
يد إسرائيل الخفية و إشعال النار في درعا
بقلم الباحثة كنانة خلف الكردي
قد لا تحتاج إسرائيل إلى إطلاق رصاصة واحدة على الحدود الأردنية السورية إذا كان التصعيد بين دمشق وعمان كفيلاً بفتح الطريق أمام مصالحها هنا تكمن خطورة المشهد أن تتحول الضربات العسكرية من إجراءات أمنية محدودة إلى شرخ استراتيجي بين دولتين جارتين وأن يصبح الجنوب السوري ساحة استنزاف متبادل فيما تتسع مساحة المناورة أمام تل أبيب دون أن تتحمل كلفة المواجهة المباشرة إن الخطر الحقيقي لا يكمن في الضربة وحدها بل في تداعياتها حين تتكرر وفي اللحظة التي يتقدم فيها منطق القوة على قنوات الاتصال، وتتحول المخاوف الأمنية المشروعة إلى أزمة سياسية مفتوحة عندها لا تعود الحدود مجرد خط جغرافي يفصل دولتين بل تصبح نقطة ضعف إقليمية يمكن توظيفها لإعادة تشكيل موازين النفوذ من حق الأردن حماية أمنه القومي ومواجهة التهديدات العابرة للحدود لكن حماية الأمن لا تنفصل عن حساب النتائج الاستراتيجية لأي تحرك عسكري فالمشكلة تبدأ عندما تتحول الضربات المحدودة إلى نمط متكرر وتتراجع قنوات الاتصال بين دمشق وعمان لصالح منطق الردود المتبادلة ليجد البلدان نفسيهما أمام معادلة تستنزفهما معاً دون أن تمنح أياً منهما أمناً مستداماً وهنا تحديداً تظهر المصلحة الإسرائيلية المحتملة في كل فراغ امني فإسرائيل لا تحتاج بالضرورة إلى صناعة الأزمات من الصفر كي تستفيد منها إذ يكفي أن تتآكل الثقة بين دول الجوار الإقليمي وتتراجع قدرتها على التنسيق الامني حتى تتسع المساحات المتاحة أمام القوى الخارجية لإعادة تشكيل البيئة الأمنية بما يخدم مصالحها ولا يعني ذلك وجود دليل على تدخل إسرائيلي مباشر في القرارات الأردنية بل استخدام أدواتها المخفية وإن استمرار التوتر قد ينتج واقعاً قابلاً للاستثمار الإسرائيلي حتى من دون تدخل مباشر فالحدود التي يغيب عنها التنسيق تصبح أكثر عرضة لنشاط شبكات التهريب والجماعات المسلحة وتعدد مراكز النفوذ وعندما تتداخل هذه العوامل يصبح كل حادث أمني قابلاً للتحول إلى أزمة سياسية وكل أزمة سياسية قابلة للانزلاق إلى مواجهة أوسع وهكذا قد يتحول الجنوب السوري من منطقة تحتاج إلى ضبط أمني وتعاون إقليمي إلى ساحة مفتوحة لتشابك المصالح والصراعات
المشهد المقبل يفتح ثلاثة مسارات محتملة: استمرار التوتر المحدود بما يكرس استنزافاً أمنياً وسياسياً طويل الأمد أو انزلاق الطرفين إلى تصعيد متبادل تتداخل فيه أطراف محلية وشبكات مسلحة بما يرفع مخاطر سوء التقدير أو استعادة التنسيق المباشر وضبط الحدود ضمن تفاهمات واضحة ويبقى المسار الثالث الأكثر قدرة على تقليص فرص التوظيف الخارجي وحماية المصالح المشتركة لكن الوصول إلى هذا المسار يحتاج إلى قرارات عملية لا إلى بيانات دبلوماسية عامة بين الداخلية والخارجية والجانب الأردني وتبدأ بإعادة تفعيل قناة اتصال أمنية وسياسية مباشرة بين دمشق وعمان وتبادل المعلومات والتحقق من الحوادث قبل تحولها إلى أزمات وبناء آلية واضحة للتعامل مع التهريب والجرائم العابرة للحدود مع احترام سيادة البلدين وتحديد المسؤوليات كما يتطلب تعزيز قدرة المؤسسات الرسمية على ضبط الجنوب السوري ومنع تعدد المرجعيات الأمنية وإبقاء الخطاب السياسي والإعلامي بعيداً عن التصعيد الذي يغلق أبواب التراجع ويحوّل الخلاف الأمني إلى خصومة يصعب احتواؤها
إن المعركة الحقيقية ليست في تبادل الاتهامات ولا في تسجيل النقاط السياسية بل في منع تحول الحدود إلى ثغرة استراتيجية تستنزف البلدين وتمنح الآخرين فرصة توسيع نفوذهم فالأمن الأردني لا يتحقق باستدامة التوتر مع سوريا كما أن استقرار الجنوب السوري لا يمكن أن يقوم على تجاهل المخاوف الأردنية إسرائيل لا تحتاج إلى إشعال النار إذا كان خصومها سيتركونها تحترق وحدها وهذه ليست إدانة مسبقة لأي طرف بل تحذير من معادلة إقليمية قد يدفع ثمنها السوريون والأردنيون بينما يحصد نتائجها من يجيد استثمار الانقسامات إن القرار الأكثر قوة ليس توسيع دائرة الاشتباك بل إغلاق أبوابها قبل أن يتحول خلاف قابل للاحتواء إلى فخ استراتيجي. فحين تعجز الدول عن إدارة خلافاتها بالتنسيق تصبح أزماتها فرصاً لخصومها وحين تستعيد قدرتها على التعاون تحرم هؤلاء من أهم أوراق النفوذ: الفراغ والانقسام.







