نوفمبر 3, 2026
IMG_5064

استراتيجية التجفيف والإنهاك الداخلي للدول

بقلم الباحثة كنانة خلف الكردي

لم تعد الحروب الحديثة بحاجة إلى اجتياح العواصم كي تنتصر ولم يعد إسقاط الحكومات يتطلب بالضرورة تحريك الجيوش أو تدمير المدن فثمة حروب أكثر تعقيدا وأطول نفسا وأشد تأثيرا تدار من خلف الحدود عبر تجفيف الموارد وشل الاقتصاد واستنزاف المجتمعات حتى تتحول الحياة اليومية إلى معركة مفتوحة من أجل البقاء وهنا تتجلى استراتيجية التجفيف والإنهاك بوصفها إحدى أدوات الصراع الجيوسياسي التي تنقل المواجهة من ميادين القتال إلى تفاصيل المعيشة ومن استهداف مؤسسات الدولة إلى إضعاف قدرتها على الاستمرار

لقد شهدت طبيعة الصراعات الدولية تحولا جوهريا فلم تعد القوة تقاس فقط بحجم الترسانة العسكرية أو القدرة على السيطرة على الأرض بل باتت تقاس أيضا بالقدرة على التحكم في تدفقات الطاقة والتمويل والتجارة وسلاسل الإمداد والتكنولوجيا وشبكات الاتصال بالنظام المالي الدولي وأصبحت الأدوات الاقتصادية جزءا من منظومة الضغط السياسي والاستراتيجي التي يمكن توظيفها لتغيير حسابات الدول وتضييق خياراتها وإعادة تشكيل سلوكها الخارجي والداخلي

من الحسم العسكري إلى الاستنزاف طويل الأمد
عندما ترتفع كلفة المواجهة العسكرية المباشرة أو تصبح نتائجها غير مضمونة تتجه بعض القوى إلى استخدام أدوات الضغط الاقتصادي باعتبارها وسيلة أقل كلفة عسكرية وأكثر امتدادا زمنيا وتقوم هذه الاستراتيجية على تضييق منافذ التمويل وتعطيل التجارة ورفع تكاليف الاستيراد وتقليص فرص الاستثمار والحد من الوصول إلى التكنولوجيا والأسواق الدولية
ولا تكمن خطورة هذا النموذج في الضربة الأولى بل في تراكم آثاره فاضطراب العملة وتراجع الإنتاج وارتفاع الأسعار ونقص المواد الأولية وتراجع فرص العمل تتحول تدريجيا إلى حلقات مترابطة داخل أزمة اقتصادية يصعب احتواؤها بالحلول المؤقتة ومع مرور الوقت يصبح الزمن نفسه أداة ضغط حيث تتراجع قدرة الدولة على تمويل الخدمات العامة وتزداد كلفة إدارة الأزمات وتتقلص مساحة المناورة أمام صانع القرار

وبذلك تنتقل المواجهة من محاولة تحقيق انتصار عسكري سريع إلى استنزاف طويل الأمد يستهدف قدرة الدولة على الصمود والاستمرار

هندسة الصراع من الدولة إلى المجتمع

تكمن إحدى أخطر نتائج الحصار الاقتصادي في قدرته على إعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع فعندما تتراجع قدرة الأسر على تأمين الغذاء والدواء والطاقة والتعليم تتحول الأولويات الوطنية الكبرى إلى هموم معيشية يومية ويصبح المواطن منشغلا بتأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة بدلا من التفكير في التنمية والاستقرار والمستقبل
وفي هذه البيئة قد ينتقل الصراع من مواجهة عمودية بين الدولة والضغوط الخارجية إلى توترات أفقية داخل المجتمع نفسه حيث تتصاعد المنافسة على الموارد وتتسع الفجوات الاجتماعية وتزداد النزاعات المرتبطة بالاحتكار وتوزيع الخدمات والفرص
وتراهن بعض استراتيجيات الضغط على أن يؤدي تراكم المعاناة إلى تراجع الثقة بالمؤسسات واتساع الاحتقان الداخلي بما يضع الدولة أمام ضغوط متزامنة من الخارج والداخل لكن من الضروري التمييز بين المعاناة الشعبية الحقيقية وبين محاولات توظيفها سياسيا فليس كل احتجاج نتيجة تدخل خارجي وليس كل أزمة اقتصادية دليلا على وجود خطة حصار متعمدة إذ يمكن للفساد وسوء الإدارة وغياب الشفافية أن تضاعف آثار الضغوط الخارجية وتحولها إلى أزمة داخلية أكثر عمقا
وهنا تصبح المناعة المؤسسية عاملا حاسما في منع تحول الأزمة الاقتصادية إلى أزمة شرعية وثقة واستقرار

الاقتصاد بوصفه ساحة لتفكيك الدولة

قد تبقى الجسور والمصانع والطرق والمباني قائمة بينما تتراجع القدرة الفعلية على تشغيلها وإنتاج القيمة منها فالمؤسسات لا تعمل بالبنية المادية وحدها بل تحتاج إلى التمويل والطاقة والمواد الأولية والخبرات البشرية والتكنولوجيا وشبكات التبادل التجاري

وعندما تتعطل هذه العناصر يبدأ الانهيار الصامت حيث تتراجع الإنتاجية وتتآكل القدرة الشرائية وتتسع البطالة وتتقلص الاستثمارات وتفقد المؤسسات قدرتها على التخطيط طويل الأمد والأخطر من ذلك أن الأزمة قد تدفع الكفاءات العلمية والمهنية إلى الهجرة وتضعف الاستثمار في التعليم والصحة والبحث والتطوير

إن خسارة الإنسان تمثل إحدى أكثر نتائج الحصار تكلفة لأن إعادة بناء البنية التحتية قد تحتاج إلى أموال ووقت لكن إعادة بناء رأس المال البشري واستعادة الثقة الاجتماعية والمؤسسية تحتاج إلى سنوات طويلة من الاستقرار والعمل المتواصل

المتغير الجيوسياسي وتعدد أدوات الضغط

لم يعد الحصار الاقتصادي منفصلا عن بقية أدوات النفوذ الدولي بل أصبح يتداخل مع العقوبات المالية والضغوط الدبلوماسية والتحكم في مسارات الطاقة والتجارة والتأمين البحري والتكنولوجيا والاتصالات كما يمكن أن يترافق مع حملات إعلامية وحروب معلومات تستهدف التأثير في ثقة الأسواق والمستثمرين والمجتمعات

وفي عالم تتشابك فيه المصالح الاقتصادية لم تعد الدولة بحاجة إلى مواجهة عسكرية مباشرة كي تشعر بآثار الصراع فقد يؤدي تعطل ممر تجاري أو اضطراب سوق الطاقة أو تقييد التحويلات المالية إلى إحداث انعكاسات تتجاوز حدود الدولة المستهدفة وتصل إلى محيطها الإقليمي

وهذا يعني أن قدرة الدول على الصمود لم تعد مرتبطة بامتلاك الموارد وحدها بل بقدرتها على تنويع الشراكات وبناء شبكات اقتصادية بديلة وتطوير أدوات إدارة المخاطر والحد من الاعتماد المفرط على مورد واحد أو سوق واحدة أو قناة مالية واحدة

المناعة الاقتصادية ومسؤولية الدولة

إن مواجهة استراتيجية التجفيف والإنهاك لا تكون بالشعارات ولا بمجرد إعلان الاعتماد على الذات بل تحتاج إلى بناء منظومة اقتصادية قابلة للاستمرار وقادرة على التكيف مع الصدمات الخارجية والداخلية

ويبدأ ذلك بتحفيز الإنتاج المحلي ولا سيما الزراعة والصناعات التحويلية والصناعات الصغيرة والمتوسطة وتطوير البنية التحتية للطاقة والنقل والتخزين وتأمين الاحتياجات الاستراتيجية وتنويع مصادر الاستيراد والتصدير وفتح قنوات تعاون تجاري ومالي متعددة
لكن الاعتماد على الذات لا يعني الانغلاق الاقتصادي أو الانفصال عن الأسواق الدولية بل يعني امتلاك القدرة على التفاوض من موقع أقل هشاشة وتقليل نقاط الضعف التي يمكن استخدامها للضغط على القرار الوطني
وتبقى مكافحة الفساد والاحتكار والبيروقراطية شرطا أساسيا لنجاح أي استراتيجية اقتصادية لأن الدولة التي تعجز عن إدارة مواردها بعدالة وشفافية قد تتحول مؤسساتها الداخلية إلى مصدر إضافي للاستنزاف يفوق في أثره بعض الضغوط الخارجية

كما أن حماية الطبقات الهشة وضمان وصول الخدمات الأساسية وإعادة بناء شبكات التضامن الاجتماعي ليست إجراءات اجتماعية منفصلة عن الأمن الوطني بل تمثل جزءا أصيلا من منظومة الاستقرار والمناعة الداخلية

سورية واختبار استعادة المناعة الوطنية

تكتسب هذه المعادلة أهمية خاصة في الحالة السورية حيث لا يقتصر التحدي على تجاوز آثار الحرب والعقوبات وتراجع البنية الإنتاجية بل يمتد إلى إعادة بناء الدولة واستعادة الثقة بالمؤسسات وإعادة وصل الاقتصاد السوري بمحيطه الإقليمي والدولي

إن التعافي السوري لا يمكن اختزاله في رفع القيود الاقتصادية أو استعادة العلاقات التجارية والاستثمارية رغم أهمية هذه المسارات بل يتطلب بناء نموذج اقتصادي منتج يحمي المجتمع من الصدمات ويمنح الدولة قدرة حقيقية على إدارة مواردها واتخاذ قراراتها باستقلالية

وتحتاج سورية إلى استراتيجية متكاملة تقوم على إعادة تأهيل القطاع الزراعي والصناعي وتطوير البنية التحتية للطاقة والنقل وإعادة تنشيط المعابر والموانئ وتأمين بيئة قانونية واضحة للاستثمار وتوسيع الشراكات الاقتصادية مع الدول العربية والإقليمية والدولية على أساس المصالح المتبادلة

كما أن إعادة بناء الثقة لا تتحقق بمجرد تحسن المؤشرات الاقتصادية بل تحتاج إلى عدالة في توزيع الفرص ومكافحة الاحتكار وضمان الشفافية وتوفير المعلومات للمواطنين وإشراك الكفاءات الوطنية في صياغة السياسات العامة

فالدولة التي تستعيد قدرتها الإنتاجية وتحمي رأس مالها البشري وتؤسس لعلاقة متوازنة بين المؤسسات والمجتمع تقلل من قابلية اقتصادها للتحول إلى ساحة ضغط خارجي أو أزمة داخلية مستدامة

إن استراتيجية التجفيف والإنهاك لا تستهدف الاقتصاد باعتباره أرقاما ومؤشرات فحسب بل تستهدف قدرته على إبقاء الدولة والمجتمع في حالة توازن واستمرار وهي معركة لا تحسمها الشعارات ولا تكفي لمواجهتها ردود الفعل المؤقتة بل تحتاج إلى مؤسسات كفؤة واقتصاد منتج ومجتمع متماسك وقرار سياسي يمتلك القدرة على قراءة التحولات قبل أن تتحول إلى أزمات مستعصية

فالدولة لا تفقد قوتها فقط عندما تخسر معركة عسكرية بل قد تبدأ بفقدان قدرتها على الاستمرار عندما تتراجع قدرتها على حماية مواطنيها وتفقد مؤسساتها فاعليتها ويتحول الاقتصاد من أداة للتنمية والسيادة إلى مصدر دائم للهشاشة والارتهان

إن أخطر ما في الحصار ليس ما ينتزعه من موارد الدولة بل ما قد ينتزعه من ثقة المجتمع بقدرته على النهوض

ومن هنا فإن معركة السيادة في عالم اليوم لم تعد تبدأ عند الحدود وتنتهي عند خطوط التماس بل تبدأ من قدرة الدولة على حماية رغيف مواطنها وصون كرامته وتأمين احتياجاته وبناء اقتصاد لا يستطيع الآخرون تعطيل شرايينه بسهولة

فالدولة التي تحمي اقتصادها تحمي قرارها والتي تحمي مجتمعها تحمي مستقبلها أما الدولة التي تترك مواطنيها وحدهم في مواجهة طاحونة الأزمات فإنها تمنح الاستنزاف فرصة للتسلل من الاقتصاد إلى السياسة ومن السياسة إلى بنية الدولة ذاتها