
زكريا نمر
بينما تتجه جنوب السودان نحو انتخابات تنافسية يفترض أن تؤسس لمرحلة سياسية جديدة، وتفتح الطريق أمام بناء مؤسسات مستقرة، تبرز داخل الحركة الشعبية أسئلة جوهرية حول معايير اختيار المرشحين للمناصب التنفيذية والمقاعد البرلمانية. فكيف لحزب يطمح إلى قيادة البلاد والمشاركة في رسم مستقبلها أن يقدم أسماء مرشحين دون أن يوضح للرأي العام الأسس التي اعتمدها للتأكد من استعدادهم لتحمل المسؤولية العامة؟.و تثير هذه المسألة تساؤلات حول طبيعة الاختيارات الحزبية: هل تعمل الحركة الشعبية على إعداد قيادات قادرة على إدارة مؤسسات الدولة وخدمة المواطنين، أم أن الانتماء التنظيمي والولاء للقيادة أصبحا، في بعض الحالات، طريقا كافيا للحصول على التزكية والترشح للمناصب العامة؟
المثير للاستغراب أن هناك مرشحين، وفق ما يثار بشأن بعض الأسماء المتداولة، يواجهون صعوبات في التواصل باللغتين الإنجليزية والعربية، الأمر الذي يفتح باب النقاش حول قدرتهم على عرض برامجهم السياسية والتفاعل مع الجمهور ومناقشة القضايا الوطنية. وهنا يجب توضيح نقطة أساسية: ليست المشكلة في عدم إتقان لغة بعينها، ولا يجوز اتخاذ اللغة وحدها معيارا للحكم على كفاءة الإنسان، خصوصا في بلد يتميز بالتنوع الثقافي واللغوي مثل جنوب السودان. المشكلة الحقيقية هي مدى قدرة المرشح على التعبير عن أفكاره بلغة يفهمها جمهوره، وشرح برنامجه، ومناقشة القضايا العامة، والتواصل مع المواطنين الذين يسعى إلى تمثيلهم.كيف يمكن لمرشح برلماني أن يقنع المواطنين بقدرته على التشريع والرقابة ومساءلة الحكومة إذا لم يستطع عرض أفكاره بوضوح؟ وكيف سيدافع عن مصالح دائرته الانتخابية، ويناقش الميزانيات والسياسات العامة، ويساهم في صياغة القوانين إذا لم يمتلك الحد الأدنى من المعرفة والمهارات اللازمة لأداء هذه المهام؟
البرلمان ليس مقعدا شرفيا، والسياسة ليست صورة تذكارية مع قيادة الحزب، والترشح ليس مكافأة تمنح للموالين أو وسيلة لتوزيع المناصب على أساس العلاقات الشخصية. المقعد البرلماني مسؤولية عامة، والمرشح يفترض أن يمتلك الاستعداد لخوض النقاشات، وفهم صلاحيات المنصب الذي يسعى إليه، وتقديم رؤية قابلة للنقاش والمساءلة.وتزداد أهمية هذه الأسئلة عندما يتعلق الأمر بالمرشحين لمنصب حاكم الولاية، وكذلك الأسماء التي تسعى إلى دخول البرلمان عبر القوائم الحزبية. فحاكم الولاية لا يتولى منصبا تشريفيا، بل يتحمل مسؤولية إدارة المؤسسات التنفيذية، ومتابعة الخدمات، والتعامل مع القضايا الأمنية والاقتصادية، وإدارة الموارد العامة، والاستجابة لاحتياجات المواطنين. أما المرشح عبر القائمة الحزبية، فمن المفترض أن يمتلك القدرة على المساهمة في التشريع والرقابة ومناقشة السياسات الوطنية، لا أن يكون مجرد اسم يضاف إلى قائمة انتخابية بقرار تنظيمي.
كيف يمكن لمرشح يسعى إلى منصب حاكم ولاية أن يطلب ثقة المواطنين دون تقديم تصور واضح لإدارة الولاية؟ ما خطته لتحسين التعليم والصحة والطرق والزراعة وفرص العمل؟ كيف سيواجه الفساد وسوء إدارة الموارد؟ وما رؤيته لمعالجة النزاعات المجتمعية وتعزيز التعايش بين مختلف المكونات؟ هذه ليست أسئلة ثانوية، بل جوهر المسؤولية التي يسعى إلى تحملها. وبالمثل، ما الذي سيقدمه المرشحون عبر القوائم الحزبية للحياة البرلمانية؟ هل يمتلكون معرفة بالإجراءات التشريعية والرقابية؟ هل يستطيعون مناقشة السياسات العامة والدفاع عن مصالح المواطنين؟ وهل اختيروا بناء على خبراتهم وقدراتهم، أم أن التزكية الحزبية سبقت أي تقييم جاد لمؤهلاتهم؟.إن وجود عدد كبير من المتقدمين للترشيح لا يعني بالضرورة وجود تنافس حقيقي على أساس الكفاءة والبرامج. فالمعيار ليس عدد الأسماء التي تتقدم للمناصب، بل جودة عملية الاختيار، وشفافية إجراءاتها، وقدرة الحزب على التمييز بين من يرغب في المنصب ومن يمتلك الاستعداد لتحمل مسؤولياته.
السؤال الذي ينبغي أن تجيب عنه الأمانة العامة للحركة الشعبية هو: ما المعايير التي تعتمدونها في اختيار المرشحين؟ هل يجري تقييم الخبرة والمعرفة والنزاهة والقدرة على التواصل وفهم القضايا الوطنية، أم أن الولاء التنظيمي والعلاقات داخل الحزب يكفيان للحصول على التزكية السياسية؟.إذا كانت الحركة الشعبية جادة في خوض انتخابات تنافسية، فعليها أن تبدأ بالمنافسة داخل مؤسساتها، وأن تجعل اختيار المرشحين عملية واضحة تستند إلى معايير موضوعية. فالولاء للحزب لا يعني بالضرورة امتلاك الكفاءة لإدارة الشأن العام، والانتماء التنظيمي لا يمنح صاحبه تلقائيا القدرة على التشريع أو الإدارة أو تمثيل المواطنين.ولا يكفي أن تدافع القيادة عن اختياراتها بالقول إن المرشحين كوادر حزبية أو أصحاب تاريخ تنظيمي. فتاريخ النضال والانتماء السياسي والخبرة الاجتماعية عناصر قد تكون مهمة، لكنها لا تعفي أي مرشح من ضرورة إثبات استعداده للقيام بالمسؤوليات المرتبطة بالمنصب الذي يطلب ثقة المواطنين من أجله.هذه المطالب لا تعني إقصاء المرشحين بسبب ضعف لغتهم أو محدودية فرصهم التعليمية. فقد يمتلك الإنسان خبرة اجتماعية عميقة ومعرفة حقيقية بقضايا مجتمعه، ونزاهة وقدرة على القيادة تفوق ما يمتلكه أصحاب الشهادات. وفي المقابل، قد يتحدث شخص عدة لغات ويحمل مؤهلات أكاديمية، لكنه يفتقر إلى النزاهة أو الرؤية السياسية. لذلك يجب أن يستند التقييم إلى طبيعة المنصب، وأن يجمع بين الكفاءة العملية والمعرفة والنزاهة والقدرة على التواصل والاستعداد للتعلم.كن احترام التنوع لا يعني التنازل عن معايير المسؤولية العامة، كما أن الدفاع عن حقوق الكوادر لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لتجاهل حق المواطنين في اختيار ممثلين قادرين على أداء واجباتهم.
إن الخطر الذي ينبغي أن تنتبه إليه قيادة الحركة الشعبية هو تحول قوائم المرشحين إلى وسيلة لتوزيع الامتيازات السياسية، بدلا من أن تكون تعبيرا عن قدرة الحزب على إعداد قيادات مؤهلة. وعندما تغيب المعايير الواضحة، تصبح المؤسسة نفسها مسؤولة عن أي قصور في عملية الاختيار، ولا يعود من المنطقي تحميل المرشح وحده تبعات قرار اتخذته القيادة ومنحته بموجبه حق الترشح باسم الحزب.إن منصب الأمين العام ليس مجرد موقع تنظيمي، بل مسؤولية في بناء مؤسسة سياسية قادرة على إنتاج قيادات تفهم طبيعة المرحلة وتستجيب لتطلعات المواطنين. ومن حق أعضاء الحزب معرفة معايير الترشيح، ومن حق الناخبين الاطلاع على برامج المرشحين وخبراتهم، ومن واجب القيادة تقديم إجابات واضحة عن أسس اختياراتها.
إذا أردنا انتخابات تنافسية حقيقية، فعلينا أن ننتقل من سؤال: من ينتمي إلى الحزب؟ إلى سؤال أكثر أهمية: من يمتلك القدرة على خدمة المواطنين من خلال الحزب؟ من لديه برنامج واضح؟ من يفهم صلاحيات المنصب الذي يسعى إليه؟ ومن يستطيع قبول النقد والمساءلة وتقديم المصلحة العامة على مصالحه الشخصية؟ نطالبكم بمراجعة آليات اختيار المرشحين لحكام الولايات والمقاعد البرلمانية والقوائم الحزبية، وإعلان معايير واضحة وشفافة تقوم على الكفاءة والنزاهة والخبرة والاستعداد لتحمل المسؤولية. كما نطالب بإخضاع المرشحين لتقييم جاد، وإتاحة مناظرات علنية لعرض برامجهم، ونشر مؤهلاتهم وخططهم، وتوفير التدريب اللازم لمن يحتاج إليه، وضمان حق أعضاء الحزب في الاعتراض والمساءلة.إن اختيار حاكم الولاية أو عضو البرلمان ليس مكافأة على الولاء التنظيمي، بل قرار يمس مستقبل المواطنين وإدارة مؤسسات الدولة. والتزكية الحزبية يجب أن تكون بداية لإثبات الجدارة، لا بديلا عنها.السؤال الذي نضعه أمام قيادة الحركة الشعبية: هل ستجعلون الكفاءة والشفافية أساس اختيار مرشحيكم، أم ستظل الولاءات الحزبية تتقدم على متطلبات المسؤولية العامة؟ إن جنوب السودان يحتاج إلى قادة يقدمون برامج وحلولا، لا مجرد أسماء تشغل المناصب.

