
رياض سعد
ليست أخطر مشكلات المجتمع العراقي أن العنف يتفجّر فيه بين حين وآخر، أو أن الدم يُراق في صراعاته السياسية والاجتماعية والدينية ، بل إن الأخطر من ذلك هو أن العنف أصبح، لدى قطاعات من أبنائه، طريقةً مألوفة في التفكير، ووصفةً جاهزة لتفسير الأزمات ومعالجة المشكلات، حتى بات بعضهم لا يرى في السيف بديلاً عن الحوار فحسب، بل يراه الحل الوحيد الذي لا حل سواه… ؛ فما إن تفتح مع أحدهم حديثاً عن أزمة اقتصادية، أو ظاهرة اجتماعية، أو فساد سياسي، أو انحراف ديني، أو مشكلة أخلاقية، حتى يرفع صوته بحماسة، ويقترح القتل والإعدام والتصفية الجسدية والتعذيب ، وكأنما لا يحتاج العراق إلى مؤسسات عادلة، ولا إلى إصلاح اقتصادي، ولا إلى تعليم رصين، ولا إلى قانون يُطبَّق على الجميع، وإنما يحتاج إلى سيوف مشرعة ورؤوس مقطوعة ومشانق منصوبة… !!
إنها ذهنية تختزل تعقيدات الحياة في ضربة سيف، وتتصوّر أن المشكلات المتراكمة عبر عقود، وربما قرون، يمكن حلّها في أيام معدودات، إذا أُطلقت يد صاحبها في رقاب الناس. وهي ذهنية لا تكتفي بتأييد العنف حين يصدر عن سلطة أو جماعة أو تنظيم، بل تمنحه، في كثير من الأحيان، غطاءً أخلاقياً، وتُلبسه ثوب العدالة، وتسوّغه باسم الدين أو الوطنية أو حماية المجتمع أو محاربة الفساد… ؛ وهكذا يصبح القتل، في مخيال بعض الناس، عملاً إصلاحياً، وتغدو القسوة دليلاً على الحزم، ويُعامَل التسامح بوصفه ضعفاً، ويُصوَّر الاحتكام إلى القانون باعتباره تهاوناً لا يليق بمن يدّعي الغيرة على الوطن والدين …!!
ولعل هذه الظاهرة تستحق وقفةً متأنية؛ لأنها لا تتعلق بمجرد انفعال عابر أو نزعة فردية إلى الغضب، بل تكشف عن بنية ذهنية وثقافية واجتماعية أعمق، وعن تاريخ طويل من تمجيد القوة، وتقديس الغلبة، وربط هيبة الدولة بقدرتها على البطش، وربط صلاح المجتمع بقدرة الحاكم أو الجماعة على إخضاع الآخرين وإسكاتهم.
/ من الحجاج إلى ثقافة قطاف الرؤوس
حين نستحضر عبارة المجرم الغريب الحجاج بن يوسف الثقفي الشهيرة، و المنقولة بصيغ متعددة، ومنها قوله: «إني لأرى رؤوساً قد أينعت وحان قطافها»، فإننا لا نستحضر جملة تاريخية فحسب، بل نستحضر نموذجاً خطابياً اجراميا منكوسا يختزل العلاقة بين السلطة والمجتمع في معادلة التهديد والإخضاع… ؛ فالرؤوس، في هذا الخطاب الدموي الارهابي ، ليست رؤوس بشر لهم حقوق وحيوات وأسر وأحلام، بل ثمار ناضجة تنتظر من يقطفها، وكأن إزهاق الأرواح فعلٌ من أفعال موسم الحصاد، لا جريمة تستوجب المساءلة...!!
وتكمن خطورة هذا التعبير في الصورة التي يصنعها للإنسان؛ إذ ينزع عنه فردانيته وكرامته، ويحوّله إلى شيء يمكن قطافه والتخلص منه.. , وحين تتحول هذه الصورة المجازية إلى طريقة في التفكير السياسي والاجتماعي والديني ، يصبح من السهل على الإنسان أن يتحدث عن خصومه كما لو كانوا أعشاباً ضارة ينبغي اقتلاعها، أو أوبئة ينبغي استئصالها، أو رؤوساً أينعت وحان قطافها.
ولا يعني ذلك أن المجتمع العراقي ورث هذه الذهنية عن الحجاج وحده، أو أن عبارة تاريخية بعينها تفسّر كل ما جرى فيه؛ فالثقافات لا تتشكل من مصدر واحد، والعنف السياسي أوسع من أن يُردّ إلى شخصية أو حقبة.. , لكن استدعاء هذا الخطاب يكشف عن أحد الأنماط المتكررة في تاريخ السلطة في العراق : تحويل البطش إلى فضيلة، والتصفية إلى ضرورة، وإخضاع الناس إلى شرط للاستقرار.
والمشكلة أن هذا المنطق المنكوس لا يبقى حكراً على الحاكم أو صاحب السلطة؛ فقد ينتقل إلى معارضيه، وإلى الجماعات التي تزعم مقاومته، وإلى أفراد المجتمع الذين يتمنون امتلاك القوة نفسها التي يشكون من استبداد أصحابها.. , وهكذا تتغير الأسماء والرايات والشعارات، بينما تبقى الفكرة الأساسية على حالها: نحن نملك الحقيقة، والآخرون يستحقون العقاب، ولا سبيل إلى الإصلاح إلا بإخضاعهم بالعنف والقوة والسيف …!!
إنها دائرة مغلقة، يتبادل أطرافها المواقع، ويحتفظون بالمنطق نفسه.
/ علي الوردي وتشريح عقلية المشنقة
ولعل من أبلغ ما يكشف هذه الذهنية ما رواه عالم الاجتماع العراقي الراحل الدكتور علي الوردي عن حادثة طريفة حدثت معه، واتخذ منها مدخلاً إلى نقد العقلية التي تتصور أن إصلاح المجتمع لا يحتاج إلا إلى شيء من البطش وكثير من المشانق.
اذ يروي الوردي أنه كان يجلس ذات مرة في سيارة إلى جانب سائقها، وما إن انبسط الحديث بينهما حتى أخذ السائق يتحمس ويؤكد أنه يعرف كيف يصلح العراق؛ فكل ما يحتاج إليه البلد، في رأيه، هو نصب بضع مشانق على رؤوس الجسور، وتعليق المجرمين والخونة والمرتشين عليها، وعندئذٍ يستريح الناس ويسود بينهم الإخاء والوئام، كما يريد الله ورسوله..!!
وما إن انتهى السائق من عرض وصفته الإصلاحية حتى صاح أحد ركاب السيارة، وقد استبد به الحماس، معترضاً على قلة المشانق، ومؤكداً أنه لو تسلّم السلطة لأصلح الأمور بطريقته الخاصة.
ويعلّق الوردي، في سخرية اجتماعية لاذعة، بأنه لو أبطأت السيارة في سيرها، ولم تبلغ وجهتها بهذه السرعة، لوجد جميع الركاب أنفسهم منخرطين في مناقشة حامية، ولأصبح كل واحد منهم مصلحاً جباراً، قادراً على إنقاذ المجتمع خلال أسبوع واحد.. , بل إنه لا يستبعد أن يشترك هو نفسه في تلك المناقشة، وربما تفوّق على الآخرين بعظمة مقترحاته أو بكثرة مشانقه..!!
إن قيمة هذه الحكاية لا تكمن في طرافتها وحدها، بل في قدرتها على كشف التناقض بين سهولة إصدار الأحكام وصعوبة فهم الواقع، وبين الرغبة في معاقبة الآخرين والاستعداد الحقيقي لإصلاح المجتمع.
فالسائق لا يقدم دراسة عن أسباب الفساد، ولا يبحث في طبيعة المؤسسات التي تسمح بانتشاره، ولا يتساءل عن أثر الفقر والجهل والمحسوبية وانعدام تكافؤ الفرص وضعف الرقابة.. , إنه يقفز مباشرة إلى النتيجة التي تمنحه شعوراً بالقدرة والسيطرة: المجرمون والفاسدون والمرتشون والخونة والمعارضون يُشنقون، والفساد ينتهي، والمشاكل تختفي , والمجتمع يصبح فاضلاً!
أما الراكب الآخر، فلا يرفض منطق المشنقة، وإنما ينافس صاحبه في امتلاك الحل السحري… , وكأن الخلاف بينهما ليس خلافاً حول جدوى العنف، بل حول من هو الأجدر باستخدامه، ومن يمتلك الوصفة الأكثر فاعلية في إخضاع الناس واعدامهم وقتلهم ..!!
وهنا تكمن المفارقة التي يؤكد عليها الوردي: قد يختلف الناس في التفاصيل، ويتنافسون في الشعارات، ويتبادلون الاتهامات، لكنهم يتفقون ضمناً على أن الإصلاح يعني العثور على شخص قوي يمنحونه سلطة العقاب، ويتركوا له مهمة التخلص من كل من يصنفهم أعداءً للمجتمع والوطن والدين والحزب والثورة … .
والمفارقة الأشد إيلاماً أن بعض هؤلاء قد يتحدثون عن العدالة والفضيلة والدين والوطن، بينما لا يلتفتون إلى أن العدالة لا تتحقق بمجرد إعدام المذنبين، وأن الفضيلة لا تُفرض بالمشانق، وأن صلاح المجتمع لا يُقاس بعدد الرؤوس المقطوعة.
/ العنف بوصفه بنية ذهنية لا مجرد سلوك
من المنظور النفسي والاجتماعي، لا تنشأ هذه النزعة بالضرورة عن حب القتل لدى كل من يتبناها؛ فقد يكون بعض أصحابها مدفوعين بالغضب الحقيقي من الفساد، أو الشعور بالعجز أمام الظلم، أو الإحباط من فشل المؤسسات، أو الرغبة في رؤية نتائج سريعة بعد سنوات من المعاناة… ؛ غير أن المشكلة تبدأ حين يتحول هذا الغضب المشروع إلى تفويض مفتوح بالعقاب، وحين تُختزل العدالة في الانتقام، وتُختزل القوة في القدرة على الإيذاء.
فالإنسان الذي يشعر بالعجز أمام واقع معقد قد يجد في الحل العنيف تعويضاً نفسياً عن افتقاره إلى القدرة الفعلية على التغيير.. , إنه لا يملك إصلاح الاقتصاد، ولا إعادة بناء مؤسسات الدولة، ولا معالجة الفقر والبطالة، ولا تفكيك شبكات الفساد؛ لكنه يستطيع، على مستوى الخيال والكلام، أن يتصور نفسه حاكماً مطلقاً يصدر الأحكام وينفذها، فيشعر للحظات بأنه استعاد السيطرة التي يفتقدها في حياته اليومية.
ومن هنا، تصبح المشنقة في مخيلته أكثر من أداة للعقاب؛ إنها رمز للقوة التي يتمنى امتلاكها، وللنظام الصارم الذي يظن أنه قادر على إنهاء الفوضى، وللعالم البسيط الذي يتخيل فيه أن كل مشكلة لها مذنب محدد، وأن كل مذنب يمكن التخلص منه، وأن التخلص منه يكفي لإنهاء المشكلة.
لكن المجتمعات لا تعمل بهذه البساطة.. , فالفساد، مثلاً، ليس مجرد مجموعة من الفاسدين يمكن استئصالهم واحداً تلو الآخر، بل قد يكون شبكة من المصالح والقواعد المختلة والثغرات القانونية والرقابة الضعيفة والحوافز التي تشجع على الانحراف.. , وإذا أُعدم فاسد وبقيت الظروف التي سمحت له بالفساد، فقد يظهر غيره، وربما كان أكثر دهاءً وقدرة على الإفلات من العقاب.
وكذلك الجريمة؛ فهي قد ترتبط بعوامل متعددة، منها التفكك الأسري، والتهميش، والحرمان، والاضطرابات الفردية، وضعف فرص التعليم والعمل، وانتشار السلاح، وانعدام الثقة بالقانون.. , ولا يعني فهم هذه العوامل تبرير الجريمة أو إعفاء مرتكبيها من المسؤولية، وإنما يعني أن مكافحة الجريمة بفاعلية تقتضي الجمع بين المحاسبة القانونية العادلة ومعالجة الأسباب التي تساعد على إنتاجها.
إن العقوبة ضرورة في أي مجتمع يريد حماية أفراده، لكن العقوبة شيء، وتحويل العقاب إلى فلسفة شاملة للحياة شيء آخر.. , والفرق كبير بين دولة تطبق القانون على أساس الأدلة والضمانات القضائية ومراعاة حقوق الانسان ، وبين جماعة تتصور أن امتلاكها القوة يمنحها حق تقرير من يعيش ومن يموت.
/ لماذا يجد العنف أرضاً خصبة في المجتمع العراقي؟
لا يمكن فهم ترسخ العنف في العراق بمعزل عن تاريخه السياسي والاجتماعي، وعن التجارب القاسية التي مر بها المجتمع، من الحروب المتعاقبة إلى الاستبداد والقمع، ومن عسكرة الحياة العامة إلى الانهيارات المؤسسية والصراعات المسلحة، مروراً بسنوات العنف الطائفي والإرهاب وما خلّفته من جراح عميقة.
لقد تعرّض العراقيون، على امتداد عقود، إلى تجارب جعلت القوة المسلحة حاضرة في تفاصيل حياتهم، وجعلت الدولة، في مراحل عديدة، مرتبطة في أذهانهم بالخوف والتهديد أكثر من ارتباطها بالخدمة العامة والحماية والعدالة والقانون … ؛ وعندما تصبح السلطة قادرة على العقاب من دون رقابة كافية، ويتراجع استقلال القضاء، وتُعامل المعارضة بوصفها خيانة، يتعلم المجتمع، بالتدريج، أن القوة هي اللغة الأكثر فاعلية في حسم الخلافات.
وفي ظل الحروب الطويلة، تتعزز قيم الطاعة والانضباط القسري، ويصبح السلاح حاضراً في المخيال الجمعي بوصفه أداة للحماية واستعادة الكرامة وفرض الإرادة.. , ثم تأتي الصراعات الداخلية لتمنح هذه التصورات حياة جديدة، حين يشعر الأفراد بأن انتماءهم إلى جماعة قوية قد يكون ضمانتهم الوحيدة في مواجهة الخطر.
غير أن هذه العوامل لا تعني أن العراقيين بطبيعتهم شعب عنيف، أو أن العنف صفة فطرية ملازمة لهويتهم.. , فمثل هذه الأحكام تعميمات مضللة تتجاهل التنوع الاجتماعي والثقافي في العراق، وتتجاهل أيضاً تاريخ العراقيين في التضامن والتكافل والاحتجاج السلمي والإبداع والعمل المدني.. , إن العنف ليس جوهراً عراقياً ثابتاً، بل ظاهرة تتغذى من ظروف تاريخية وسياسية ومؤسسية يمكن تغييرها.
كما أن المجتمعات التي تمر بتجارب عنيفة لا تستجيب لها بطريقة واحدة؛ فبعض أفرادها يرفضون العنف ويتمسكون بالتعايش، وبعضهم ينكفئون على أنفسهم، وبعضهم يتبنون خطاب الانتقام، فيما يحاول آخرون استثمار الخوف والانقسام لتحقيق مصالح سياسية أو اقتصادية.
والأهم أن العنف لا ينتج من غياب القانون وحده، بل قد ينتج أيضاً من وجود قانون انتقائي يُطبَّق على الضعفاء ويُعطَّل أمام الأقوياء، ومن مؤسسات تعجز عن حماية المواطنين أو تحرمهم من حقوقهم، ومن خطاب سياسي يجرّم الخصوم ويمنح الأنصار حصانة أخلاقية متوهمة.
وحين يفقد المواطن ثقته بأن القضاء سينصفه، وأن الدولة ستحميه، وأن الشكوى قد تقوده إلى استعادة حقه، فقد يلجأ إلى العشيرة أو الجماعة أو الحزب أو السلاح.. ؛ وهكذا تتحول القوة الخاصة إلى بديل عن العدالة العامة، وتتراجع مكانة الدولة بوصفها المرجع المشترك الذي يحتكم إليه الجميع.
/من المشانق إلى السيوف: كيف يتغذى العنف سياسياً؟
في المجال السياسي، تكتسب هذه الذهنية خطورة مضاعفة؛ لأن العنف لا يعود مجرد استجابة انفعالية، بل يصبح وسيلة للاستيلاء على السلطة أو الاحتفاظ بها أو إقصاء المنافسين.
فالسياسي الذي يعجز عن إقناع الناس ببرنامجه قد يلجأ إلى تخوين معارضيه، والذي يفشل في تقديم الخدمات قد يحاول صرف الأنظار عن فشله باختلاق عدو داخلي، والذي يخشى المساءلة قد يصور النقد بوصفه مؤامرة على الدولة أو الدين أو الجماعة.. , ومع تكرار هذا الخطاب، يتعلم الجمهور أن الخلاف السياسي ليس تنافساً مشروعاً بين رؤى ومصالح، بل معركة وجودية لا بد أن تنتهي بانتصار طرف وسحق الطرف الآخر.
وهنا تُصنع البيئة المناسبة لتبرير الاعتقال التعسفي، والاغتيال، والتهديد، والتصفية الجسدية، وتكميم الأفواه… ؛ فحين يُقنع الإنسان نفسه بأن خصمه شر مطلق، يصبح من السهل عليه أن يبرر له كل أنواع العقاب، بل قد يراها واجباً أخلاقياً أو وطنياً.
وتزداد الخطورة عندما تتبنى الأحزاب والجماعات المسلحة هذا المنطق، فتحتكر لنفسها تعريف الوطنية، وتوزع صكوك الولاء والخيانة، وتتعامل مع المجتمع بوصفه ساحة نفوذ لا فضاءً عاماً مشتركاً.. , عندئذٍ، يصبح المواطن الذي يختلف معها موضع شك، وقد يتحول من صاحب حق إلى متهم يحتاج إلى إثبات براءته.
وفي العراق، لا يمكن فصل هذه الذهنية عن تجارب الاستبداد والحروب الداخلية والإرهاب والاغتيالات والصراعات التي استهدفت مدنيين على أساس هوياتهم أو مواقفهم أو انتماءاتهم.. , فقد أثبتت التجربة أن إطلاق يد القوة خارج إطار القانون لا ينهي الصراع بالضرورة، بل قد يوسعه ويورثه لأجيال جديدة.
فالعنف السياسي لا يقتل الضحايا وحدهم؛ إنه يخلّف عائلات مثقلة بالفقد، وأطفالاً ينشؤون على الخوف، ومجتمعات تتوجس من بعضها، وذاكرة عامة تحتفظ بصور الإذلال والانتقام.. , وكلما بقيت هذه الجراح بلا عدالة أو اعتراف أو معالجة، ازدادت احتمالات استدعائها في صراعات لاحقة.
ومن هنا، فإن الدولة التي تتصور أن الاستقرار يتحقق بإسكات الناس قد تنجح في فرض الصمت مؤقتاً، لكنها لا تضمن بناء السلام.. , فالصمت الذي ينتجه الخوف ليس دليلاً على الرضا، والهدوء الذي تفرضه القوة ليس بالضرورة استقراراً راسخاً.
/ من عهد صدام إلى جرائم ما بعد 2003: تبدّل الفاعلون واستمرار المأساة
عندما نتأمل ما تعرض له العراقيون في عهد المجرم صدام ، من قمع سياسي وإعدامات وسجون وتعذيب واختفاء قسري وحملات عسكرية مدمرة، ندرك حجم الكارثة التي يمكن أن يبلغها نظام يجعل إرادة الحاكم فوق القانون، ويعامل حياة المواطنين باعتبارها تفصيلاً ثانوياً أمام متطلبات السلطة.
لقد أسهم الاستبداد في ترسيخ مناخ الخوف، وفي إضعاف المجال العام، وفي جعل الاعتراض السياسي محفوفاً بالمخاطر البالغة.. , وكانت النتيجة أن دفع العراقيون أثماناً باهظة من أرواحهم وحرياتهم وأمنهم الاجتماعي.
لكن سقوط النظام الاجرامي عام 2003 لم يؤدِّ، بحد ذاته، إلى اختفاء ثقافة العنف أو تفكيك جميع البنى التي غذّتها… ؛ فقد دخل العراق مرحلة جديدة اتسمت بانهيار مؤسسات، واتساع الفراغ الأمني، والصراع على السلطة، والتدخلات الخارجية، وتصاعد العنف الطائفي، وظهور جماعات مسلحة وتنظيمات إرهابية ارتكبت جرائم مروعة بحق المدنيين.
وفي هذا السياق، شهد العراق قطع الرؤوس والقتل على الهوية والتفجيرات والاختطاف والتعذيب والتمثيل بالجثث، كما ارتكب تنظيم القاعدة و داعش وغيرهما جرائم إبادة جماعية وجرائم واسعة النطاق، من بينها استعباد النساء والفتيات، ولا سيما من الإيزيديين وغيرهن ، وارتكاب مذابح بحق جماعات عراقية متعددة ؛ لاسيما الاغلبية العراقية الاصيلة .
وقد اشتركت أطراف مختلفة، في مراحل مختلفة وبدرجات متفاوتة، في ارتكاب انتهاكات وجرائم؛ ولذلك فإن التوثيق التاريخي والقانوني الدقيق يقتضي تسمية الفاعلين بناءً على الأدلة، والتمييز بين الجرائم المثبتة والاتهامات التي تحتاج إلى تحقيق، وعدم تحميل جماعات سكانية كاملة مسؤولية أفعال تنظيمات أو سلطات أو أفراد.
أما الربط بين الجرائم التي ارتُكبت في عهد النظام البائد والجرائم التي وقعت بعد سقوطه، فلا ينبغي أن يعني التسوية بين جميع الفاعلين أو تجاهل الفروق في طبيعة الجرائم ومسؤوليات مرتكبيها.. , وإنما تكمن أهميته في الكشف عن أن سقوط سلطة مستبدة لا يكفي وحده لبناء مجتمع يحترم الحياة الإنسانية؛ إذ لا بد من تفكيك ثقافة الإفلات من العقاب، وإعادة بناء المؤسسات، وترسيخ مبدأ خضوع الجميع للقانون.
إن بعض الذين مارسوا العنف بعد عام 2003 رفعوا شعارات دينية أو طائفية أو انتقامية، وبعضهم قدّم نفسه بوصفه حامياً لجماعته أو مدافعاً عن المظلومين.. , لكن الشعارات لا تغيّر حقيقة الجريمة، كما أن مظلومية جماعة لا تمنح أفرادها تفويضاً بارتكاب الجرائم بحق جماعة أخرى.
ولا يصح تفسير جرائم الجماعات المسلحة بأنها امتداد مباشر لشخصيات تاريخية بعينها، أو ردّها كلها إلى ميراث ثقافي واحد؛ فذلك يُغفل أثر التنظيم والتعبئة السياسية والتمويل والسلاح والفراغ الأمني والصراعات الإقليمية.. , غير أن الخطابات التي تنزع الإنسانية عن الخصوم، وتصورهم أهدافاً مشروعة للذبح أو الانتقام، تظل عاملاً مهماً في تهيئة المناخ الأخلاقي الذي يُسهّل ارتكاب الفظائع.. ؛ وهذه الخطابات المنكوسة كان موجودة في عهد النظام البائد، واستمرت بعد سقوطه.
وهنا تعود إلينا صورة الرؤوس التي أينعت وحان قطافها، لا باعتبارها تفسيراً وحيداً لما جرى، بل بوصفها مثالاً مكثفاً على اللغة التي تجعل دم الإنسان أمراً قابلاً للتبرير، متى جرى إقناع الجماعة بأن الضحية تستحق ما حلّ بها.
/البعد الأنثروبولوجي: القبيلة والجماعة وثقافة الثأر
من منظور أنثروبولوجي، لا يمكن فهم العنف في العراق من دون دراسة العلاقة بين الفرد والجماعة، وبين الانتماء والحماية، وبين الثأر والعدالة، وبين المكانة الاجتماعية والقدرة على فرض الإرادة.
ففي المجتمعات التي تتراجع فيها الثقة بالمؤسسات الرسمية، قد يكتسب الانتماء العشائري أو الطائفي أو الحزبي أهمية مضاعفة، لأن الفرد يرى فيه شبكة حماية في مواجهة الأخطار.. , وقد تتحول الإساءة إلى فرد، في بعض السياقات، إلى قضية تمس مكانة جماعته بأكملها، فيُفسَّر التنازل عن الرد على الاعتداء باعتباره ضعفاً أو عجزاً عن حماية الكرامة.
غير أن من الخطأ اختزال العشائر العراقية أو البنى التقليدية كلها في الثأر والعنف؛ فهذه البنى متنوعة، وقد أدت في سياقات مختلفة أدواراً في الوساطة والإصلاح وحل النزاعات وتقديم العون الاجتماعي.. , كما أن المجتمعات الحديثة نفسها ليست بمنأى عن الانتقام الجماعي، أو عن تحويل الانتماءات السياسية والدينية إلى أدوات للإقصاء.
المسألة، إذن، ليست في الانتماء ذاته، بل في طبيعة القواعد التي تحكمه، وفيما إذا كان الانتماء يتكامل مع المواطنة والقانون، أم يتحول إلى سلطة موازية تفرض أحكامها الخاصة على حساب الحقوق العامة.
وعندما يُنظر إلى الثأر باعتباره استعادةً للكرامة، يصبح التراجع عن الانتقام صعباً، لأن صاحبه لا يعود مطالباً بحل النزاع فحسب، بل بمواجهة ضغط اجتماعي قد يصوّر التسامح ضعفاً.. , وهكذا تنتقل الخصومة من شخص إلى آخر، ومن جيل إلى جيل، حتى يصبح من الصعب تمييز المسؤولية الفردية عن الرغبة الجماعية في الرد.
ومن هنا، تبرز أهمية إعادة تعريف الشجاعة والمكانة الاجتماعية.. , فالشجاعة ليست القدرة على قتل الخصم، ولا الكرامة مرهونة بإراقة دمه، ولا الهيبة تُقاس بعدد من يخشون صاحبها.. , وقد يكون ضبط النفس، والقدرة على منع التصعيد، والقبول بحكم قضائي عادل، أكثر صعوبة وشجاعة من الاستسلام للغضب... ؛ وقد نُسب إلى النبي محمد قولٌ يؤكّد ما ذهبنا إليه، إذ ورد ما يأتي: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ».
/ العنف الديني والأخلاقي: حين تتحول الفضيلة إلى مبرر للبطش
من أكثر صور هذه الظاهرة تعقيداً أن العنف قد يُمارَس باسم الفضيلة نفسها.. , فقد يعتقد بعض الناس أن حماية الدين تقتضي سحق المخالف، أو أن صيانة الأخلاق لا تتحقق إلا بالعقاب الوحشي، أو أن الدفاع عن المجتمع يستلزم التخلص من كل من يختلف عن تصورهم للصواب.
وفي هذه الحالة، لا يرى صاحب الخطاب العنيف نفسه معتدياً، بل يتصور أنه يؤدي واجباً أخلاقياً.. , وهذا ما يجعل الظاهرة أكثر خطورة؛ لأن الجريمة التي تُرتكب بدافع المصلحة الشخصية قد يفضحها صاحبها أو يحاول إخفاءها، أما الجريمة التي تُرتكب تحت راية الفضيلة فقد تجد من يدافع عنها ويبررها ويحوّل مرتكبها إلى بطل.
لكن الدين، بوصفه منظومة إيمانية وأخلاقية، لا يجوز اختزاله في رغبات الأفراد الانتقامية أو في تفسيرات الجماعات المسلحة.. , كما أن الأخلاق لا تُقاس بشدة العقاب ، وإنما بالعدل والرحمة وصيانة الكرامة وتحمل المسؤولية.
ولا يعني ذلك إنكار حق المجتمع في محاسبة من يرتكب الجرائم، أو تجاهل خطورة الاعتداء على الآخرين؛ بل يعني أن المحاسبة لا تصبح عادلة لمجرد أن صاحبها رفع شعاراً دينياً أو أخلاقياً.. , فالعدالة تحتاج إلى أدلة وإجراءات وضمانات، ولا يجوز أن تتحول التهمة إلى حكم، أو أن يتحول الغضب الجماعي إلى محكمة، أو أن يُمنح فرد أو تنظيم حق تقرير مصائر الناس خارج إطار القانون .
وحين تختلط الفضيلة بالقسوة، يصبح الإنسان قادراً على ممارسة أبشع الأفعال وهو مقتنع بأنه يدافع عن الخير.. , لذلك فإن مواجهة العنف لا تقتصر على نزع السلاح أو ملاحقة مرتكبي الجرائم، بل تشمل أيضاً نقد الخطابات التي تمنح القتل شرعية أخلاقية زائفة، وتكشف التناقض بين ادعاء الدفاع عن القيم وانتهاك أبسط حقوق الإنسان.
/ لماذا يتخيل كل فرد أنه المصلح الوحيد؟
تعود بنا هذه الأسئلة مرة أخرى إلى حكاية علي الوردي؛ فالسائق والراكب لا يمثلان شخصين عابرين فحسب، بل يكشفان عن ميل بشري إلى الاعتقاد بأن امتلاك السلطة سيجعل صاحبه قادراً على حل المشكلات التي عجز الآخرون عن حلها.
وهذه النزعة ليست عراقية خالصة، ولا تنحصر في فئة اجتماعية أو مستوى تعليمي بعينه.. , فقد نجدها لدى شخص بسيط، كما قد نجدها لدى متعلم أو مثقف أو سياسي أو رجل دين.. , فالتحصيل العلمي لا يمنع بالضرورة التعصب، كما أن امتلاك المعرفة في مجال معين لا يعني امتلاك القدرة على فهم جميع أبعاد المجتمع والاحاطة بمكنونات النفس البشرية .
وقد يعتقد المرء أنه يعرف أسباب الفساد لأنه يعرف بعض الفاسدين، أو أنه يفهم طبيعة المجتمع لأنه يتعامل مع دائرة محدودة من الناس، أو أنه يستطيع إصلاح الدولة لأنه يشعر بالاستياء من أداء حكومتها.. , لكنه يخلط بين تشخيص جانب من المشكلة وامتلاك حل شامل لها.
ومن هنا تنشأ الثقة المفرطة بالحلول السريعة، ويُهمَّش الخبراء وأصحاب الاختصاص، وتُعامل السياسات العامة بوصفها قرارات بسيطة يمكن اتخاذها في جلسة غضب أو نقاش عابر.
إن إصلاح الاقتصاد يتطلب فهماً للإنتاج والاستثمار والضرائب وسوق العمل والإنفاق العام، وإصلاح التعليم يحتاج إلى معرفة بالمناهج والمؤسسات وطرائق التدريس والبيئة الاجتماعية، ومكافحة الفساد تستلزم رقابة مستقلة وقضاءً فعالاً وشفافيةً في العقود والمشتريات العامة… ؛ أما معالجة التطرف والعنف فتحتاج إلى فهم أسباب التجنيد والتعبئة والاستقطاب، وإلى سياسات أمنية وقضائية واجتماعية متكاملة.
ولا يمكن للمشانق أن تحل محل هذه المعارف، كما لا يمكن للإعدامات أن تقوم مقام المؤسسات، ولا للخطابات الغاضبة أن تعوض غياب البرامج القابلة للتنفيذ والتقييم.
والمجتمع الذي يعتقد كل فرد فيه أنه يمتلك الحل المطلق قد يتحول إلى مجتمع من المصلحين المتنازعين، الذين يريد كل واحد منهم إصلاح الناس على صورته، لا إصلاح المؤسسات التي تنظّم حياتهم جميعاً.
/ ازدواجية المعايير: حين نطلب العدالة لأنفسنا والانتقام لخصومنا
ترتبط عقلية المشنقة أيضاً بازدواجية المعايير؛ إذ يميل بعض الناس إلى التشدد في محاسبة خصومهم، بينما يبحثون عن الأعذار لأنفسهم ولمن ينتمون إليهم.
فإذا ارتكب الخصم جريمة، عُدَّ فعله دليلاً على فساد جماعته كلها، أما إذا ارتكبها شخص من الجماعة نفسها، فقد يُقال إنه تصرف فردي، أو إن الظروف أجبرته، أو إن القضية أكبر من أن تُختزل في خطأ واحد.
وإذا طالب الآخرون بالتحقيق والمساءلة، اتُّهموا بالتآمر أو التشفي، أما إذا تعرّض أنصار الجماعة نفسها للظلم، ارتفعت الأصوات مطالبةً بالعدالة والإنصاف.
وهذه الازدواجية لا تقتصر على المواقف السياسية؛ بل تمتد إلى الحياة الاجتماعية والأخلاقية، حيث يضع المرء معايير صارمة للآخرين، لكنه يمنح نفسه استثناءات لا يقبلها لغيره.
وفي مثل هذه البيئة، لا تعود المشنقة رمزاً للعدالة، بل تتحول إلى أداة للانتقام الانتقائي… ؛ فالمشكلة ليست أن صاحبها يريد محاسبة المذنبين، وإنما أنه يتصور أن حق العقاب يجب أن يبقى في يده أو في يد جماعته، وأن خصومه لا يستحقون الضمانات التي يطالب بها لنفسه.
ولهذا فإن معيار العدالة الحقيقي ليس مقدار غضبنا من المتهم، بل استعدادنا لتطبيق القواعد نفسها على الجميع، بمن فيهم من نحب ونؤيد وننتمي إليهم.
فالعدالة التي تتغير بتغير هوية المتهم ليست عدالة راسخة، وإنما امتداد للصراع على القوة.. , والدولة التي لا تستطيع محاسبة الأقوياء كما تحاسب الضعفاء تفتح الباب أمام مزيد من الاستياء والانتقام، حتى لو رفعت في خطابها أسمى الشعارات.
/ كيف نكسر دائرة العنف؟
إن مواجهة هذه الظاهرة لا تبدأ بالدعوة المجردة إلى التسامح، ولا تنتهي بمطالبة الناس بخفض أصواتهم؛ لأن المسألة أعمق من مجرد أسلوب في الكلام.. , إنها تحتاج إلى إصلاح ثقافي ومؤسسي وسياسي واجتماعي يعيد الاعتبار إلى القانون، ويمنح المواطنين أسباباً حقيقية للثقة بالدولة والمجتمع.
أولاً، لا بد من ترسيخ مبدأ أن الجريمة تُواجَه بالقانون، لا بالثأر أو التعذيب أو انتهاك حقوق الانسان ، وأن المتهم لا يصبح مداناً لمجرد أن الجماعة غاضبة منه، وأن العقوبة لا تكون عادلة إلا إذا استندت إلى أدلة وإجراءات قضائية سليمة.. , فالقضاء المستقل ليس عائقاً أمام مكافحة الجريمة، بل هو الضمان الذي يحول دون تحول المكافحة نفسها إلى جريمة.
ثانياً، ينبغي إصلاح المؤسسات التي تسمح باستمرار الفساد والإفلات من العقاب.. , فلا يكفي معاقبة موظف مرتشٍ إذا ظلت منظومة الرقابة معطلة، ولا يكفي اعتقال مسؤول إذا بقيت العقود العامة غامضة، ولا يكفي إبعاد شخص من منصبه إذا ظلت شبكات المصالح قادرة على إنتاج البديل نفسه.. , إن الإصلاح الحقيقي يستهدف القواعد والآليات التي تسمح بالانحراف، إلى جانب مساءلة المسؤولين عنه.
ثالثاً، يحتاج المجتمع إلى تعليم يعزز التفكير النقدي، ويعلّم الطلاب التمييز بين الرأي والدليل، وبين الانفعال والحجة، وبين الاختلاف والعداء.. , فالمجتمع الذي يتعلم أفراده تحليل المشكلات، وفهم أسبابها المتعددة، ومناقشة الحلول وقياس نتائجها، يصبح أقل قابلية للانقياد وراء الوصفات السحرية ودعوات العنف والقتل والسحل والثأر .
رابعاً، لا بد من إعادة بناء الخطاب الديني والسياسي والثقافي على أساس احترام الإنسان، ورفض التحريض على القتل، ونقد اللغة التي تنزع الإنسانية عن الخصوم.. , فالكلمات التي تصف جماعة بأكملها بالخيانة أو النجاسة أو الاستحقاق للموت قد تمهّد، في ظروف معينة، لجرائم تتجاوز حدود الكلام.
خامساً، ينبغي معالجة الآثار الاجتماعية والنفسية للحروب والعنف، والاهتمام بالضحايا والناجين والأسر التي فقدت أبناءها، وتعزيز برامج المصالحة القائمة على الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر، لا على النسيان القسري أو التسويات التي تمنح مرتكبي الجرائم حصانة مطلقة.
سادساً، يجب توسيع المجال العام أمام المشاركة المدنية والنقاش السلمي والعمل النقابي والإعلام المستقل، حتى يجد المواطن وسائل مشروعة للتعبير عن غضبه ومطالبه.. , فحين تُغلق أبواب الشكوى والمشاركة، وتُقمع المعارضة، ويُهمَّش المجتمع، تزداد فرص استثمار الغضب من قبل القوى التي تقدم العنف بوصفه الطريق الوحيد للتغيير.
وأخيراً، ينبغي إعادة تعريف القوة نفسها.. , فالدولة القوية ليست الدولة الأكثر قدرة على قتل خصومها، بل الدولة التي تستطيع حماية مواطنيها، ومنع الاعتداء عليهم، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم، وتطبيق القانون على الجميع، من دون أن تتحول إلى خصم لشعبها.
خاتمة: العراق لا يحتاج إلى مزيد من المشانق
إن أخطر ما في عقلية المشنقة أنها توهم صاحبها بأنه يقف على الضفة الصحيحة من الأخلاق، وأن كل ما يحتاج إليه هو أن تُمنح له السلطة كي يضع الأمور في نصابها.. , لكنه لا يدرك أن المجتمع الذي يريد إصلاحه قد يتحول، تحت وطأة هذه العقلية، إلى ساحة مفتوحة للانتقام، وأن من يطالب اليوم بشنق خصومه قد يصبح غداً هدفاً لمشانق خصوم آخرين.
وهنا تتجلى المفارقة الكبرى: الجميع يريد العدالة لنفسه، لكن بعضهم لا يريدها لخصمه؛ والجميع يشتكي من الظلم حين يقع عليه، لكن بعضهم يتسامح مع الظلم حين يُمارَس ضد من يكره؛ والجميع يتمنى دولة قوية تحميه، لكن بعضهم يطالب في الوقت نفسه بإطلاق يد السلطة أو الجماعة التي يؤيدها، حتى لو كان ذلك على حساب القانون وحقوق الآخرين.
وهكذا تستمر الدائرة: مظلمة تنتج غضباً، والغضب ينتج دعوة إلى الانتقام، والانتقام يخلّف مظالم جديدة، ثم يأتي جيل آخر ليطالب بمشانق جديدة، معتقداً أنه سيضع حداً للمأساة التي ساهم منطق الانتقام نفسه في استمرارها..!!
ومن هذه الزاوية، يمكن فهم بعض أوجه المأساة العراقية، من القمع السياسي إلى جرائم التنظيمات الإرهابية والجماعات المسلحة، من دون الوقوع في التبسيط الذي يردّ كل شيء إلى سبب واحد أو يساوي بين جميع الفاعلين.. , فالعوامل التاريخية والسياسية والمؤسسية متباينة، لكن أحد الدروس المشتركة التي تكشفها التجربة هو أن نزع الإنسانية عن الخصوم، وتبرير البطش باسم الفضيلة أو الوطن أو الدين، يفتحان أبواباً يصعب إغلاقها بعد أن تُراق الدماء.
لقد دفع العراقيون أثماناً هائلة من أرواحهم وأمنهم وكرامتهم بسبب الحروب والاستبداد والإرهاب والصراعات السياسية والطائفية.. , وليس من المعقول أن نطالبهم بالخروج من هذه المآسي، ثم نعيد إنتاج الذهنية التي جعلت القتل في نظر بعض الناس حلاً سهلاً لكل مشكلة.
إن العراق لا يحتاج إلى مزيد من الأصوات التي تتوعد بقطع الرؤوس، ولا إلى مزيد من المتنافسين على عدد المشانق، ولا إلى مزيد من المصلحين الذين لا يرون في الإنسان إلا متهماً محتملاً ينتظر العقاب… ؛ إنه يحتاج إلى دولة قانون، ومؤسسات نزيهة، وتعليم يحرر العقل من الأوهام، وثقافة تحترم الاختلاف، وسياسة تقبل التداول السلمي للسلطة، ومجتمع يرفض أن تتحول دماء أبنائه إلى وقود لصراعات لا تنتهي.
وإذا كان علي الوردي قد كشف، في حكاية السيارة، كيف يتحول كل راكب إلى مصلح جبار بمجرد الحديث عن المشانق، فإن الدرس الذي ينبغي أن نستخلصه اليوم هو أن سهولة اقتراح العقاب لا تعني امتلاك الحكمة، وأن ارتفاع الصوت لا يثبت صحة الرأي، وأن الرغبة في التخلص من المذنبين لا تعادل القدرة على إصلاح المجتمع.
فليس الإصلاح أن نكثر من المشانق، بل أن نقلل من أسباب الجريمة، وأن نمنع الظلم قبل وقوعه، وأن نحاسب المجرم من دون أن نصبح مجرمين، وأن نحمي المجتمع من الفساد من دون أن نهدم قواعد العدالة التي يقوم عليها.
وليس المطلوب أن نتخلى عن المحاسبة أو أن نمنح المجرمين حصانة باسم التسامح، بل أن نضع حداً فاصلاً بين العدالة والانتقام، وبين الدولة والثأر، وبين القانون وشريعة الغلبة.
أما الرؤوس التي يتوهم بعضهم أنها أينعت وحان قطافها، فليست ثماراً تنتظر سيفاً يقطفها، بل رؤوس بشرية تحمل عقولاً وقلوباً وحقوقاً، ولا يجوز أن تتحول إلى أهداف مشروعة لمجرد أن أحدهم غضب أو امتلك سلطة أو ادعى احتكار الحقيقة.
إن المجتمع الذي يجعل السيف أول الحلول لن يتخلص من العنف، بل سيعيد إنتاجه بأسماء جديدة ورايات مختلفة… ؛ أما المجتمع الذي يجعل القانون أول مرجع، والإنسان أول قيمة، والعدالة أول غاية، فقد يخطئ ويتعثر، لكنه يضع قدمه على الطريق الصحيح للخروج من دوامة الدم.
فالعراق لا يحتاج إلى من يتقن قطاف الرؤوس، بل إلى من يعرف كيف يصونها؛ ولا يحتاج إلى من يتباهى بعدد من يستطيع إعدامهم، بل إلى من يمتلك الحكمة والشجاعة لبناء وطن لا يضطر فيه المواطن إلى الخوف من الدولة، ولا من الجماعة، ولا من جاره، ولا حتى من اختلافه مع الآخرين.

