يحتاج إلى مراجعة شاملة لملفات التجنيس، والتحقق من سلامة الإجراءات التي مُنحت بموجبها الجنسية، واتخاذ الإجراءات القانونية بحق كل من ثبت حصوله عليها بطرق غير مشروعة، مع التأكيد على أن العراق للعراقيين، كما أن إيران للإيرانيين، وأفغانستان للأفغان، والهند للهنود، وروسيا للروس، ومصر للمصريين، وتركيا للأتراك.
فلماذا يصرّ أتباع «الخط المنكوس» على جعل العراق ساحةً مفتوحةً أمام من يسيء إلى هويته الوطنية أو يحمل مشروعات تتعارض مع مصالح العراقيين؟!
فالهوية الوطنية تستمد قوتها من تاريخها العريق، ووعي مواطنيها، وعدالة مؤسساتها، واحترام القانون، وسلامة إجراءات التجنيس، وصون مصالح المجتمع والدولة.
ولذلك فإن تشريح الفئة الهجينة ينبغي أن يبدأ من تفكيك تحالفات المصالح، وكشف شبكات التبعية، ومساءلة الذين حولوا الدولة إلى غنيمة .
فالعراق ليس مزرعة نفوذ لأحد، ولا ملكاً لحزب أو طائفة أو سلالة أو زعيم… ؛ إنه وطن مواطنيه، وتاريخه أوسع من أن تحتكره جماعة، ومستقبله أثمن من أن يُترك رهينة لمصالح الفئة الهجينة التي لا ترى في الدولة سوى سلطة، ولا في الوطن سوى غنيمة.
وهنا يكمن الفارق بين الوطنية والعنصرية: الأولى تبني دولة تتسع للجميع، والثانية تهدم المجتمع بحثاً عن عدوٍّ متخيّل؛ الأولى تحاسب الإنسان لأنه خان، والثانية تتهمه لأنه وُلد من أسرة معينة؛ الأولى تحمي الأمة العراقية، والثانية تستهلكها في صراعات لا تنتهي.
إن العراق الذي نريده ليس عراق الدم الواحد، بل عراق المصير الواحد؛ عراقاً يكون فيه القانون فوق الجميع، والسيادة فوق الأحزاب، والمصلحة الوطنية فوق الولاءات، وتكون فيه الهوية العراقية الاصيلة إطاراً جامعاً لا أداة للإقصاء أو الاستحواذ… , فذلك وحده هو الطريق إلى أمة عراقية قادرة على حماية تاريخها وصناعة مستقبلها.




