أكتوبر 6, 2026
LOGO

عماد ياسين الزهيري

١.ازمة كورونا . العالم الذي خرج من كورونا ليس هو العالم الذي دخلها منذ تفشي جائحة كورونا في مطلع عام 2020، دخل النظام الدولي مرحلة مختلفة لم تعد فيها القوة العسكرية وحدها هي معيار النفوذ، بل أصبحت الصحة، والطاقة، والغذاء، وسلاسل الإمداد، والعقوبات،والممرات البحرية، والطائرات المسيّرة، والصواريخ بعيدة المدى، والحرب السيبرانية والاقتصادية أدوات متداخلة في الصراع الدولي وقد كشفت تلك الجائحة انها لم تكن كورونا حرباً عسكرية، لكنها أحدثت أثراً استراتيجياً يشبه آثار الحروب الكبرى الجائحة اظهرت هشاشة نظام سلسلة الإمدادات العالمية بريا وبحريا وجويا .

٢.الحرب الروسية–الأوكرانية . جاءت في 24 شباط/فبراير 2022 لتضرب قلب النظام الأوروبي للطاقة والغذاء والأمن الحرب الروسية–الأوكرانية  كانت مدخل لعودة الحرب التقليدية الكبرى في 24 شباط 2022 بدأت روسيا عمليتها العسكرية الواسعة ضد أوكرانيا، فتحولت أوروبا إلى أكبر مسرح عسكري منذ عقود وأظهرت الحرب أن الجيوش الحديثة تحتاج إلى مزيج من المدفعية والصواريخ والطائرات المسيّرة والحرب الإلكترونية والاستخبارات والأقمار الصناعية كما كشفت الحرب أهمية الاقتصاد في الصراع إذ تحولت العقوبات الغربية على روسيا إلى سلاح استراتيجي.

٣.حرب غزة . في 7 تشرين الأول 2023 – انتقل  الصراع إلى فلسطين المحتلة وبالتحديد في غزة في صباح  7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 نجحت حماس في فتح  جبهة  ولكنها فتحت جبهة اخرى  أوسع امتدت إلى جنوب لبنان والبحر الأحمر وسوريا والعراق وبذلك لم تعد الحروب محصورة في ساحات القتال بل أصبحت حروباً متعددة المجالات تستهدف قدرة الدولة على الاستمرار اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً وتحققت نبؤة الفيلسوف الروسي ( الحرب الهجينة كل شي فيها متاح )شكّلت عملية 7 تشرين الأول 2023 نقطة تحول رئيسية في الشرق الأوسط فالحرب في غزة لم تبقَ داخل حدود القطاع، بل امتدت إلى جنوب لبنان، وسوريا، والعراق، والبحر الأحمر، وأصبحت إسرائيل وإيران والولايات المتحدة والقوى المسلحة المرتبطة بالإقليم جزءاً من منظومة صراع متشابكة.

وفي جنوب لبنان تطورت المواجهة بين إسرائيل وحزب الله إلى حرب ذات أبعاد استراتيجية، وأظهرت قدرة الصواريخ والمسيّرات على تهديد العمق الجغرافي للدول نجحت دول وحركات المقاومة على توجيه ضربة نوعية ولكنها فشلت في ادامة زخم هذا النجاح سياسيا وعسكريا

٤.حرب أذربيجان وأرمينيا – الجغرافيا تتحول إلى قوة استراتيجية في أيلول 2023 أنهت أذربيجان عملياً السيطرة الأرمينية على إقليم ناغورنو كاراباخ بعد عملية عسكرية قصيرة أهمية هذه الحرب لا تكمن فقط في نتيجتها المحلية، بل في موقع جنوب القوقاز بين روسيا وتركيا وإيران وأوروبا لقد أثبتت الأحداث أن الممرات البرية وخطوط الطاقة والنقل يمكن أن تصبح جزءاً من الصراع الجيوسياسي كما انها اثبتت قيمة التحالفات المتوازنه والمدروسة حيث  نجحت أذربيجان بجمع ضدين نوعيين وهما تركيا الاسلامية مع إسرائيل لحل عقدة عمرها اكثر من اربعون سنة وضربت تحالف ارمينيا وايران وروسيا .

٥.سقوط نظام بشار الأسد . في 8كانون الأول 2024

كان سقوط نظام بشار الأسد من أكثر الأحداث الاستراتيجية تأثيراً في المنطقة فبعد نحو 13 عاماً من الحرب السورية، انهار النظام خلال هجوم سريع بدأ في 27 تشرين الثاني 2024، ووصل إلى دمشق في 8 كانون الأول، منهياً حكم عائلة الأسد الذي استمر أكثر من خمسة عقود وكان لذلك أثر مباشر في ميزان القوى الإقليمي، خصوصاً على إيران وروسيا وحزب الله، كما أعاد رسم خطوط النفوذ بين تركيا وإسرائيل والولايات المتحدة والقوى السورية المختلفة.

٦.المواجهة الإيرانية–الإسرائيلية–الأمريكية

انتقلت المواجهة بين إيران وإسرائيل من حرب الظل إلى المواجهة المباشرة تدريجياً، بدءاً من تبادل الضربات في 2024، ثم تصاعدت لاحقاً إلى مستوى أكبر وفي عام 2026 دخلت الولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران، بالتوازي مع استخدام أدوات اقتصادية واسعة للضغط على الاقتصاد الإيراني وهنا ظهر نموذج جديد من الحرب {الضربة الجوية + الصواريخ + الطائرات المسيّرة + الحرب الإلكترونية + العقوبات + الضغط على الطاقة + السيطرة على الممرات البحرية}وتشير التطورات الراهنة إلى أن مضيق هرمز أصبح مرة أخرى محوراً مركزياً للصراع، مع انخفاض كبير في حركة الشحن وتصاعد المخاطر على أسواق الطاقة.

٧.الحوثيون والبحر الأحمر – عندما يصبح البحر ساحة حرب اقتصادية أثبتت عمليات الحوثيين ضد الملاحة في البحر الأحمر أن قوة الدولة لا تقاس فقط بحجم أسطولها فصواريخ ومسيّرات منخفضة الكلفة نسبياً يمكن أن تفرض على شركات ودول كبرى تغيير مسارات سفنها، وترفع تكاليف التأمين والنقل والطاقة وبذلك ظهر مفهوم الحصار البحري غير التقليدي أي استخدام السيطرة البحرية والتهديد العسكري والعقوبات الاقتصادية معاً لخنق الخصم وإجباره على تغيير سلوكه.

٨.العراق اثر وتأثير الاحداث العالمية والاقليمية عليه.

إن أخطر ما يواجه العراق ليس أن يكون طرفاً مباشراً في حرب إقليمية، وإنما أن يصبح ساحة لتداعياتها ويمكن تحديد التأثيرات في أربعة مستويات.

أ.سياسياً. سيزداد الضغط على العراق للموازنة بين الولايات المتحدة وإيران ودول الخليج وتركيا، مما يتطلب سياسة خارجية تقوم على المصالح العراقية لا على الاصطفافات والمحاور

ب. عسكرياً وأمنياً.يحتاج العراق إلى استيراد  ونقل تكنولوجيا تطوير منظومة الدفاع الجوي، ومكافحة المسيّرات، والاستطلاع الإلكتروني ووضع برنامج طموح لمدة ٥ سنوات واعتباره مشروعا وطنيا استراتيجيا تتفق عليه جميع الاحزاب السياسية كما انه يجب ان يعيد خططه  لحماية الحدود، وأمن المنشآت النفطية والموانئ، مع تعزيز قدرة منظومة القيادة والسيطرة.

ج. اقتصادياً. أثبتت السنوات الأخيرة أن النفط يمكن أن يكون مصدر قوة ومصدر ضعف في الوقت نفسه. ولذلك يصبح تنويع الاقتصاد العراقي ضرورة أمن قومي، وليس مجرد مشروع اقتصادي مع تنويع خيارات التصدير باتجاه تركيا وسوريا كمرحلة اولى والاردن السعودية كمرحلة ثالثة وايران كمرحلة رابعة

د. استراتيجياً . يجب أن يتحول العراق من دولة تتلقى نتائج الصراعات إلى دولة تمتلك أدوات للتأثير فيها، مستفيداً من موقعه الجغرافي، وموارده النفطية، وسوقه الداخلية، وموانئه، وطاقته البشرية مع تبني عقيدة سياسية تمتاز بالثبات والوضوح ودعمها بعقيدة عسكرية دفاعية تعرضية .

٩.الدروس المستنبطة .اظهرت تلك الجائحة والحروب قدرتها على تعطيل التجارة العالمية واضطراب  حركة النقل والطيران، وارتفعت تكاليف الشحن والطاقة والغذاء، كما اضطرت الدول الكبرى إلى ضخ تريليونات الدولارات لإنقاذ اقتصاداتها والدرس الأهم للعراق هو أن الأمن الاقتصادي أصبح جزءاً من الأمن الوطني فالدولة التي تعتمد على مصدر واحد للدخل تكون أكثر تعرضاً للصدمات الخارجية.

وهذا الدرس سيصبح أكثر أهمية لاحقاً مع الحروب التي أصابت أسواق النفط والغاز والممرات البحرية وأصبح النفط والغاز والغذاء والأسمدة أدوات ضغط سياسي ، بالنسبة للعراق حملت الحرب نتيجتين متناقضتين ارتفاع أسعار النفط وفر إيرادات إضافية للدولة، لكنه في المقابل أكد خطورة اعتماد الاقتصاد العراقي على النفط وحده.

ومن المنظور العراقي كانت الحرب الامريكية الايرانية لهذه المرحلة شديدة الحساسية لأن العراق يقع جغرافياً بين إيران وسوريا والخليج، كما توجد فيه مصالح وقوات أمريكية، الأمر الذي يجعله معرضاً لأن يتحول إلى ساحة ضغط أو رسائل متبادلة بين القوى المتصارعة.

وكانت تداعيات سقوط النظام السوري تتمثل في أن الحدود العراقية–السورية لم تعد مجرد حدود أمنية، وإنما أصبحت جزءاً من معادلة إقليمية جديدة تتعلق بالإرهاب، وطرق التجارة، والطاقة، والتهريب، وحركة القوى المسلحة.

هذا التطور مهم للعراق لأن الاقتصاد العراقي يعتمد بصورة كبيرة على تصدير النفط، وبالتالي فإن أي اضطراب طويل في الخليج أو البحر الأحمر يمكن أن يؤثر في أسعار النفط، وكلفة الاستيراد، وسلسلة الإمداد، والموازنة العامة مما يجعل امن الحدود السورية العراقية ذات اهمية عالية واستراتيجية للعراق سياسيا واقتصاديا وامنيا وعسكريا .

١٠.الخلاصة بين كورونا عام 2020 وأزمات عام 2026، انتقل العالم من مرحلة العولمة المتفائلة إلى مرحلة التنافس الجيوسياسي المفتوح و الحرب الحديثة لم تعد تبدأ بالضرورة بإعلان حرب فقد تبدأ بعقوبات، أو هجوم سيبراني، أو تعطيل ميناء، أو إغلاق مضيق، أو ضربة بمسيّرة، أو حصار اقتصادي.

ولهذا فإن الدرس العراقي الأهم هو أن الأمن الوطني في المرحلة المقبلة يجب أن يبنى على ثلاثة أعمدة مترابطة (قوة عسكرية قادرة على الردع، واقتصاد متنوع قادر على الصمود، وسياسة خارجية متوازنة تمنع تحويل العراق إلى ساحة للصراع) وإذا استمرت الاتجاهات الحالية، فإن العراق أمام فرصة تاريخية إما أن يبقى متأثراً بالأزمات المحيطة به، أو يستثمر موقعه وثروته وقدراته البشرية ليصبح دولة توازن إقليمي ورافعة اقتصادية وأمنية في الشرق الأوسط الجديد.