
CjQKMlNuYXBjaGF0LzE0LjI3LjAuNTQgKGlQaG9uZTE4LDI7IGlPUyAyNy4wLjE7IGd6aXAp
حين تنكشف الأكاذيب أمام مرآة الواقع
الباحثة كنانة خلف الكردي
ليس أخطر على الدولة من إعلام يصفق لأخطائها وليس أشد ضررا على الحقيقة من خطاب يزين الإخفاق حتى يبدو إنجازا فحين يتحول الإعلام من سلطة رقابية تكشف الخلل إلى منصة لتجميل المشهد يصبح جزءا من المشكلة لا أداة لمعالجتها وحين يصدق صانع القرار الرواية التي ينسجها إعلامه أكثر مما يصدق أنين الشارع فإنه لا يحمي الدولة بل يعزلها عن واقعها
في السياسة لا تصنع البلاغة إنجازا ولا تمنح العناوين البراقة المواطن رغيفا ولا تخفض الأسعار ولا تعيد الثقة إلى مؤسسة فقدت قدرتها على الاستجابة فالمواطن الذي يواجه أعباء المعيشة يوميا لا يحتاج إلى من يقنعه بأن الأمور تسير على ما يرام بل يريد أن يرى أثرا ملموسا للوعود في حياته وأن يعرف لماذا تتعثر القرارات وأين تكمن المسؤولية ومتى تبدأ المعالجة
هنا تظهر الفجوة بين إعلام يعيش في أبراج الخطاب وواقع يعيش فيه الناس تحت ضغط الأزمات فكلما اتسعت المسافة بين التصريحات والنتائج تراجعت المصداقية وتحول المبالغون في وصف الإنجازات إلى مادة للسخرية وأصبح الجمهور أكثر استعدادا لتصديق الشائعة من تصديقه رواية رسمية فقدت رصيدها من الصدق
لكن الخطر لا يقف عند حدود الجمهور فالإعلام الذي يحجب الإخفاقات عن المسؤولين يساهم في تضليلهم أيضا وحين تخشى المؤسسات عرض الحقائق وتفضل التقارير المريحة على الوقائع الصعبة تتخذ القرارات على أساس صورة مشوهة وتضيع فرص التدخل المبكر وتتحول الأخطاء الصغيرة إلى أزمات متراكمة يدفع المجتمع ثمنها
وفي سورية لا يمكن بناء دولة جديدة بعقلية تبرير كل إخفاق أو اعتبار كل نقد استهدافا فالمرحلة التي تمر بها البلاد تحتاج إلى إعلام وطني مسؤول يقف مع استقرار الدولة ووحدة المجتمع لكنه لا يمنح أحدا حصانة من المساءلة ولا يحول الولاء إلى صمت ولا يجعل الدفاع عن المؤسسات مرادفا للدفاع عن أخطائها
إن دعم الدولة لا يعني إخفاء الخلل بل يعني كشفه قبل أن يتفاقم وإن مساندة القيادة لا تكون بتقديم صورة مثالية عن الأداء وإنما بوضع الحقائق أمامها حتى تستطيع التصحيح فالدولة القوية هي التي تسمح للمعلومة الصادقة بالوصول إلى مركز القرار وتمنح الصحفي مساحة مهنية للتحقق وتسأل المسؤول عن النتائج لا عن قدرته على صناعة التبريرات
والمطلوب اليوم ليس إعلاما معارضا للدولة ولا إعلاما تابعا للأشخاص بل إعلاما مهنيا يميز بين النقد والتشويه وبين المعلومة والشائعة وبين الخطأ الفردي ومسؤولية المؤسسة إعلاما يراقب أداء الوزارات والخدمات والأسواق ويقارن الوعود بالإنجازات ويمنح المواطن حق المعرفة من دون تهويل أو تضليل
فالمصداقية ليست زينة أخلاقية يمكن الاستغناء عنها عند الأزمات بل هي رصيد استراتيجي يحمي المجتمع من الشائعات ويحمي المؤسسات من العمى ويمنح القرارات فرصة لاكتساب الشرعية والثقة
وفي ميزان المستقبل لن يكون السؤال كم مرة امتدح الإعلام أداء الدولة بل كم خللا كشف وكم حقيقة نقل وكم قرارا ساعد على تصحيحه فحين يغرد الإعلام خارج سرب الواقع قد يربح تصفيقا عابرا لكنه يخسر الجمهور أما حين يواجه الحقيقة بشجاعة فإنه لا يضعف الدولة بل يمنحها فرصة حقيقية لتصبح أقوى من أخطائها




