
زكريا نمر
من الأفكار التي تستحق المراجعة أن الإنسان لا يستطيع أن يبني ضميرا أخلاقيا خارج الدين، وأن المجتمع الذي لا تحتل فيه العقيدة مساحة واسعة لا بد أن يعاني فراغا في القيم. هذه الفكرة لا تقول الكثير عن الدين بقدر ما تكشف عن تصور ضيق للإنسان، كأن العقل عاجز عن التمييز بين العدل والظلم ما لم يتلق تعليماته من سلطة غيبية، وكأن الضمير لا يستطيع أن ينمو من خلال التربية والتجربة والتفكير والشعور بالمسؤولية تجاه الآخرين. عندما نتحدث عن الصين، فإننا لا نتحدث عن مجتمع اكتشف الحياة بعيدا عن الدين، ولا عن شعب عاش تاريخه بلا معتقدات روحية. نحن أمام حضارة عرفت تقاليد دينية وفلسفية متعددة، من البوذية والطاوية إلى الكونفوشيوسية والمعتقدات الشعبية. لكن ما يميز التجربة الصينية هو أن الانتماء الديني المؤسسي لا يحتل الموقع نفسه الذي يحتله في مجتمعات أخرى، وأن العلاقة بين المعتقد والهوية الاجتماعية والسياسية تشكلت في سياق تاريخي مختلف.لهذا، فإن وصف الإنسان الصيني بأنه غير متدين، ثم استنتاج أن الدين لم يلعب دورا في حياته، يتجاوز ما تسمح به الوقائع. فعدم إعلان الانتماء الديني لا يعني غياب المعتقدات، كما أن ضعف حضور المؤسسات الدينية لا يمحو أثر التقاليد الروحية في الثقافة. ومع ذلك، تظل الصين مناسبة لطرح سؤال لا يحب كثيرون مواجهته: هل الدين شرط ضروري للأخلاق، أم أننا اعتدنا ربط الأمرين حتى أصبح من الصعب علينا التفكير في أحدهما مستقلا عن الآخر؟
في مجتمعات كثيرة، يجري التعامل مع التدين كما لو أنه دليل كاف على الاستقامة. يكفي أن يتحدث المرء بلغة دينية حتى يحظى أحيانا بثقة أخلاقية لا يستحقها إلا السلوك. وقد يصبح نقده موضع شك، لا لأن أعماله سليمة، بل لأن صورته العامة محاطة برموز تمنحها حصانة اجتماعية. هنا يتحول الدين، في بعض الممارسات، من علاقة روحية يفترض أن تدفع الإنسان إلى مراجعة نفسه إلى رأسمال رمزي يستطيع صاحبه توظيفه للحصول على النفوذ والثقة والمكانة.لكن ماذا يحدث عندما نختبر هذه الصورة أمام الواقع؟ نجد أن المجتمعات المتدينة ليست محصنة من الفساد، وأن الخطاب الديني لا يمنع بالضرورة الاستغلال أو التمييز أو إساءة استخدام السلطة. ولا يعني ذلك أن الدين ينتج هذه الممارسات، بل يعني أن الاعتقاد لا يلغي المصالح الشخصية، وأن الإنسان يستطيع أن يبرر سلوكه المتناقض مع قيمه بطرق مختلفة. فالمشكلة ليست دائما في نقص المواعظ، وإنما قد تكون في نظام يكافئ الانتهازية، وفي مؤسسات لا تحاسب أصحاب النفوذ، وفي ثقافة تتسامح مع الفساد ما دام مرتكبه ينتمي إلى جماعتها.وعلى الجانب الآخر، لا يحتاج الإنسان غير المتدين إلى أن يثبت أنه قادر على الأخلاق من خلال تقليد المتدين أو محاكاة خطابه. يستطيع أن يرى في معاناة الآخرين سببا كافيا لمساعدتهم، وفي المساواة مبدأ يستحق الدفاع عنه، وفي القانون وسيلة لحماية الحقوق، وفي الكرامة الإنسانية قيمة لا ينبغي أن تتوقف على العقيدة. قد يختلف الفلاسفة في مصدر الأخلاق وأساس إلزامها، لكن هذا الاختلاف لا يمنح أي طرف حق احتكارها.
لقد ناقشت الفلسفة الأخلاقية هذه المسألة منذ قرون. فهناك من ربط الأخلاق بالأمر الإلهي، وهناك من أسسها على العقل والواجب، كما فعل إيمانويل كانط، وهناك من ناقش نتائج الأفعال وعلاقتها بتحقيق المنفعة وتقليل المعاناة. لا تعني هذه النظريات أنها متساوية أو خالية من الاعتراضات، لكنها تؤكد أن التفكير في الأخلاق أوسع من اختزاله في ثنائية الإيمان والإلحاد.أما الصين، فلا ينبغي أن تتحول إلى حجة جاهزة لإثبات أن غياب الدين يصنع التقدم. فالتصنيع والتعليم والبنية التحتية والسياسات الاقتصادية وكفاءة الإدارة عوامل أكثر مباشرة في تفسير التحول الاقتصادي الصيني من مجرد الحديث عن التدين. كما أن النمو الاقتصادي لا يحسم وحده الأسئلة المتعلقة بالحرية والحقوق والمشاركة السياسية. وإذا كنا نرفض قياس صلاح المجتمع بمدى تدينه، فعلينا أيضا ألا نقيس قيمة الإنسان بما تنتجه دولته أو بما تحققه من نمو.المقارنة الجادة لا تسأل أي الشعوب أكثر إيمانا، بل كيف تنظم الشعوب حياتها، وكيف تحمي حقوق أفرادها، وكيف تتعامل مع الفساد، وما المساحة التي تتيحها للعقل النقدي. هذه أسئلة لا تجيب عنها الإحصاءات الدينية وحدها، ولا تستطيع الشعارات العقائدية أن تحل محل البحث في أسبابها.
وفي عالم العربي، تزداد أهمية هذه المسألة حين يتحول الدين إلى موضوع للصراع السياسي، وتصبح هوية الدولة أهم من طبيعة مؤسساتها. تنشغل القوى المختلفة أحيانا بتحديد المرجعية التي ينبغي أن تحكم المجتمع، بينما تظل أسئلة العدالة والمساءلة والتعليم والإنتاج وتوزيع الموارد معلقة. وكأن الاتفاق على هوية دينية للدولة يكفي لإنهاء الخلاف حول المصالح، أو كأن استبعاد الدين من المجال السياسي يضمن تلقائيا قيام دولة عادلة.الحقيقة أن المؤسسة الفاسدة تستطيع العمل تحت شعارات دينية أو علمانية، وأن السلطة غير الخاضعة للمحاسبة تستطيع تبرير تجاوزاتها باسم العقيدة أو الثورة أو الأمن القومي. لذلك لا يكفي أن نسأل عن المرجعية التي تتبناها الدولة؛ علينا أن نسأل أيضا عن القيود المفروضة على السلطة، وعن استقلال القضاء، وعن حق المواطن في الاعتراض، وعن قدرة القانون على حماية المختلفين.إن الدفاع عن حرية الاعتقاد لا يتطلب التقليل من شأن الدين، كما أن الاعتراف بإسهام الدين في حياة البشر لا يقتضي منحه احتكارا للأخلاق أو للسياسة. المطلوب هو أن نسمح للإنسان بأن يكون مسؤولا عن قناعاته وأفعاله، وألا نحول اختلافه الفكري إلى تهمة أخلاقية مسبقة.قد يكون الإنسان مؤمنا وعادلا، وقد يكون مؤمنا وظالما، وقد يكون غير متدين ونزيها، وقد يكون غير متدين وانتهازيا. هذه الاحتمالات لا تلغي أهمية المعتقد في حياة كثيرين، لكنها تضع حدا لمحاولة تفسير السلوك الإنساني بعامل واحد.
المشكلة ليست أن الإنسان الصيني يستطيع أن يعيش من دون انتماء ديني معلن؛ المشكلة أننا قد نرفض الاعتراف بأن للإنسان ضميرا لا نملك نحن مفاتيحه.فإذا كنا نريد مجتمعات أقل فسادا وأكثر عدلا، فلن يكفي أن نطالب الناس بمزيد من الإيمان، مثلما لن يكفي أن نطالبهم بالتخلي عنه. علينا أن نبني تعليما يشجع على التفكير، وقانونا لا يميز بين الناس، ومؤسسات لا تمنح الفاسد فرصة للإفلات من العقاب، وثقافة تقيس الإنسان بما يفعله لا بما يدعيه.عندها يصبح النقاش حول الدين أكثر نضجا؛ لا معركة لإثبات تفوق المؤمن على غير المؤمن، ولا محاولة لإثبات أن التقدم يبدأ بالتخلص من العقيدة، بل بحثا في السؤال الذي يسبق كل هذه المعارك: كيف نصنع مجتمعا يستطيع أفراده الاختلاف في معتقداتهم من دون أن يتحول هذا الاختلاف إلى مبرر للظلم أو الإقصاء؟.

