أكتوبر 3, 2026
1-1

إيهاب مقبل

بعد 23 عاماً على الغزو الأمريكي للعراق، لا يزال ملف اغتيال العلماء والأطباء والأساتذة والباحثين من أكثر ملفات مرحلة ما بعد 2003 غموضاً. فخلال السنوات الأولى للاحتلال، تعرضت النخبة العلمية العراقية للقتل والخطف والتهديد، فيما غادر آلاف الأكاديميين البلاد. وتشير الأدلة المتاحة إلى أن الاستهداف لم يكن محصوراً في مدينة واحدة أو جامعة واحدة، بل امتد من الموصل شمالاً إلى البصرة جنوباً.

شهادة جنرال فرنسي: 150 كوماندوز و500 عالم
من أبرز الروايات التي ظهرت في السنوات الأولى للاحتلال شهادة جنرال فرنسي متقاعد نقلتها الجزيرة عن تقرير للقناة الفرنسية الخامسة. وبحسب ما نُقل عنه، كان نحو 150 كوماندوز إسرائيلياً داخل العراق ضمن جهود تستهدف اغتيال نحو 500 عالم عراقي. وقال الجنرال إن العلماء كانوا على «قائمة استهداف إسرائيلية»، وإنهم هم أنفسهم العلماء الذين كانت قوائم مفتشي الأمم المتحدة تتضمن أسماءهم لإجراء مقابلات معهم، مضيفاً أن الإسرائيليين ربما عملوا داخل صفوف مشاة البحرية الأمريكية.

هذه الشهادة ليست صادرة عن «شخص عادي»، بل منسوبة إلى جنرال فرنسي متقاعد تحدث عن وجود كوماندوز إسرائيليين داخل العراق واستهداف علماء عراقيين ضمن «قائمة إسرائيلية». ورغم عدم كشف اسمه أو تقديم وثائق مستقلة تؤكد تفاصيل الرواية، فإن خطورة الاتهام، وما يثيره من شبهات حول دور إسرائيلي في استهداف العقول العراقية، لا يمكن تجاهله.

307 حالة اعتداء موثقة
حتى أبريل نيسان 2006، وثقت دراسة الطبيب العراقي إسماعيل جليلي 307 حالات اعتداء على أكاديميين وأطباء، مع الإشارة إلى أن حالات أخرى لم تُسجل بسبب الخوف والفوضى الأمنية. وبلغت نسبة الرجال 95% مقابل 5% للنساء.

وبحسب توزيع الحالات حسب مدينة العمل، جاءت بغداد 57%، البصرة 14%، الموصل 11%، الأنبار 5%، تكريت 4%، الحلة 1%، ديالى 1%، كربلاء 1%، النجف أقل من 1%، وكركوك أقل من 1%، فيما لم تحدد المدينة في 6% من الحالات.

وتشير دراسة أخرى إلى أن 118 من أعضاء هيئة التدريس الطبي قتلوا، وأن نحو 30% من الأكاديميين المغتالين كانوا من العاملين في كليات الطب، التي كان عددها 12 كلية طبية آنذاك.

بغداد.. الجامعات الثلاث الأكثر تضرراً
امتد الاستهداف إلى معظم مؤسسات التعليم العالي في مناطق الصراع، من الموصل شمالاً إلى البصرة جنوباً، لكن دراسة جليلي أشارت إلى أن الجامعات الثلاث في بغداد كانت الأكثر تضرراً، في إشارة إلى جامعة بغداد والجامعة المستنصرية وجامعة النهرين. كما طالت الاعتداءات أكاديميين في جامعات الموصل والبصرة وتكريت والأنبار وديالى وبابل والكوفة والقادسية وغيرها.

وتكشف القوائم التوثيقية المتداولة عن اتساع نطاق التخصصات والمواقع الأكاديمية التي شملتها الاغتيالات. ومن بين الأسماء الواردة فيها: عبد اللطيف المياح، نافع عبود، فلاح الدليمي، صبري البياتي، هشام شريف، خالد محمد الجنابي، علي عبد الحسين كامل، محمد الراوي، أسعد سالم شريدة، عبد الجبار مصطفى، مجيد حسين علي، مروان الراوي، عماد سرسم، ومهند الدليمي.

كما تضمنت غالب الهيتي، صباح محمود، محمد الأدرملي، أمير مزهر الدايني، باسم المدرس، إيمان يونس، حازم العاني، سهاد العبادي، صادق العبيدي، عامر الملاح، ليلى سعد، محمد الطالقاني، عصام سعيد عبد الحليم، وطالب ظاهر، وهم أسماء توزعت اختصاصاتهم بين الفيزياء والفيزياء النووية والهندسة والكيمياء والطب والقانون والتاريخ والعلوم السياسية والجغرافيا والتربية واللغات.

وتعكس هذه القائمة اتساع نطاق الاستهداف من حيث التخصصات والمواقع الأكاديمية، إذ شملت أساتذة وباحثين وأطباء وعمداء كليات ورؤساء أقسام وخبراء. ولم تقتصر الاعتداءات على الاغتيال، بل شملت أيضاً التهديد والاختطاف ومحاولات الاغتيال والاعتقال. وتظهر البيانات أن بغداد كانت المدينة الأكثر تسجيلاً للحالات بين المدن التي حُددت فيها أماكن عمل الضحايا، في حين تعرضت الجامعات ومؤسسات التعليم العالي في مناطق الصراع إلى انتهاكات واعتداءات متعددة خلال السنوات الأولى التي أعقبت الغزو عام 2003.

لماذا يبرز اسم الموساد؟
الحديث عن الموساد في هذا الملف لا يبدأ مع الغزو. فقد سبق لإسرائيل أن استهدفت البرنامج النووي العراقي في أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات. ففي أبريل نيسان 1979 دُمّرت معدات نووية كانت في طريقها إلى العراق داخل ميناء فرنسي في عملية لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عنها، بينما قُتل العالم النووي المصري يحيى المشد في باريس في يونيو حزيران 1980 أثناء عمله في البرنامج النووي العراقي. وتذكر مصادر متخصصة أن مسؤولية الموساد عن اغتيال المشد كانت موضع افتراض واسع، رغم إغلاق القضية الفرنسية لعدم كفاية الأدلة.

ويجعل هذا التاريخ اسم الموساد حاضراً بقوة في النقاش حول استهداف العلماء العراقيين بعد 2003، خصوصاً مع ظهور رواية «القائمة الإسرائيلية» وشهادة الجنرال الفرنسي بشأن العلماء العراقيين. كما أن قوائم الاغتيالات اللاحقة شملت متخصصين في مجالات علمية حساسة، بينهم علماء في الفيزياء والفيزياء النووية والهندسة والطب.

نزيف العقول وتفريغ العراق من كفاءاته
بالتوازي مع عمليات القتل، تعرض العراق لنزوح واسع للكفاءات. فقد أفادت منظمة هيومن رايتس ووتش بأن نحو 40% من الطبقة المهنية العراقية غادرت البلاد منذ أبريل نيسان 2003، بينما نقلت عن جمعية المحاضرين الجامعيين مقتل 182 أستاذاً جامعياً حتى مارس آذار 2006. كما أفادت الجمعية الطبية العراقية بمقتل آلاف الأطباء واختطاف مئات آخرين، مع مغادرة نسبة كبيرة من الأطباء البلاد.

أما اليونسكو، فنقلت عن وزارة التعليم العراقية تسجيل 259 أكاديمياً اغتيلوا و72 اختُطفوا و174 احتُجزوا بين 2003 و2008، بينما أبلغت وزارة حقوق الإنسان عن مقتل 340 أستاذاً جامعياً و446 طالباً بين 2005 و2007. كما سُجلت أكثر من 31 ألف حادثة اعتداء على مؤسسات تعليمية خلال الفترة نفسها.

ملف مفتوح
بعد أكثر من عقدين، تبدو الصورة واضحة من ناحية حجم الخسارة، لكنها أكثر تعقيداً عند البحث عن الجهة المسؤولة عن كل عملية. فهناك اغتيالات نُسبت إلى جماعات مسلحة وميليشيات، إلى جانب اتهامات بعمليات منظمة استهدفت الكفاءات العلمية، وفي مقدمتها الروايات التي تحدثت عن دور إسرائيلي وقوائم للموساد.

ولا تبدو فرضية النشاط الإسرائيلي داخل العراق اليوم مجرد رواية تاريخية؛ ففي 2026 كشفت تقارير أمريكية عن مواقع عسكرية إسرائيلية سرية في الصحراء الغربية للعراق، فيما تحدث مسؤولون عراقيون عن رصد قوة إسرائيلية في المنطقة خلال مارس آذار، رغم نفي بغداد وجود قاعدة عسكرية دائمة. وقد أثارت هذه التقارير جدلاً واسعاً حول طبيعة الوجود الإسرائيلي السري داخل العراق وحدوده.

وهذا التطور يعيد فتح الأسئلة القديمة حول عمليات استهداف العلماء العراقيين بعد الغزو، فهل كان لبعض الاغتيالات صلة بعمليات استخبارية إسرائيلية منظمة؟ وهل امتد النشاط السري داخل العراق إلى ما هو أبعد من العمليات العسكرية المباشرة؟ أسئلة لا تزال بحاجة إلى وثائق وتحقيقات تكشف ما بقي طي الكتمان.

ويبقى السؤال الذي رافق العراق منذ الأيام الأولى للاحتلال، من قتل عقول العراق، ومن استفاد من خروجها أو اختفائها؟

انتهى