
اسعد عبدالله عبدعلي
في بلاد الرافدين العظيمة، حيث كان أجدادنا السومريون يكتبون عقد الزواج على رقاقة من الطين بظرف دقيقة واحدة و(عالسريع)، أصبح شاب اليوم حتى يخطو خطوة واحدة نحو “عش الزوجية” يحتاج إلى ميزانية تشبه ميزانية دولة نامية، وشهادة خبير بأسعار الذهب، واستشارة مهندس ديكور، فقط ليقنع عمّه المستقبلي بأنه (زلمة وخوش ولد) ويتحمل مسؤولية!
ان أزمة تأخر سن الزواج, أو ما يطيب للبعض تسميته بخفة ظل ثقيلة وجرعة مكثفة من (التقشير والتحشير) بـ “العنوسة” لم تعد مجرد مشكلة اجتماعية عابرة, تُناقش في البرامج الحوارية بين (هلهولة) وأغنية حزينة، بل تحولت بقدرة قادر إلى (سالفة عويصة) وظاهرة استراتيجية, تتطلب دراسة جدوى اقتصادية, وموافقة من صندوق النقد الدولي, قبل القبول بالصهر الجديد!
· صعوبة التقدم للخطبة
قديماً، كان الشاب يتقدم للخطبة، ويكون المهر رمزياً وبسيطاً؛ لأن الزواج في نظرتهم كان شراكة وتآلفاً بين عائلتين وليس (عقد بيع وشراء) لسلعة معينة، فيتوكل العريس على الله وينتهي الأمر.
أما اليوم؟ فالعريس المستقبلي يتعامل مع قائمة طلبات تشبه كراسة الشروط والمواصفات الخيالية لمشروع إنشاء سد أو مصفى نفطي: “شقة ملك في منطقة راقية (ومو أيا مكان)، غرف نوم تركية (درجة أولى)، حفل زفاف في قاعة لا تقل عن أربع نجوم، ومهر (ثقيل) يُحسب بسعر صرف الدولار في (البورصة والموازي) وليس السعر الرسمي للبنك المركزي!”.
في المقابل، تجلس الفتاة العراقية وسط هذه (المعمعة والخبصة)، وقد بلغت الثلاثين أو تجاوزتها، لتجد نفسها بين فكي كماشة: من جهة، الاهل يرفعون سقف التوقعات إلى السماء, ويرون في ابنتهم سبائك ذهبية لا يمكن التفريط بها بأقل من (سعر السوق اليومي)، ومن جهة أخرى، شباب (مفلسين على الحديدة) تخرجوا من الجامعة بعد سنوات التعب, لينافسوا على وظيفة براتب هزيل لا يكفي حتى لسداد (سحب أمبيرية مولدة المنطقة).
والنتيجة؟ قطار الزواج السريع الذي كان ينطلق بسلاسة في سن العشرين، تحول بقدرة قادر إلى (قطار بضائع خردة) بطيء جداً، يتوقف في كل محطة ليطلب صيانة شاملة و(مصاريف مالها أول ولا آخر.
· المراة العراقية وجدلية اجتماعية
المرأة العراقية اليوم لم تعد كما كانت قبل عقود؛ لقد تعلمت، وعملت، وأصبحت تشغل مناصب إدارية وقيادية، وصار عندها (راتبها وجيبها الخاص) واستقلال مالي يقلب المعادلة رأساً على عقب. لم تعد ترى في الزواج (فد ملاذ أخير) أو وسيلة للهروب من بيت الأهل، بل خياراً لشركة حياة قائمة على التكافؤ والشراكة الحقيقية.
لكن المجتمع، بطبعه الكلاسيكي و(عقليته القديمة)، ما زال يصرّ بفرمان رسمي على أن يكون العريس “سي السيد” براتب مدير عام، بينما يريد من العروس أن ترضى فوراً بدور “ست البيت” وتجلس في المطبخ، حتى لو كانت تحمل شهادة الدكتوراة بـ (الأعصاب والذرة)!
ولا ننسى (الفشخرة) و”المظاهر الاجتماعية” التي (قضت على الأخضر واليابس) وأجهزت على ما تبقى من أمل في التسهيل. فالعروس لا تريد أن تكون أقل من صديقتها التي نزلت صورها في (جلسة تصوير على البسفور)، والعريس يريد أن يثبت لأقاربه وعمومته أنه (ابن أصول وما ينقص منه شبر)، حتى لو اضطر للانتحار المالي, والاقتراض من مكاتب الصيرفة بفوائد مركبة تتجاوز شروط البنك الدولي نفسه!
· تحولات المفاهيم… الزواج من “ستر” إلى “سلفة حظر”!
وهكذا، تحولت الفكرة من سُكينة ومودة ورحمة إلى مشروع استثماري محفوف بالمخاطر. كان الآباء في السابق يقولون: “أهم شيء رجل يستر عليها ويخاف الله بيها”. أما اليوم، فصار السؤال الأول في مجلس الخطوبة: “عمي، إنت وين مصفط أحلامك؟ عندك قطعة أرض لو طابو؟ متعين بالدولة لو على العقد؟ وتعرف تسحب قروض بضمان الراتب؟”.
لقد أصبح الشاب العراقي يدخل مرحلة الخطوبة وهو محمل بأدبيات “المحاسبة القانونية” والتفكير الدقيق في التخلف عن السداد؛ فالبداية “مقدم ومؤخر” يكسران الظهر، والمرور بـ “ذهب” الذي يحتاج تقييماً من البنك المركزي، والختام بـ “مصاريف ليلة العمر” التي تستنزف ميزانية العريس وتضعه تحت طائلة الدين إلى أن يبلغ أحفاده سن الرشد!
· هل ضل القطار طريقه أم غير اتجاهه؟
إن الحقيقة المرة التي نتهرب جميعاً من الاعتراف بها هي أن “قطار الزواج” لم يتأخر في المغادرة نتيجة عطل فني في المحطة، بل هو غَيّر اتجاهه بالكامل.. لقد غادر القطار سكة البساطة والقناعة والتضامن، ليترجل في محطة جديدة اسميتها “محطة الاستهلاك والتفاخر والمظاهر الكاذبة”. لم يعد الشاب يهرب من الزواج لأنه لا يريد الاستقرار، ولا الفتاة تعزف عنه لأنها تكره التكوين الأسري، بل كلاهما بات يعلم أن ثمن التذاكر في هذا القطار صار باهظاً جداً، ويحتاج تعهدات مالية تجعل العيش المشترك يبدو وكأنه عقوبة مع تنفيذ الحظر المالي!
إذا أردنا لهذا القطار أن يعود إلى سكته الصحيحة، فعلينا أولاً أن ننزل جميعاً من برج “الفشخرة” العالي، وأن نتذكر أن الطين السومري الذي بُنيت عليه أول أسر التاريخ لم يكن بحاجة إلى (ذهب عيار 21) ولا إلى (قاعة أربع نجوم) كي يصنع حبساً دافئاً وعائلة متماسكة… وإلا، فسنبقى جميعاً نقف على الرصيف، ننتظر قطاراً لن يأتي، ونشاهد أعمار شبابنا وهي تسير ببطء شديد نحو محطة “التقاعد الاجتماعي”!
· الخاتمة:
إن أزمة الزواج في العراق اليوم ليست مجرد أزمة سكن أو ضائقة مالية، بل هي أزمة مفاهيم وقيم تم استبدالها برتوش صاخبة ومظاهر زائفة.
ولن يصل “قطار الزواج” إلى محطته الآمنة إلا عندما ندرك أن بناء البيت يبدأ من متانة القلوب لا من فخامة الديكورات، وأن أثمن ما يُقدم للعروس هو رجل يُحترم وتُصان كرامته، لا مشروع مدين يُساق إلى المحاكم قبل أن يكتمل حلم الليلة الأولى.
فحين نعود إلى أصل الفكرة العراقية البسيطة… يومها فقط، سنسمع صافرة القطار وهي تعلن الانطلاق من جديد، وبلا ديون!
