
قراءة في بحوث مجلة العلمية الصادرة عن مركز المسيرة للدراسات والنشر
إعداد || مجاهد منعثر منشد
مجلة “العلمية” دورية علمية ثقافية محكّمة، تصدر عن مركز المسيرة للدراسات والنشر في صنعاء، اليمن.
وقد صدر عددها الرابع في أكتوبر 2026م. تُعنى المجلة بقضايا الأمتين العربية والإسلامية، وتسعى للإسهام في بناء فكريٍّ راشد، وتقديم رؤى تعزز الوعي بواقع الأمة وتحدياتها، واستشراف الحلول الناجعة لها، فضلاً عن التصدي للتضليل الفكري والإعلامي.
لقد بذلت هيئة التحرير جهوداً مقدّرة لإصدار هذا العمل الرصين؛ فبينما تكتفي مجلاتٌ أخرى بتقديم نتاجٍ معرفيٍّ وتراكمٍ معلوماتي، تبرز مجلة “العلمية” بقدرتها على تفسير الظواهر، وتحليل أسباب المشكلات، واستنباط الحلول، مما يحوّل المعرفة إلى قوةٍ فاعلة، وهو ما يمنحها تميزاً في حقل البحث العلمي الذي يُقاس فيه الإنتاج بوضوح الإشكالية، وسلامة المنهج، ودقة الأدلة، وموضوعية التحليل، ومنطقية النتائج، والإضافة المعرفية المبتكرة التي يقدمها الباحث .
يقع هذا العدد في 175 صفحة، ويضم ثلاثة بحوثٍ تفتح آفاقاً للنقاش العلمي حول دور المعرفة في بناء المجتمع؛ منها الرؤية المعرفية للعلم التجريبي في المشروع القرآني وعلاقتها بالاستقلال والتصنيع والردع السياسي، بالإضافة إلى إشكالية الفجوة بين المنهجية العلمية والممارسة الفعلية في البحوث الإنسانية، وتداعيات ذلك على الموضوعية والأمانة العلمية ومعايير الجودة البحثية.
أما البحوث المنشورة في هذا العدد:
*البحث الأول: العلم التجريبي في المشروع القرآني: من التبعية المعرفية إلى التصنيع والردع السياسي (دراسة سوسيولوجية في أطروحات الشهيد القائد وتطبيقات قائد الثورة) د. طارق مطهر محمد مطهر.
(الملخص)
تتناول هذه الدراسة إشكالية الفصام المعرفي التاريخي بين هداية الوحي الإلهي وميادين البحث العلمي التجريبي وعمارة الأرض، وما ترتب عليه من استبطان لعقدة العجز والدونية في الوعي الجمعي للأمة الإسلامية وتكريس التبعية للمنظومة الاستكبارية الغربية.
وتهدف الدراسة إلى تأصيل رؤية المشروع القرآني للبحث العلمي التجريبي بوصفه عبادة استخلافية وفريضة جهادية ملزمة، وبيان كيف تسهم هذه الرؤية في هدم مرتكزات المركزية الغربية وتفكيك إرث الارتهان المعرفي والتقني، لتأسيس نهضة تصنيعية واكتفاء ذاتي وبناء منظومات الردع الشامل.
اعتمدت الدراسة على المنهج التحليلي السوسيولوجي التكاملي، مستعينة بأدوات تحليل الخطاب النقدي للمتون التأسيسية للمشروع القرآني، ومقاربة نزع الاستعمار المعرفي والتثليث المنهجي للبيانات المعيارية القرآنية والتنظيرية الوثائقية، والإمبيريقية الميدانية.
وتوصلت الدراسة إلى جملة من النتائج، أبرزها تأسيس المشروع القرآني لأبستمولوجيا توحيدية تنفي القطيعة بين الوحي وسنن الطبيعة، وتأصيل التلازم المصيري بين هداية «الكتاب» وبأس «الحديد» في إقامة القسط وحماية المستضعفين، ومشروعية الهندسة العكسية لكسر الفصل التكنولوجي الاحتكاري، والبرهنة الإمبيريقية عبر التجربة التطبيقية اليمنية على أن المعرفة الحقيقية تتولد من واقع المسؤولية والميدان، حيث مكّن هذا المسار من تشييد ثالوث تسليحي متطور (صاروخي ومسير وبحري) فرض معادلات ردع استراتيجية غير مسبوقة.
وتوصي الدراسة بإصدار قانون للهندسة العكسية السيادية، وتفعيل الأبحاث التعاقدية الميدانية، وتأسيس الهيئة الوطنية للأمن المعرفي، وإعادة توجيه الموارد الوقفية والشرعية نحو مراكز الأبحاث التطبيقية.
***
*البحث الثاني: واقع البحث العلمي في العلوم الإنسانية بين المنهجية والممارسة (دراسة تحليلية نقدية) أ.د. عبد الحكيم عبد المجيد أحمد الهجري.
(الملخص)
تتمثل مشكلة البحث في وجود فجوة معرفية بين المعرفة النظرية بالمنهجية العلمية والممارسة الفعلية في مجال البحوث الإنسانية، وما يترتب على ذلك من مظاهر قصور تمس سلامة البناء المنهجي، وموضوعية النتائج، وجودة الإنتاج البحثي. ويسعى البحث إلى الإجابة عن عدد من التساؤلات، من أبرزها: ما مدى الالتزام بمنهجية البحث العلمي في البحوث الإنسانية؟ وما أبرز مظاهر الفجوة بين المعرفة المنهجية والممارسة البحثية؟ وما أهم الانحرافات الشائعة التي تؤدي إلى الإخلال بالمعايير الموضوعية؟ وما العوامل المؤثرة في جودة البحث العلمي؟ وكيف يمكن تحقيق التوازن بين المعايير الموضوعية والمعايير الشكلية في تقويم البحوث؟ وتنبع أهمية البحث من أهمية البحث العلمي في إنتاج المعرفة وفهم الظواهر الإنسانية والاجتماعية وتحليلها، ومن الحاجة إلى تعزيز ثقافة البحث العلمي ونشر الوعي بمناهجه وقواعده، والانتقال من المعرفة النظرية بالمنهجية إلى التطبيق العملي لها.
ولتحقيق أهداف البحث اعتمد الباحث المنهج الوصفي التحليلي من خلال وصف واقع الممارسة البحثية وتحليل مظاهر الفجوة بين المنهجية العلمية والإنتاج البحثي، ودراسة الانحرافات التي تؤثر في الموضوعية، وتحليل العوامل المؤثرة في جودة البحث العلمي، ومناقشة العلاقة بين المعايير الموضوعية والشكلية.
وتوصل البحث إلى عدد من النتائج، من أهمها: أظهر البحث أن التزام طلبة الدراسات العليا بالمنهجية كان شكليًا أكثر منه موضوعيًا، وتبين أن اختيار المنهج في كثير من البحوث لا يتم بناءً على طبيعة المشكلة وسؤال البحث بل بناءً على شيوع المنهج وسهولة تطبيقه. وتتمثل أهم الانحرافات المخلة بالمعايير الموضوعية في التحيز في اختيار موضوع البحث ومشكلته انطلاقًا من موقف مسبق يسعى الباحث لإثباته. كما يظهر الإخلال بالموضوعية في الانتقائية في اختيار المعلومات والمصادر من خلال الاعتماد على مصادر ضعيفة أو غير محكمة. وتبين أن جودة البحث العلمي لا تتأثر بعامل واحد بل بمنظومة متداخلة. كما تبيّن أن الإفراط في التركيز على المعايير الشكلية في تحكيم البحوث يؤدي إلى إنتاج بحوث مستوفية إجرائيًا لكنها ضعيفة من حيث الأصالة والإضافة المعرفية، وأن التقويم السليم يتطلب إعطاء الوزن الأكبر للمعايير الموضوعية. ويوصي البحث بوضع معايير واضحة ومحددة لتقويم جودة البحث العلمي بحيث تعطي المعايير الموضوعية والمنهجية وزنًا مناسبًا إلى جانب المتطلبات الشكلية، وتعزيز دور الإشراف العلمي في متابعة مراحل إعداد البحث، وإعطاء المعايير الموضوعية وزنًا أكبر في تقويم البحوث والرسائل العلمية، وتعزيز ثقافة الأمانة والنزاهة العلمية، وتوفير بيئة مؤسسية ومالية وتقنية داعمة للبحث العلمي.
****
*البحث الثالث: الذكاء الاصطناعي وبنية التهديدات متعددة الأبعاد (من الاختراق البرمجي إلى تقويض المنهج العلمي) د. محمد الأيوبي.
(الملخص)
تهدف هذه الدراسة إلى تحليل التحول البنيوي في طبيعة التهديدات الناتجة عن استخدام الذكاء الاصطناعي، من كونه أداةً للدعم والتخطيط إلى فاعل استراتيجي شبه مستقل يُشارك في صناعة القرارات المصيرية. وتنطلق الدراسة من فرضية مركزية مفادها أن الذكاء الاصطناعي يُنتج تهديدات متعددة الأبعاد تتجاوز حدود الأمن السيبراني التقليدي، وتتشكل في خمسة مستويات متداخلة: التهديد البرمجي والتقني، والتهديد الأخلاقي، والتهديد العسكري والأمني، والتهديد على المنهجية العلمية، وحدود الاستخدام المشروع في البحث والدراسات.
وقد اعتمدت الدراسة منهجاً تحليلياً نقدياً، مستندةً إلى الأدبيات المحكمة الصادرة عن مراكز البحث الدولية والعربية، بما يشمل تقارير Google Threat Intelligence, ISO/IEC, NIST, IEEE, Check Point Research, Verizon DBIR, Group ٤٢٠٠١، ووثائق اليونيسكو والإيسيسكو والألكسو. وقد كشفت النتائج أن البرمجيات الخبيثة أصبحت متحورة تلقائياً، وأن الوكلاء الأذكياء ينفذون عمليات اختراق كاملة دون تدخل بشري، وأن الانحياز الخوارزمي يُعيد إنتاج التمييز الاجتماعي. وأن حادثة السفينة الصينية (٢٠٢٦) والحرب الأمريكية-“الإسرائيلية” على إيران باستهدافها لمدرسة ميناب بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي في تحديد الأهداف والحرب على غزة جسدتا هشاشة سلسلة القرار العسكري عندما تتقدم الآلة على الإنسان. كما أظهرت النتائج أن ٩٠٪ من الأساتذة الجامعيين يعتقدون أن الذكاء الاصطناعي التوليدي سيُضعف التفكير النقدي لدى الطلاب.
وتخلص الدراسة إلى أن مواجهة هذه التهديدات تتطلب إطاراً دفاعياً متكاملاً يجمع بين الحلول البرمجية والتقنية والتنظيمية والبشرية، مع الإقرار بأن المسألة ليست اختياراً بين التقدم التقني والتخلف عنه، بل هي اختيار بين تقدم يحترم الإنسان وتقدم يستنزفه — وهذا الاختيار أخلاقي قبل أن يكون تقنياً.
****
وختاماً، أتقدم بخالص الشكر والتقدير للأخ العزيز الأستاذ الكاتب والباحث السياسي عدنان عبدالله سرور أحمد الجنيد، على إهدائه لي نسخة من هذه المجلة القيمة، سائلاً المولى عز وجل أن يوفقه ويسدد خطاه لكل ما يحب ويرضى، إنه سميع مجيب.




