
رياض سعد
حوار مع روح عالقة بين الحب والموت والنسيان
لم أكن ذاهبًا إلى المقبرة لأتأمل الموت، بل كنت أقصد قبر أبي، أحمل في صدري ما تبقى من حنين إليه، وفي يدي باقة من الزهور التي أعرف أنها لن تغير شيئًا في حقيقة الغياب.
كنت أمشي بين القبور بخطوات متثاقلة، كأنني أعبر ممرًّا طويلًا يفصل عالمين؛ أحدهما يضج بالحياة، والآخر يغط في صمت أبدي، لا يقطعه سوى حفيف الريح ووقع أقدام الزائرين.
كانت المقبرة في ذلك المساء أشبه بمدينة هجرها سكانها، وتركوها للغبار والذكريات… ؛ شواهد متفاوتة الارتفاع، بعضها مائل كظهور الشيوخ، وبعضها حديث لم يجفّ ( إسمنته ) بعد، وأسماء محفورة على الرخام، وأخرى محاها الزمن، حتى غدت القبور بلا هوية، كأن الموت لا يكتفي بانتزاع الحياة، بل يواصل عمله في محو آثار أصحابها.
وبينما كنت أسير نحو قبر أبي، استوقفني قبر قديم، تكسوه طبقة من الغبار، وقد تآكلت أطراف شاهده، وانحنت فوقه أغصان يابسة لشجيرة لم تعد تعرف معنى الربيع.
اقتربت منه، ومسحت بيدي شيئًا من التراب عن الكتابة الباهتة.
كانت فتاة … ؛ اسمها : سلمى محمد علي الساعدي .
ولدت سنة 1952، ورحلت سنة 1970.
ثمانية عشر عامًا فقط!
ثمانية عشر ربيعًا لم تكتمل، وثمانية عشر خريفًا لم يمنحها الزمن فرصة لتعرف ما الذي ينتظرها خلف أبواب الحياة.
تأملت الاسم طويلًا، ثم جلست على حافة قبر مجاور، وأخذت أتساءل: من تكونين أيتها الفتاة؟ أي وجه كان يضيء عينيك؟ أي أغنية كنت تحبين سماعها؟ هل كنت تحلمين ببيت صغير، وبفستان أبيض، وبيد تمتد إليك في مساء بارد؟ وهل كنت تعرفين أن الموت كان يراقب أحلامك من نافذة لا ترينها؟
لم أكن أنتظر جوابًا… ؛ فالقبور لا تتكلم، والأموات لا يعودون، أو هكذا علمتنا الحياة.
لكن شيئًا غريبًا حدث.
هبّت نسمة باردة، وتحركت الأغصان اليابسة فوق القبر، وشعرت بأن المكان انكمش فجأة، وأن الصمت اكتسب صوتًا خافتًا، كأن أحدًا يهمس من أعماق التراب.
ثم سمعت صوتًا أنثويًّا رقيقًا:
ـ لماذا تنظر إليّ هكذا؟ هل لأنني متُّ صغيرة؟
التفتُّ مذعورًا، فلم أر أحدًا.
قلت في نفسي: لعل التعب أو الحزن أو كثرة التفكير جعلتني أتوهم الأصوات.
لكن الصوت عاد:
ـ لا تخف.. , لقد اعتدت الخوف طويلًا، حتى بعد موتي.
ابتلعت ريقي، ونظرت إلى القبر.
ـ من أنتِ؟
ـ ألا تقرأ اسمي؟
ـ أقرأه، لكنني لا أعرفك.
ـ وهذا هو حال الدنيا.. , قد تقف أمام إنسان لا تعرفه، ولا تدري أن بينكما حكاية لم تُكتب، وأن أرواحًا كثيرة تتقاطع في الحياة دون أن تتصافح أيديها.
قلت مترددًا:
ـ أأنتِ أم روحكِ تتحدث إليّ؟
ضحكت ضحكة حزينة، لم أعرف إن كانت آتية من أعماق الأرض أم من مكان بعيد في داخلي.
ـ وما الفرق؟ أليست بعض الحكايات التي تسمعها في قلبك أصدق من أصوات تسمعها بأذنيك؟
ساد الصمت قليلًا، ثم سألتها:
ـ أخبريني، كيف رحلتِ؟ ماذا حدث لكِ في ذلك العمر القصير؟
أجابت بصوت يشبه احتكاك أوراق الخريف:
ـ رحلت فجأة، كأن يدًا خفية أغلقت نافذة الحياة في وجهي.. , لم أكن مستعدة للموت.. , لم يكن في حقيبتي ما يكفي من الأحلام لأتركه خلفي، ولم أكن قد قلت كل ما أريد قوله.. , كان في قلبي كلام كثير، وفي رأسي أسئلة أكثر، وكنت أظن أن الغد ينتظرني كما ينتظر الجميع.
ـ وهل كنت مريضة؟
ـ لا أريد أن أتحدث عن جسدي.. , لقد صار ترابًا، ولم يعد يهمني إن كان الموت قد جاءني من مرض أو حادث أو علة لم أفهمها… ؛ ما يؤلمني ليس كيف مات جسدي، بل كيف بقي قلبي حيًّا، ولو في وهم الذكرى، بعدما انطفأ كل شيء...!!
تأملت كلماتها، ثم سألتها:
ـ وهل كان لك حبيب؟
طال صمتها، حتى خُيّل إليّ أن روحها ابتعدت إلى مكان لا أستطيع الوصول إليه.
ثم قالت:
ـ نعم… ؛ أحببتُ شابًّا وسيمًا، فارعَ الطول، سريعَ الخطى، طويلَ الشعر، يتبختر في مشيته كأنّه طاووس… ؛ كان يكبرني بست سنوات… ؛ وعندما أراه مقبلًا من بعيد، كان قلبي يرتجف كأنّه ( بيرقُ عراضةٍ ) أو رايةٌ خفّاقة… ؛ كان بيتهم في آخر بيوت ( الدربونة ) ، ولم يعرف أنّني أحببته… ؛ كما أنّه لم يلتفت إليّ إلا مرةً أو مرتين، وكأنّه رجلٌ كبيرٌ ينظر إلى طفلة...!!
ـ وكيف تحبين إنسانًا لا يعرف ولا يعترف بمشاعرك؟!
ـ وهل يحتاج القلب إلى إذن كي يحب؟ كنت أراه أحيانًا من بعيد، في الطريق الذي يمر قرب بيتنا، أو عند دكان صغير في نهاية الزقاق… ؛ كان يمشي دون أن يعرف أن عينيّ تتبعانه، وأن ظهوره المفاجئ كان يغيّر مزاج يومي كله.
ـ ولماذا لم تخبريه؟
ـ كنت أخاف.
ـ من ماذا؟
ـ من الناس، ومن كلامهم، ومن أن أُتهم بما لم أفعله، ومن أن أبدو فتاة لا تعرف الحياء.. , ومن العار … ؛ كنت أعيش في زمن كانت فيه بعض المشاعر تُدفن قبل أن تولد، وكانت الفتاة تتعلم كيف تخفي قلبها حتى عن نفسها… ؛ كنت أرى الحب من خلف النوافذ، وأصنع من النظرات رسائل لا يقرأها أحد.
ـ وهل كان يحبك؟
ـ لا أعرف.. , وربما لم يفكر بي أصلًا.. , وربما كنت مجرد وجه عابر في حياته، لا يختلف عن عشرات الوجوه التي مرّت أمامه.. , لكنه كان عالمي الصغير، وكنت أنا في عالمه مجرد لا شيء.
أحسست بوخزة في صدري.
كم من حب عاش عمرًا كاملًا في قلب واحد، بينما ظل صاحبه غريبًا عن الحكاية؟
وكم من إنسان لم يعلم أنه كان محبوبًا، وأن هناك قلبًا كان يرتجف لمجرد سماع اسمه؟
قلت لها:
ـ لكنك رحلتِ، وربما نسيك ذلك الشاب منذ زمن بعيد.
قالت بصوت خفيض:
ـ هذه هي المأساة.. , أنا لم أنسَه، وهو ربما لم يتذكرني يومًا.
ـ كيف تقولين إنك لم تنسيه؟ لقد ماتت الحياة التي كنتِ تعرفينها.
ـ وهل يموت كل شيء حين يموت الجسد؟ هناك أشياء لا أعرف لها تفسيرًا… ؛ ربما هي بقايا تعلق، وربما مجرد ذاكرة متخيلة صنعها شوقي إلى حياة لم أعشها… ؛ لكنني أشعر أحيانًا أنني ما زلت واقفة عند تلك النافذة، أنتظر مروره، وأتخيل أنه سيلتفت يومًا، ويرى أن فتاة كانت تحبه بصمت.
ـ لكنه لم يعد هناك… ؛ لقد مضت أكثر من خمسة عقود.
ـ أعرف.. , وربما هو الآن شيخ عجوز، وربما مات هو الآخر، وربما ترك وراءه أبناء وأحفادًا، لا يعرف أحد منهم أن امرأة مجهولة دفنت سرّ حبها معه… ؛ وربما لا يزال حيًّا، يسير في الشوارع ذاتها، ويشتري حاجاته، ويشرب الشاي في مقهى قديم، دون أن يخطر بباله أن فتاة ماتت منذ زمن كانت تتمنى لو أنها قالت له: أحبك.
ثم سكتت قليلًا، قبل أن تضيف:
ـ أتدري ما الذي يحزنني أكثر من موتي؟
ـ ماذا؟
ـ أنني لم أعرف إن كان أحد قد أحبني بالطريقة التي أحببته بها… ؛ لم أعرف إن كان هناك من خبأ صورتي، أو احتفظ برسالة مني، أو مرّ يومًا أمام بيتنا وتمنى أن يراني… , لم أعرف إن كنت قد تركت أثرًا في قلب أحد، أم أنني كنت عابرة حتى في حياة الأحياء.
نظرت إلى القبر، وشعرت أن الحجر لم يعد حجرًا، بل بابًا مغلقًا على حكاية إنسانية لا تقل وجعًا عن حكايات آلاف الأحياء.
قلت لها:
ـ لكن أهلكِ أحبّوكِ بالتأكيد… ؛ لا يمكن لفتاة أن تعيش ثمانية عشر عامًا دون أن تترك قلبًا متعلقًا بها.
ـ نعم، كانوا يحبونني… ؛ كانت أمي تمشط شعري، وتوبخني حين أتأخر، وتخاف عليّ من برد الشتاء… , وكان أبي يظن أن أمامه متسعًا من الوقت ليزوجني ويطمئن إلى مستقبلي… , وكان إخوتي يتشاجرون معي على أشياء تافهة، ثم يضحكون وينسون… ؛ لم أكن أعلم أن تلك التفاصيل الصغيرة ستصبح ذات يوم كل ما أملكه من الحياة.
ـ وهل بكوا عليكِ؟
ـ كثيرًا… ؛ سمعت بكاء أمي في الأيام الأولى، ورأيت أبي يشيح بوجهه حين يذكرني أحد… ؛ كانت غرفتي مغلقة، وملابسي مطوية، وأشيائي الصغيرة تحتفظ برائحتي… , ثم مرت الأيام، وتزوج إخوتي، وشاخت أمي، ومات أبي، وأصبحت الغرفة غرفة أخرى، وأصبحت أنا حكاية قديمة يتجنبون الحديث عنها كي لا يتجدد الألم.
ـ وهل انتهى حبهم لكِ؟
ـ لا أدري.. , ربما لم ينتهِ، لكنه تغيّر.. , وربما بقيت في قلوبهم بطريقة لا أستطيع رؤيتها… ؛ لكنني لم أعد أسمع أصواتهم، ولم أعد أعرف كيف تبدو وجوههم… , لقد صار بيني وبينهم جدار لا تستطيع حتى الذكريات اختراقه.
ثم قالت بمرارة:
ـ ما أغرب الإنسان! يظن أن الحياة ملكه، وأن من يحبهم سيبقون إلى الأبد، وأن بإمكانه تأجيل العناق، وتأجيل الاعتذار، وتأجيل قول الكلمات الجميلة، كأن الموت موظف ينتظر انتهاء أعمالنا كي يطرق الباب...!!
أطرقت رأسي.
كانت كلماتها تتسلل إلى أعماقي، وتفتح أبوابًا أغلقتها طويلًا… , تذكرت أبي، وتذكرت كل مرة أخّرت فيها زيارته، وكل حديث لم أكمله معه، وكل سؤال لم أطرحه، وكل كلمة حب ظننت أنها مفهومة دون أن أنطق بها.
سألتها:
ـ وهل تكرهين الموت؟
ـ لا أكرهه بقدر ما أكره أن يأتي قبل أن نعيش الحياة … ؛ الموت ليس دائمًا أكثر الأشياء قسوة؛ أحيانًا تكون القسوة في حياة لا تمنح الإنسان فرصة ليكون نفسه، أو في حب يخاف أن يعلن عن وجوده، أو في مجتمع يجعل من القلب متهمًا يحتاج إلى تبرير.
ـ وهل كنت سعيدة؟
ـ كنت سعيدة أحيانًا، وحزينة أحيانًا أخرى… ؛ كنت أضحك، وأغضب، وأحلم، وأحسد الفتيات اللواتي يخرجن بحرية، وأتمنى أن أكون جميلة في عيون من أحب… ؛ كنت إنسانة، لا ملاكًا ولا أسطورة… , لكنكم حين تتذكرون الموتى، تحوّلونهم إلى صور مثالية، وتنسون أنهم كانوا يحملون عيوبكم ومخاوفكم وشهواتكم وأسئلتكم نفسها.
ـ وماذا تريدين مني الآن؟
ـ لا شيء.
ـ لا شيء؟
ـ فقط أن تعرف أنني كنت هنا… ؛ أنني عشت، ولو قليلًا… , أنني لم أكن مجرد رقم بين تاريخين، ولا اسمًا مطموسًا على شاهد قبر… , كنت أملك عالمًا كاملًا في داخلي، لكنه انتهى دون أن يعرف أحد تفاصيله.
قلت لها:
ـ وهل يكفي أن أتذكرك؟
ـ ربما يكفي للحظة.. , فالذكرى لا تعيد الموتى، لكنها تمنحهم حياة قصيرة في وعي الأحياء… ؛ وحين تتأمل قبري، فإنك لا تتأملني وحدي، بل تتأمل مصيرك أيضًا.
رفعت بصري إلى السماء… ؛ كانت الشمس تميل نحو الغروب، والضوء الأخير يتسلل بين الأشجار، كأن النهار يودع العالم دون أن يعتذر عن رحيله.
ثم سألتها:
ـ هل تخافين أن تُنسي تمامًا؟
أجابت:
ـ كنت أخاف ذلك وأنا حية.. , كنت أخاف أن أحب ولا أُحَب، وأن أرحل دون أن أترك أثرًا.. , واليوم أدركت أن النسيان ليس جريمة يرتكبها الآخرون دائمًا، بل هو قانون من قوانين الوجود… ؛ حتى الذين أحبونا بصدق قد يعجزون عن حمل ذكرياتنا إلى الأبد… ؛ لا أحد يستطيع أن يحرس الموتى من الزمن.
ـ إذن ما جدوى الحياة إذا كان كل شيء سينتهي؟
ضحكت ضحكة خافتة، وقالت:
ـ وما جدوى الزهرة إذا كانت ستذبل؟ وما جدوى الأغنية إذا انتهى لحنها؟ وما جدوى الحب إذا كان الفراق ينتظره؟
إنك تسأل عن جدوى الحياة وكأن الخلود وحده يمنح الأشياء قيمتها… ؛ ربما تكمن قيمة الحياة في أنها تحدث مرة واحدة، وفي أنها تمنحنا فرصة محدودة لنشعر ونحب ونخطئ ونختار.
ثم أضافت:
ـ لكن لا تجعل هذا الكلام ذريعة لتأجيل الحياة.. , لا تنتظر الموت كي تفهمها.. , عِشها وأنت تعرف أنها مؤقتة، وقل لمن تحب إنك تحبه، واعتذر حين تخطئ، ولا تجعل الخوف من كلام الناس يحوّل عمرك إلى مقبرة مؤجلة.
شعرت بأن الهواء أصبح أثقل، وأن الكلمات التي أسمعها لم تعد تأتي من القبر وحده، بل من أعماقي، من ذلك الجزء الذي ظل طوال سنوات يؤجل الأسئلة الكبرى، ويهرب من مواجهة هشاشته.
قلت لها:
ـ ولكنك تتحدثين وكأنك ما زلت تعيشين بيننا… ؛ أتراكِ حقًّا عالقة بين عالمين؟
أجابت بعد صمت طويل:
ـ لا أعرف إن كنت روحًا عالقة، أم ذكرى اخترعها خيالك، أم صوتًا خفيًّا ينبعث من حزنك أنت… ؛ ربما لا وجود لهذا الحوار إلا في داخلك… ؛ لكن أليس الإنسان، حين يقف أمام الموت، بحاجة إلى أن يسمع صوتًا يفسر له ما لا يستطيع فهمه؟
ـ وماذا تريدين من هذا العالم الذي تركتِه؟
ـ أريد أن أعود إلى صباح واحد فقط.
ـ أي صباح؟
ـ صباحًا عاديًّا، لا يحدث فيه شيء استثنائي.. , أستيقظ فيه على صوت أمي وهي تناديني، وأغسل وجهي بالماء البارد، وأقف أمام المرآة، وأمشط شعري، وأفتح النافذة لأرى الشارع… ؛ أريد أن أسمع بائع الحلوى، وأرى الأطفال يركضون، وأنتظر مرور ذلك الشاب الوسيم الذي أحببته من بعيد، دون أن يعرف بحبّي له… ؛ لا أريد ثروة، ولا شهرة، ولا خلودًا… ؛ أريد يومًا عاديًّا آخر، يومًا لا أعرف فيه أنني سأموت.
ثم خفت صوتها، كأنها كانت تبتعد عني في ممر طويل.
ـ هل تعرف ما أقسى ما في الموت؟
ـ ماذا؟
ـ أن تفقد القدرة على ارتكاب الأخطاء الصغيرة التي كانت تجعل حياتك بشرية… ؛ أن تفقد حقك في الندم، وفي تغيير رأيك، وفي أن تفتح بابًا أغلقته، أو تعود إلى شخص أخطأت في حقه… ؛ أن تصبح حياتك كلها ماضيًا لا تستطيع تعديله، مهما بكيت عليه.
تملكتني قشعريرة… ؛ نظرت إلى شاهدة القبر، ثم قلت:
ـ لو عاد بك الزمن، هل كنت ستعترفين بحبك لذلك الشاب؟
قالت:
ـ نعم، وربما كنت سأخاف أيضًا… ؛ فالإنسان لا يتخلص بسهولة من قيوده، حتى حين يعرف أنها قيود… ؛ لكنني كنت سأحاول أن أكون أكثر شجاعة.. , ليس لأن الحب يضمن السعادة، بل لأن الصمت الطويل قد يحوّل الحياة إلى سؤال لا إجابة له.
ـ وهل كنت ستختارين حياة أخرى؟
ـ كنت سأختار أن أعيش حياتي، لا الحياة التي أرادها الآخرون لي.. , كنت سأتعلم، وأقرأ، وأضحك بصوت عالٍ، وأمشي في الطرقات دون أن أعتذر عن وجودي.. , كنت سأحب، حتى لو لم يحبني أحد، وأمنح قلبي حقه في التجربة، بدل أن أدفنه حيًّا خوفًا من نظرات الآخرين.
ثم أضافت بنبرة أكثر حزنًا:
ـ لكنني لا ألوم أحدًا الآن.. , لقد انتهى كل شيء.. , حتى الغضب يحتاج إلى حياة كي يستمر.
ساد صمت ثقيل. لم أعد أعرف ماذا أقول… ؛ كان أمامي قبر فتاة لم أعرفها قط، لكنني شعرت بأنني أعرف شيئًا من وحدتها، وأنها لا تحدثني عن حياتها وحدها، بل عن حياة كل الذين ماتوا قبل أن يقولوا ما أرادوا قوله، وقبل أن يعيشوا ما كانوا يتمنون عيشه.
نهضت ببطء، وأردت أن أغادر، فقد تذكرت أن قبر أبي لا يزال ينتظرني.
لكن صوتها استوقفني للمرة الأخيرة:
ـ إلى أين تذهب؟
ـ إلى قبر أبي.
ـ وهل كان يحبك؟
ـ نعم.
ـ وهل أخبرته أنك تحبه؟
تجمدت في مكاني.
لم أجب.
فقالت:
ـ لا تجعل من قبر أبيك المكان الوحيد الذي تستطيع فيه أن تقول له ما لم تقله في حياته.
شعرت كأن يدًا خفية انتزعت شيئًا من صدري… ؛ نظرت إلى قبرها، ثم إلى الممر الممتد بين القبور.. , كانت أسماء الموتى تتكرر أمام عيني، كأنها حروف من كتاب ضخم لم يقرأه أحد، وكأن كل شاهد قبر يخفي رواية لم تجد من يرويها.
قلت لها:
ـ وهل ستبقين هنا إلى الأبد؟
أجابت:
ـ لا أعرف… ؛ ربما لا أبقى هنا أصلًا.. , ربما لا أكون سوى أثر عابر في ذاكرة شخص مرّ مصادفة.. , لكن إن كنت قد سمعتني حقًّا، فلا تنسَ أن وراء كل قبر إنسانًا كان يملك عالمًا كاملًا، وأن الموت لا يخبرنا شيئًا عن قيمة من رحلوا، بل يكشف لنا عجزنا عن إدراك قيمة من لا يزالون معنا.
ثم سمعت حفيف الأغصان اليابسة مرة أخرى.
واختفى الصوت.
بقيت واقفًا أمام القبر، أحدق في الاسم المنقوش، محاولًا أن أستعيد ملامح فتاة لم أرها، وأن أتخيل وجهًا لم تعرفه ذاكرتي… ؛ تخيلتها في ثوب بسيط، تقف خلف نافذة خشبية، تراقب شابًّا يمر في الشارع، وتبتسم دون أن تدري أن تلك الابتسامة ستصبح يومًا ذكرى لا يملكها أحد.
تخيلت أمها وهي تناديها، وأباها وهو ينتظر عودتها، وإخوتها وهم يتشاجرون معها، وحبيبها المجهول وهو يمضي في حياته، لا يعلم أن قلبًا شابًّا كان يختاره كل يوم دون أن يخبره.
ثم فكرت في ذلك الشاب.
هل عاش عمره كله دون أن يعرف أن فتاة أحبته؟ وهل تزوج امرأة أخرى، وأنجب أطفالًا، واحتفل بأعياد ميلاده، وشاخ، ثم مات، دون أن يكتشف أن هناك قلبًا كان يتمنى لو يلمس يده مرة واحدة؟!
وهل يمكن أن يموت الحب دون أن يولد في حياة الآخرين؟
ربما كانت قصتها أكثر مأساوية من الموت نفسه؛ لأنها لم تفقد حياتها فقط، بل فقدت أيضًا فرصة أن تعرف إن كان حبها سيصبح حكاية مشتركة، أم سيظل سرًّا مدفونًا في قلب واحد.
واصلت طريقي نحو قبر أبي… ؛ كانت خطواتي أثقل من ذي قبل، وكأنني أحمل معي قبر الفتاة، ونافذتها، وحبيبها المجهول، وبكاء أمها، وأحلامها التي لم تجد فرصة لتكبر.
وصلت إلى قبر أبي، وضعت الزهور، وجلست بجواره.. , قرأت الفاتحة، ثم أطرقت طويلًا.
لكنني لم أكن أفكر في أبي وحده.
كنت أفكر في تلك الفتاة التي لم أعرفها، وفي آلاف الوجوه التي ابتلعها الزمن دون أن تترك خلفها سوى أحجار باردة وأسماء غائمة… ؛ كنت أفكر في أولئك الذين ماتوا وهم ينتظرون اعتذارًا لم يصل، أو رسالة لم تُرسل، أو اعترافًا ظل حبيس الصدر، أو لقاءً تأجل حتى صار مستحيلًا.
وتذكرت قول الإمام زين العابدين بن الحسين : (( فكأنهم ما كانوا لها أهلًا ولا سكانًا...))
كم تبدو هذه الكلمات قاسية، وكم تبدو صادقة في حضرة المقابر!
أهل البيوت الذين ملؤوا الغرف ضحكًا وحديثًا، صاروا غرباء عن بيوتهم… ؛ والذين امتلكوا الشوارع، ومشوا في الأسواق، وجلسوا في المقاهي، وأحبوا وكرهوا وتخاصموا وتصالحوا، لم يعودوا سوى أجساد صامتة تحت الأرض… , لقد رحلوا، وبقي العالم يتصرف كأن شيئًا لم يحدث.
ولكن هل نكون قد عشنا فعلًا إذا لم يتذكرنا أحد؟
وهل تكون الحياة بلا معنى لأن أسماءنا ستُمحى ذات يوم؟
ربما لا تكمن المأساة في أن ينسينا الآخرون، بل في أن نعيش أعمارنا ونحن نخشى النسيان، فننسى أن نعيش… ؛ وربما لا تكون قيمة الإنسان في عدد الذين سيبكونه بعد رحيله، بل في مقدار ما من الحب والرحمة والوعي تركه في حياة الآخرين، حتى إن لم يعرفوا كيف يصفون أثره.
نهضت أخيرًا، وألقيت نظرة أخيرة على قبر أبي، ثم التفتُّ نحو المكان الذي ترقد فيه الفتاة.
كانت المقبرة قد أظلمت، وأخذت الريح تعبث بأوراق الأشجار اليابسة… ؛ بدا لي أن القبور جميعها تنظر إليّ، وأن كل حجر يحمل سؤالًا واحدًا: ماذا فعلت بحياتك قبل أن تصبح حكاية يرويها الغبار؟
غادرت المقبرة، لكنني لم أخرج منها تمامًا.
كان شيء من الفتاة يسير معي، وشيء من أبي ينتظرني في داخلي، وشيء من الموت يرافق كل خطوة أخطوها في الحياة.
وفي الطريق، مررت أمام نافذة مضاءة في بيت قديم… ؛ كانت فتاة تقف خلف الزجاج، تتأمل الشارع، بينما كان شاب يعبر الرصيف المقابل دون أن يلتفت إليها.
توقفت لحظة.
لم أعرف لماذا شعرت بالحزن.
ربما لأنها كانت تشبه تلك الفتاة التي رحلت سنة 1970، وربما لأنني تخيلت أن الشاب لا يعرف شيئًا عن قلبها، وربما لأنني أدركت أن العالم لا يزال يعيد الحكاية نفسها، بأسماء جديدة ووجوه مختلفة، وأن المقابر لا تحتفظ بالموتى وحدهم، بل تحتفظ أيضًا بأسرار الحب الذي لم يُعترف به، وبالحياة التي لم تُعش كما ينبغي.
واصلت السير، وكان الليل يبتلع الطريق ببطء.
وفجأة، خُيّل إليّ أن صوتها يعود من بعيد، خافتًا كأن الريح تحمله من بين القبور:
ـ لا تحزن لأنني متُّ، بل احزن لأنني كنت أملك حياة كاملة، ولم أعش منها إلا القليل.. , ولا تخف من أن تنساني، فكلنا سنُنسى يومًا.. , خف فقط من أن تموت وأنت لم تقل ما في قلبك، ولم تفهم من تكون، ولم تمنح الحياة فرصة أن تعرفك حقًّا.
التفتُّ إلى الخلف.
لم يكن هناك أحد.
كانت المقبرة قد اختفت وراء الأشجار، ولم يبقَ في عيني سوى ظلام الطريق.
لكنني أدركت، للمرة الأولى، أن بعض الموتى لا يحتاجون إلى أن يعودوا من قبورهم كي يتحدثوا إلينا؛ يكفي أن نصغي جيدًا إلى صمتهم، لنسمع في أعماقه أصواتنا نحن، وهي تستغيث من حياة نؤجلها، ومن حب نكتمه، ومن زمن يمضي دون أن ينتظر أحدًا.
فما أشدّ قسوة الموت حين يأتي مبكرًا، وما أشدّ قسوة الحياة حين نعيشها وكأن أمامنا ألف عام، ثم نكتشف، متأخرين، أننا لم نكن نملك سوى لحظة واحدة، وأن تلك اللحظة كانت هي الحياة كلها.



