
Screenshot
طبول الحرب من يقرعها ومن يدفع الثمن؟
بقلم: الباحثة كنانة خلف الكردي
لم تعد طبول الحرب مجرد استعارة لوصف لحظة تسبق الانفجار في النظام الدولي المضطرب أصبحت الطبول نفسها جزءاً من الحرب تُقرع للردع وللضغط ولابتزاز الخصوم ولإعادة ترتيب الطاولة قبل أن تبدأ المعركة فالدول لا تحتاج دائماً إلى إطلاق النار كي تغير موازين القوة يكفي أحياناً أن تجعل خصمها يصدق أن الرصاصة باتت قريبة
وهنا تكمن خطورة المرحلة الراهنة
العالم يعيش تراجعاً واضحاً في فعالية قواعد الردع التقليدية بينما تبدو المؤسسات الدولية عاجزة عن إنتاج تسويات ملزمة أو ضمانات تمنع الانزلاق وفي هذا الفراغ أصبحت القوة العسكرية امتداداً للدبلوماسية وأصبح التهديد باستخدامها ورقة تفاوضية لإجبار الخصوم على تقديم تنازلات لم تستطع القنوات السياسية انتزاعها لكن لعبة حافة الهاوية تحمل خطراً لا يمكن التحكم به دائماً سوء التقدير
قد تبدأ القصة بتحرك عسكري محدود أو ضربة محسوبة أو حادث حدودي أو رسالة عبر وكيل ثم يرد الطرف الآخر برد أقوى فيأتي الرد المقابل لتتحول لعبة الرسائل إلى مواجهة حقيقية وهنا لا يعود السؤال من أراد الحرب بل من يستطيع إيقافها بعد أن تبدأ وفي موازاة التصعيد يجري فرز دولي جديد.
القوى الكبرى تعيد توزيع نفوذها والقوى المتوسطة تبحث عن مظلات أمنية جديدة والدول الصغيرة تضيق أمامها مساحة المناورة لم يعد ممكناً في كثير من الملفات الحفاظ على مسافة واحدة من المتصارعين لأن الاصطفاف لم يعد عسكرياً فقط بل اقتصادياً واستخباراتياً وتقنياً وإعلامياً
المعركة الحقيقية تتجاوز الجغرافيا إنها معركة على الطاقة والممرات البحرية وسلاسل الإمداد والبيانات والفضاء السيبراني وعلى من يمتلك القدرة على التحكم بالرواية وتحديد صورة العدو والحليف ولهذا أصبحت الحرب الحديثة تبدأ أحياناً قبل الجبهة العسكرية بوقت طويل عبر العقوبات والحرب النفسية والتضليل المعلوماتي والهجمات السيبرانية واستنزاف الاقتصاد واستخدام الوكلاء.
وهذا يقودنا إلى جوهر المشهد: الصراع ليس فقط على تدمير الخصم بل على إعادة السيطرة عليه أو دفعه إلى الانكفاء.
في هذه المعادلة يتحول الوكلاء إلى أدوات ضغط واختبار وتتحول المناطق الهشة إلى ساحات رسائل متبادلة لكن الخطر أن الوكيل قد يفتح حرباً لا يريدها صاحب القرار أو أن تتحول الرسالة المحدودة إلى واقع يصعب احتواؤه وسورية ليست خارج هذه المعادلة.
بل إن موقعها الجغرافي يجعلها واحدة من أكثر الساحات تأثراً بإعادة تشكيل النفوذ الإقليمي والدولي لذلك فإن المصلحة السورية لا تكمن في الانحياز الأعمى إلى أي محور ولا في تحويل البلاد إلى صندوق بريد للصراعات الدولية بل في بناء قرار وطني مستقل ومؤسسات أمنية قوية ودبلوماسية واقعية وشراكات متعددة تمنع احتكار القرار السوري من أي طرف خارجي المرحلة المقبلة قد لا تكون حرباً عالمية شاملة لكنها قد تكون أخطر من ذلك في بعض جوانبها حروباً متقطعة ووكلاء متعددين واقتصادات مستنزفة وجبهات مفتوحة وتسويات مؤقتة يعقبها تصعيد جديد.
لهذا فإن السؤال لم يعد: هل ستندلع الحرب؟ السؤال الأخطر هو: كم اقترب العالم من اللحظة التي يصبح فيها إيقافها أصعب من إشعالها؟
فالذين يقرعون طبول الحرب يظنون غالباً أنهم يتحكمون بإيقاعها لكن التاريخ يقول شيئاً آخر: قد تملك الدول قرار التصعيد لكنها لا تضمن دائماً مسار الانفجار ومن يفتح باب الحرب لا يعرف بالضرورة من سيخرج منه أولًا ولا بأي ثمن




