
زكريا نمر
في أكتوبر 1995، شهدت واشنطن مسيرة المليون رجل، التي شارك فيها مئات الآلاف من الرجال السود. جاءت المسيرة في سياق نقاشات واسعة حول العنصرية والفقر والبطالة ومسؤولية المجتمع. لكن القضية التي تستحق التحليل لا تتعلق بحجم الحشد وحده، بل بالطريقة التي تناولت بها وسائل الإعلام الحدث، وبالصورة التي اعتادت تقديم الرجل الأسود من خلالها.حين تتحدث وسائل الإعلام عن الرجال السود، ثم تركز على صور الجريمة والسجون والأصفاد، فإن السؤال لا يعود متعلقاً بصحة الصور وحدها، بل بمعايير اختيارها، ومدى تمثيلها للواقع، والأثر الذي تتركه في وعي الجمهور. قد تكون الصورة صحيحة من الناحية الصحفية، لكن تكرارها بصورة غير متوازنة يمكن أن ينتج انطباعا عاما لا تعكسه الوقائع بالضرورة.الإعلام لا يكتفي بنقل الواقع، بل يساهم في تحديد الجزء الذي يراه الجمهور منه. فالمشاهد لا يتعامل مع ملايين الأفراد بصورة مباشرة، وإنما يتعرف إلى كثير من المجتمعات عبر الأخبار والأفلام والبرامج والتقارير. وعندما تتكرر صورة الرجل الأسود في سياق الجريمة، بينما تقل التغطية التي تعرض حياته اليومية وعمله وتعليمه ومشاركته في المجتمع، فإن المعرفة العامة به تصبح محدودة، حتى لو كانت المواد المنشورة صحيحة كل واحدة على حدة. يمكن فهم هذه الظاهرة من خلال مفهوم التأطير الإعلامي، أي الطريقة التي تختار بها وسائل الإعلام جوانب معينة من الحدث وتمنحها الأولوية. فالصحفي لا يختار فقط ما سيكتبه، بل يختار أيضا من سيظهر في الصورة، ومن سيتحدث، وما المعلومات التي سيضعها في المقدمة، وما السياق الذي سيقدمه للقارئ أو المشاهد. هذه الاختيارات تؤثر في تفسير الحدث، حتى عندما لا تتضمن خبرا كاذبا بصورة مباشرة.
إذا نشرت مؤسسة إعلامية أخبار الجرائم التي يرتكبها رجال سود بصورة متكررة، من دون اهتمام مماثل بتنوع حياتهم أو بالعوامل الاجتماعية ذات الصلة، فقد ينتهي الجمهور إلى الربط بين الهوية السوداء والجريمة. لكن هذا الربط ليس نتيجة منطقية للخبر الفردي؛ إنه استنتاج يتكون من التكرار والانتقاء وغياب السياق. فالخبر عن متهم لا يقدم دليلا على سلوك جماعة عرقية كاملة، مهما تكرر نشر أخبار مشابهة.ولا يعني ذلك أن على الصحافة تجاهل الجريمة أو أن تفسر كل مخالفة بالفقر والتمييز. فهذه أيضا طريقة غير سليمة في التحليل، لأنها تختزل السلوك الفردي في الظروف الاجتماعية. المطلوب هو الفصل بين مسؤولية الفرد عن أفعاله، ومسؤولية المؤسسات عن السياسات التي تؤثر في فرص التعليم والعمل، ومسؤولية الإعلام عن الطريقة التي يقدم بها هذه القضايا. لا يمكن استبدال التعميم العنصري بتعميم آخر يعفي الأفراد من المساءلة.
تكتسب هذه المسألة أهمية أكبر عند النظر إلى التاريخ الأمريكي. فقد تشكلت صور الرجل الأسود في سياق تاريخ طويل من العبودية والفصل العنصري والصراع على الحقوق المدنية. لذلك لا تظهر الصور الإعلامية في فراغ، بل تدخل في مجتمع يحمل تصورات تاريخية عن العرق والجريمة والخطر. وقد وجدت دراسات في الإعلام وعلم الجريمة أن طريقة تصوير الجريمة والمشتبه بهم يمكن أن تؤثر في التصورات العامة عن العرق والجريمة، وإن كان حجم التأثير يختلف باختلاف نوع التغطية والجمهور والسياق.لكن نقد الإعلام لا يكتمل بمجرد اتهامه بالعنصرية. ينبغي أن نسأل كيف تعمل المؤسسات التي تنتج الأخبار، وما الذي يجعل بعض القصص أكثر قابلية للنشر من غيرها. الأخبار العاجلة والجرائم والمشاهد الصادمة تجذب الانتباه، بينما تحتاج قضايا مثل تفاوت التعليم أو التمييز في سوق العمل إلى تحقيقات أطول وبيانات ومتابعة مستمرة. وقد تدفع المنافسة على الجمهور بعض المؤسسات إلى تفضيل المادة المثيرة على التفسير العميق. غير أن هذه الضغوط التجارية لا تفسر كل حالة، ولا تثبت وحدها وجود قصد عنصري لدى كل صحفي أو مؤسسة.أما مسيرة المليون رجل، فقد أتاحت للمشاركين فرصة للظهور بوصفهم جماعة سياسية واجتماعية لها مطالبها ونقاشاتها الداخلية. ومع ذلك، فإن التغطية الإعلامية لأي حشد جماهيري يمكن أن تنصرف عن مطالبه إلى شخصية مثيرة للجدل أو خلاف سياسي أو مشهد بصري لافت. وهذا ما يجعل تقييم التغطية بحاجة إلى فحص المواد المنشورة فعليا، لا إلى افتراض أن كل وسائل الإعلام تجاهلت المطالب الاجتماعية أو تعاملت مع المسيرة بالطريقة نفسها.
المسألة الأعمق هي من يمتلك سلطة تمثيل المجتمع في المجال العام. هل يستطيع الناس تعريف أنفسهم من خلال تجاربهم المتنوعة، أم تظل المؤسسات الإعلامية صاحبة الكلمة الأكبر في تحديد الصورة التي يراهم الآخرون من خلالها؟ لا يملك أي مجتمع سيطرة كاملة على صورته الإعلامية، لكن التعدد في مصادر الأخبار وأصوات الصحفيين والخبراء وأفراد المجتمع يساعد على تقليل احتكار رواية واحدة للواقع.وتظهر أهمية هذا النقد في إفريقيا أيضا. فكثير من التغطيات الدولية تركز على الحروب والانقلابات والنزوح والأزمات الإنسانية، بينما لا تحظى جوانب أخرى من الحياة بالاهتمام نفسه. لا تكمن المشكلة في تغطية الحروب أو الفقر، فهذه قضايا أساسية، بل في أن تتحول الأزمة إلى تعريف دائم للمجتمع. وعندما تختزل دولة إفريقية في صراعها، يغيب النقاش عن مؤسساتها واقتصادها وثقافتها ومسؤولية نخبها السياسية، كما يغيب الأفراد الذين يعيشون حياتهم خارج مشاهد الأزمة.ومع ذلك، لا ينبغي استخدام نقد الصورة الخارجية لتجنب مساءلة المجتمعات عن مشكلاتها الداخلية. فالنخب السياسية مسؤولة عن سياساتها، والمؤسسات مسؤولة عن أدائها، والأفراد مسؤولون عن أفعالهم. ولا يجوز أن تتحول الدعوة إلى تصحيح الصورة الإعلامية إلى وسيلة لإسكات النقد أو تبرير الفشل. المطلوب هو نقد أكثر دقة يميز بين الوقائع والتعميمات، وبين المسؤولية الفردية والظروف المؤسسية.
إن الصحافة المهنية لا تُقاس فقط بقدرتها على كشف الجريمة، بل أيضا بقدرتها على تجنب الاستنتاجات التي لا تدعمها الأدلة. ومن حق الجمهور أن يعرف من ارتكب الجريمة وكيف وقعت، لكن ليس من حق أي مؤسسة أن تجعل لون البشرة بديلا عن الدليل، أو أن تقدم واقعة فردية باعتبارها وصفا لجماعة كاملة.السؤال الذي ينبغي أن يوجه النقد الإعلامي ليس ما إذا كان الرجل الأسود يظهر في صورة متهم، بل لماذا تتكرر بعض الصور أكثر من غيرها، وما المعلومات التي تغيب معها، وكيف تؤثر هذه الاختيارات في أحكام الجمهور. والإجابة لا تكون بالانطباعات وحدها، بل بتحليل التغطيات ومقارنتها، وفحص مصادر الأخبار، ودراسة حضور الفئات المختلفة في القصص المنشورة.الخلل في التغطية الإعلامية لا يبدأ بالضرورة من خبر كاذب، بل قد يبدأ من أخبار صحيحة اختيرت وتكررت حتى صنعت صورة ناقصة عن الواقع. ولهذا فإن مواجهة الصور النمطية لا تتطلب إخفاء الحقيقة، بل تقديمها كاملة قدر الإمكان، من دون تحويل هوية الإنسان إلى دليل ضده.
