أكتوبر 19, 2026
IMG_4403-1

تصدع القلاع الاوربية والاحتجاجات الفرنسية
الباحثة كنانة خلف الكردي
لم تعد مشاهد الاضطرابات والاحتجاجات التي تشهدها فرنسا وبعض العواصم الغربية مجرد أحداث عابرة يمكن اختزالها في مطالب مالية أو اعتراضات على قرارات حكومية محددة بل أصبحت مؤشرا على تحول أعمق يمس العلاقة بين الدولة والمجتمع ويكشف عن تصدع متزايد في النموذج السياسي والاجتماعي الذي حكم الغرب لعقود طويلة
فما يحدث في الشارع الفرنسي يعكس أزمة تتجاوز حدود الموازنة العامة وأسعار الخدمات والقدرة الشرائية لتصل إلى جوهر العقد الاجتماعي الذي قامت عليه الدولة الحديثة حيث اعتاد المواطن الغربي على دولة قادرة على توفير مستوى مرتفع من الحماية الاجتماعية والخدمات العامة والاستقرار الاقتصادي مقابل التزامه بالقواعد والمؤسسات والثقة بالنظام السياسي
لكن هذا العقد يواجه اليوم اختبارا قاسيا بعدما اصطدمت الوعود الاجتماعية المتراكمة بواقع اقتصادي أكثر صعوبة يتمثل في ارتفاع الديون والعجز المالي والتضخم وتراجع القدرة على تمويل مستويات الإنفاق السابقة وفي المقابل لم يعد المواطن مستعدا لتحمل كلفة الأزمة بصمت خصوصا عندما يشعر بأن الأعباء لا توزع بصورة عادلة وأن الطبقة السياسية تعيد إنتاج الخطاب ذاته دون تقديم حلول مقنعة وهنا تكمن الخطورة الحقيقية فالاحتجاج لا يصبح خطرا على الدولة عندما يخرج الناس إلى الشوارع فقط بل عندما يفقد المواطن ثقته بأن المؤسسات قادرة على سماعه وعندما تتحول الأحزاب والبرلمانات والقنوات السياسية إلى أدوات عاجزة عن إنتاج التسويات واتساع دائرة الغضب لتشمل الطلاب والنقابات والموظفين والقطاعات الاقتصادية المختلفة يكشف عن فجوة سياسية واجتماعية آخذة في الاتساع وهي فجوة نتجت عن تراكم طويل من الضغوط الاقتصادية والتحولات الديموغرافية وأزمة الخدمات العامة وتراجع الثقة بالطبقة السياسية وصعود خطاب الهوية والخوف من المستقبل
والأخطر أن هذه الحالة لا تبقى محصورة داخل حدود دولة واحدة فالمجتمعات الأوروبية تتأثر ببعضها بسرعة كبيرة وما يبدأ في عاصمة يمكن أن يتحول إلى خطاب احتجاجي في عاصمة أخرى لأن جذور الأزمات أصبحت متشابهة وإن اختلفت تفاصيلها
وعندما تعجز السياسة عن إنتاج حلول قابلة للحياة يبدأ الأمن في احتلال مساحة أكبر من المجال السياسي وهنا تتحول الدولة تدريجيا من إدارة أسباب الاحتجاج إلى إدارة آثاره ومن معالجة جذوره إلى ضبط المجال العام وقد يكون الأمن ضروريا في مواجهة العنف والفوضى لكن تحويله إلى بديل دائم عن السياسة يحمل خطرا استراتيجيا لأنه يعالج النتيجة ولا يعالج السبب
وهكذا تبدأ الجدران الجديدة بالظهور داخل المجتمعات نفسها ليست جدرانا إسمنتية بل جدرانا من عدم الثقة والاستقطاب والخوف والقطيعة بين المواطن والمؤسسة
إن أزمة الغرب الحالية لا تعني بالضرورة انهيار النموذج الغربي ولا تعني نهاية الدولة الديمقراطية لكنها تعني أن مرحلة كاملة من الاستقرار الاجتماعي والسياسي لم تعد قابلة للاستمرار بالآليات القديمة وأن المؤسسات مطالبة بإعادة بناء شرعيتها من خلال الإصلاح وليس من خلال إدارة الغضب فقط
المستقبل لن يحسمه حجم الشرطة في الشوارع ولا عدد القيود المفروضة على المجال العام بل قدرة الدولة على استعادة الثقة وإعادة توزيع الأعباء وإصلاح المؤسسات وتجديد العقد الاجتماعي
فالقلعة التي تحمي نفسها من الخارج بينما تتآكل جدرانها من الداخل لا تسقط بسبب قوة خصومها فقط بل بسبب عجزها عن رؤية الشقوق التي بدأت تظهر في أساساتها
ومن هنا فإن ما يحدث في باريس قد يكون جزءا من مشهد أوسع عنوانه نهاية عصر الاستقرار المريح وبداية مرحلة تبحث فيها المجتمعات الغربية عن صيغة جديدة للعلاقة بين الدولة والمواطن وبين الحرية والمسؤولية وبين الاقتصاد والعدالة الاجتماعية
والسؤال الحقيقي لم يعد هل تستطيع الدولة السيطرة على الاحتجاجات بل هل تستطيع إصلاح الأسباب التي تجعل الاحتجاج يعود مرة بعد أخرى