
د. فاضل حسن شريف
في القرآن الكريم ايات متشابهات حيث فيها تختلف التفاسير ففي تفسير العرش “الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى” (طه 5) فالعرش موقع السلطة ومصداقه الكرسي ومن تفسيراته قوة الله وعلم الله وملك الله حتى بعض التفسيرات ذهبت الى كرسي مجسم. قال الامام الصادق عليه السلام (المحكم ما يعمل به والمتشابه ما اشتبه على جهله). ويقول الامام الرضا عليه السلام (من رد متشابه القرآن الى محكمه هدي الى صراط مستقيم). وقال علي عليه السلام عن القرآن (يشهد بعضه على بعض وينطق بعضه ببعض). لذلك الايات التي لا يعلم حقيقتها ترد لايات اخرى للوصول الى فهم هذه الايات. مثلا قوله تعالى “الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى” (طه 5) واية اخرى “وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا” (الفجر 22) عند ردهما الى قوله تعالى ” لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ” (الشورى 11) اصبح المفهوم ان الله ليس جسم كالانسان فأي شئ ليس كمثله. وجاء في الحديث الشريف (المحكم ما يؤمن به ويعمل به، والمتشابه ما يؤمن به ولا يعمل به).. وعند الالتباس فواجب المفسر ملاحظة الاحاديث الواردة في التفسير عن النبي وائمة اهل البيت عليهم السلام، ويأخذ بالاحاديث التي توافق القرآن الكريم ويطرح ما عداها.
جاء في التفسير الوسيط للدكتور محمد سيد طنطاوي: قوله سبحانه “ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ” (الرعد 2) معطوف على ما قبله، وهو دليل آخر على قدرة الله تعالى عن طريق الغائب الهائل الذي تتقاصر دونه المدارك بعد أن أقام الأدلة على ذلك عن طريق الحاضر المشاهد. الاستواء في اللغة يطلق على معان منها الاستقرار كما في قوله تعالى “وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ” (هود 44) أى: استقرت، وبمعنى الاستيلاء والقهر. وعرش الله تعالى مما لا يعلمه البشر إلا بالاسم كما يقول الراغب. وقد ذكر لفظ العرش في إحدى وعشرين آية، كما ذكر الاستواء على العرش في سبع آيات من القرآن الكريم. والمعنى: ثم استوى على العرش استواء يليق بذاته تعالى بلا كيف ولا انحصار ولا تشبيه ولا تمثيل، لاستحالة اتصافه سبحانه بصفات المحدثين. قال الإمام مالك رحمه الله: (الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة).
عن الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: جاء في الروايات الإسلامية أنّ حملة العرش في عالم الدنيا أربعة أشخاص أو أربع (مجاميع) إلّا أنّهم في يوم القيامة يكونون ضعف ذلك، كما نقرأ ذلك. في حديث عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنّه قال: (إنّهم اليوم أربعة، فإذا كان يوم القيامة أيّدهم اللّه بأربعة آخرين فيكونون ثمانية). أمّا ما يتعلّق بحقيقة العرش، و ماهية الملائكة، فذلك كما يلي: المقصود ب (العرش) كما هو واضح ليس تختا ممّا يكون للسلاطين، و لكنّه كما بيّنا سابقا في تفسير كلمة (العرش) بأنّها تعني (مجموعة عالم الوجود) حيث أنّه عرش حكومة اللّه سبحانه، و يدبّر حكومته تعالى من خلاله بواسطة الملائكة الذين هم جاهزون لتنفيذ أمره سبحانه. و جاء في رواية اخرى أنّ حملة العرش في يوم القيامة أربعة من الأوّلين، و أربعة من الآخرين، و الأشخاص الأوّلون الأربعة هم: (نوح) و (إبراهيم)، و (موسى)، و (عيسى)، أمّا الأشخاص الآخرون الأربعة فهم (محمّد) و (علي) و (الحسن)، و (الحسين). و هذا الحديث من الممكن أن يكون إشارة إلى مقام شفاعتهم للأوّلين و الآخرين، و الشفاعة- عادة- تكون لمن هم أهل لها، و ممّن لهم لياقة لنيلها، و مع ذلك فإنّه يوضّح المفهوم الواسع للعرش.
عن کتاب من هدى القرآن للسيد محمد تقي المدرسي: في الحديث المأثور عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه واله أنه قال (يَا بَا ذَرٍّ مَا السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ فِي الكُرْسِيِّ إِلَّا كَحَلْقَةٍ مُلْقَاةٍ فِي أَرْضِ فَلَاةٍ وَفَضْلُ العَرْشِ عَلَى الكُرْسِيِّ كَفَضْلِ الفَلَاةِ عَلَى تِلْكَ الحَلْقَةِ). أن العرش هو رمز القدرة والهيمنة، حيث فسرت الآية الكريمة “وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ” (هود 11)، بأنه سيطرته وهيمنته تعالى. أما الملائكة الذين يحملون العرش فإنهم وسائط رحمة الله، وتنفيذ إرادته في الحياة. وإلى ذلك تشير الرواية المأثورة عن الإمام الرضا عليه السلام (العَرْشُ لَيْسَ هُوَ اللهَ والعَرْشُ اسْمُ عِلْمٍ وقُدْرَةٍ). وفي حديث آخر عن الإمام الصادق عليه السلام أنه حين سئل عن قول الله عز وجل “وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ” (البقرة 255)، قال عِلمُهُ. ويحتمل قريباً أن يكون لربنا مقام معلوم حمله علمه وقدرته، ومنه ينطلق تدبيره للخليقة وهو عرشه، وفيه ملائكة الله المقربون. وما يهمنا معرفته أن حملة العرش خلق من خلق الله وليس أنصاف آلهة، وهم مشغولون بالتسبيح والتمجيد. وفي دعاء الامام زين العابدين عليه السلام في الصلاة عن حملة العرش قال: (وإِسْرَافِيلُ صَاحِبُ الصُّورِ، الشَّاخِصُ الَّذِي يَنْتَظِرُ مِنْكَ الإِذْنَ، وحُلُولَ الأَمْرِ، فَيُنَبِّهُ بِالنَّفْخَةِ صَرْعَى رَهَائِنِ القُبُورِ). قال رسول الله صلى الله عليه واله (خَلَقَ اللهُ الصُّورَ مِنْ لُؤْلُؤَةٍ بَيْضَاءَ فِي صَفَاءِ الزُّجَاجَةِ. ثُمَّ قَالَ: لِلْعَرْشِ خُذِ الصُّورَ فَتَعَلَّقْ بِهِ. ثُمَّ قَالَ: كُنْ. فَكَانَ إِسْرَافِيلَ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ الصُّورَ فَأَخَذَهُ وَبِهِ ثُقَبٌ بِعَدَدِ كُلِّ رُوحٍ مَخْلُوقَةٍ وَنَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ لَاتَخْرُجُ رُوحَانِ مِنْ ثَقْبٍ وَاحِدٍ، وَفِي وَسَطِ الصُّورِ كُوَّةٌ كَاسْتِدَارَةِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَإِسْرَافِيلُ وَاضِعٌ فَمَهُ عَلَى ذَلِكَ الكُوَّةِ. ثُمَّ قَالَ لَهُ الرَّبُّ تَعَالَى: قَدْ وَكَّلْتُكَ بِالصُّورِ فَأَنْتَ لِلنَّفْخَةِ وَلِلصَّيْحَةِ، فَدَخَلَ إِسْرَافِيلُ فِي مُقَدَّمِ العَرْشِ فَأَدْخَلَ رِجْلَهُ اليُمْنَى تَحْتَ العَرْشِ وَقَدَّمَ اليُسْرَى وَلَمْ يُطْرِفْ مُنْذُ خَلَقَهُ اللهُ يَنْظُرُ مَتَى يُؤْمَرُ بِهِ). قوله تعالى “ذُو الْعَرْشِ” (البروج 15) أي القوة والسيطرة. وقد تقدم أن للعرش أحد معان ثلاثة: الأول: المعنى المادي وهو أن العرش خلق عظيم واسع الحجم، ممتد الطول هائل المقام. الثاني: المعنى المعنوي بأن يكون العرش رمزا للقدرة والعلم والهيمنة. الثالث: أو أنه الإثنين معاً؛ خلق عظيم جعله الله محلًا للعلم المخلوق والمشيئة والتدبير. قوله تعالى “وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ” (الاعراف 137) من بنايات فخمة، وحدائق، وحقول، وتماثيل، وبالتالي دمر الله أموالهم المنقولة وغير المنقولة بسبب كفرهم، وهكذا ينتقم الله للحقيقة. يعرشون: يبنون، يقال عرش مكة أي بناؤها. هناك رزق إلهي يختلف عما ينبت من الزرع أو يجري من الضرع هو: العسل الذي هيأ الله النحل له، حيث ألهمه أن يبني بيوته السداسية الشكل، البارعة والبالغة الدقة، وذلك في كنف الجبال، أو في سوق الأشجار، أو في الأبنية “وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنْ اتَّخِذِي مِنْ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنْ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ” (النحل 68) وقال بعضهم أن العرش هو: الكروم التي تقام فوق ساباط مرتفع.
جاء في موقع العتبة الحسينية المقدسة عن تفسير سورة الفاتحة: والرحمن، فعلان صيغة مبالغة تدلّ على الكثرة، والرحيم فعيل صفة مشبّهة تدلّ على الثبات والبقاء ولذلك ناسب الرحمن ان يدلّ علي الرحمة الكثيرة المفاضة على المؤمن والكافر وهو الرّحمة العامّة، وعلى هذا المعنى يستعمل كثيراً في القرآن، قال تعالى: “الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى” (طه 5). وقال “قُلْ مَن كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا” (مريم 75). إلى غير ذلك، ولذلك أيضاً ناسب الرحيم أن يدلّ على النعمة الدّائمة والرّحمة الثّابتة الباقية الّتي تقاض على المؤمن كما قال تعالى: “وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا” (الاحزاب 43). وقال تعالى: “إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ” (التوبة 117). إلى غير ذلك، ولذلك قيل: ان الرّحمن عامّ للمؤمن والكافر والرّحيم خاصّ بالمؤمن. عن قوله تعالى “قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ” (المؤمنون 86) ذكر الحجة البلاغي ان السماوات السبع هي الافلاك السيارات السبع في الهيئة القديمة، وان فلك الثوابت هو الكرسي كما في اية الكرسي، وان الفلك الاطلس المدير على ما زعموا هو العرش في قوله تعالى في هذه الاية الشريفة.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله: خلقني الله نوراً تحت العرش قبل أن يخلق آدم عليه السلام باثني عشر ألف سنة، فلمّا أن خلق الله آدم سلام الله عليه ألقى النور في صلب آدم سلام الله عليه فأقبل ينتقل ذلك النور من صلب إلى صلب حتّى افترقنا في صلب عبدالله بن عبدالمطّلب وأبي طالب، فخلقني ربّي من ذلك النور لكنّه لا نبيّ بعدي. أخرج أبو بكر في الغيلانيات عن أبي أيوب: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ من بطنان العرش: يا أهل الجمع نكسوا رؤوسكم وغضّوا أبصاركم حتى تمر فاطمة بنت محمد على الصراط، فتمر مع سبعين ألف جارية من الحور العين كمر البرق. قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (فاطمة تحشر متعلقة بقائمة العرش وتطلب بثار ولدها). المصادر: ينابيع المودة للقندوزي ص 260 ط اسلامبول. ان الرحم وإن كانت بعيدة يلزم صلتها، لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه: لما أسري بي إلى السماء، رأيت رحماً معلقة بالعرش تشكو رحماً الى ربها، فقلت لها: كم بينك وبينها من أب؟ فقالت: نلتقي في أربعين أباً. عن الرضا عليه السلام قال: إن رحم آل محمد الائمة عليه السلام لمعلقة بالعرش تقول: اللهم صل من وصلني، واقطع من قطعني، ثم هذه جارية بعدها في أرحام المؤمنين، ثم تلا هذه الاية “واتقوا الله الذي تساءلون به والارحام” (النساء 1).


