
استراتيجية التجفيف والإنهاك الداخلي للدول
بقلم الباحثة كنانة خلف الكردي
لم تعد الحروب الحديثة بحاجة إلى اجتياح العواصم كي تنتصر ولم يعد إسقاط الحكومات يتطلب بالضرورة تحريك الجيوش أو تدمير المدن فثمة حروب أكثر تعقيدا وأطول نفسا وأشد تأثيرا تدار من خلف الحدود عبر تجفيف الموارد وشل الاقتصاد واستنزاف المجتمعات حتى تتحول الحياة اليومية إلى معركة مفتوحة من أجل البقاء وهنا تتجلى استراتيجية التجفيف والإنهاك بوصفها إحدى أدوات الصراع الجيوسياسي التي تنقل المواجهة من ميادين القتال إلى تفاصيل المعيشة ومن استهداف مؤسسات الدولة إلى إضعاف قدرتها على الاستمرار
لقد شهدت طبيعة الصراعات الدولية تحولا جوهريا فلم تعد القوة تقاس فقط بحجم الترسانة العسكرية أو القدرة على السيطرة على الأرض بل باتت تقاس أيضا بالقدرة على التحكم في تدفقات الطاقة والتمويل والتجارة وسلاسل الإمداد والتكنولوجيا وشبكات الاتصال بالنظام المالي الدولي وأصبحت الأدوات الاقتصادية جزءا من منظومة الضغط السياسي والاستراتيجي التي يمكن توظيفها لتغيير حسابات الدول وتضييق خياراتها وإعادة تشكيل سلوكها الخارجي والداخلي
من الحسم العسكري إلى الاستنزاف طويل الأمد
عندما ترتفع كلفة المواجهة العسكرية المباشرة أو تصبح نتائجها غير مضمونة تتجه بعض القوى إلى استخدام أدوات الضغط الاقتصادي باعتبارها وسيلة أقل كلفة عسكرية وأكثر امتدادا زمنيا وتقوم هذه الاستراتيجية على تضييق منافذ التمويل وتعطيل التجارة ورفع تكاليف الاستيراد وتقليص فرص الاستثمار والحد من الوصول إلى التكنولوجيا والأسواق الدولية
ولا تكمن خطورة هذا النموذج في الضربة الأولى بل في تراكم آثاره فاضطراب العملة وتراجع الإنتاج وارتفاع الأسعار ونقص المواد الأولية وتراجع فرص العمل تتحول تدريجيا إلى حلقات مترابطة داخل أزمة اقتصادية يصعب احتواؤها بالحلول المؤقتة ومع مرور الوقت يصبح الزمن نفسه أداة ضغط حيث تتراجع قدرة الدولة على تمويل الخدمات العامة وتزداد كلفة إدارة الأزمات وتتقلص مساحة المناورة أمام صانع القرار
وبذلك تنتقل المواجهة من محاولة تحقيق انتصار عسكري سريع إلى استنزاف طويل الأمد يستهدف قدرة الدولة على الصمود والاستمرار
هندسة الصراع من الدولة إلى المجتمع
تكمن إحدى أخطر نتائج الحصار الاقتصادي في قدرته على إعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع فعندما تتراجع قدرة الأسر على تأمين الغذاء والدواء والطاقة والتعليم تتحول الأولويات الوطنية الكبرى إلى هموم معيشية يومية ويصبح المواطن منشغلا بتأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة بدلا من التفكير في التنمية والاستقرار والمستقبل
وفي هذه البيئة قد ينتقل الصراع من مواجهة عمودية بين الدولة والضغوط الخارجية إلى توترات أفقية داخل المجتمع نفسه حيث تتصاعد المنافسة على الموارد وتتسع الفجوات الاجتماعية وتزداد النزاعات المرتبطة بالاحتكار وتوزيع الخدمات والفرص
وتراهن بعض استراتيجيات الضغط على أن يؤدي تراكم المعاناة إلى تراجع الثقة بالمؤسسات واتساع الاحتقان الداخلي بما يضع الدولة أمام ضغوط متزامنة من الخارج والداخل لكن من الضروري التمييز بين المعاناة الشعبية الحقيقية وبين محاولات توظيفها سياسيا فليس كل احتجاج نتيجة تدخل خارجي وليس كل أزمة اقتصادية دليلا على وجود خطة حصار متعمدة إذ يمكن للفساد وسوء الإدارة وغياب الشفافية أن تضاعف آثار الضغوط الخارجية وتحولها إلى أزمة داخلية أكثر عمقا
وهنا تصبح المناعة المؤسسية عاملا حاسما في منع تحول الأزمة الاقتصادية إلى أزمة شرعية وثقة واستقرار
الاقتصاد بوصفه ساحة لتفكيك الدولة
قد تبقى الجسور والمصانع والطرق والمباني قائمة بينما تتراجع القدرة الفعلية على تشغيلها وإنتاج القيمة منها فالمؤسسات لا تعمل بالبنية المادية وحدها بل تحتاج إلى التمويل والطاقة والمواد الأولية والخبرات البشرية والتكنولوجيا وشبكات التبادل التجاري
وعندما تتعطل هذه العناصر يبدأ الانهيار الصامت حيث تتراجع الإنتاجية وتتآكل القدرة الشرائية وتتسع البطالة وتتقلص الاستثمارات وتفقد المؤسسات قدرتها على التخطيط طويل الأمد والأخطر من ذلك أن الأزمة قد تدفع الكفاءات العلمية والمهنية إلى الهجرة وتضعف الاستثمار في التعليم والصحة والبحث والتطوير
إن خسارة الإنسان تمثل إحدى أكثر نتائج الحصار تكلفة لأن إعادة بناء البنية التحتية قد تحتاج إلى أموال ووقت لكن إعادة بناء رأس المال البشري واستعادة الثقة الاجتماعية والمؤسسية تحتاج إلى سنوات طويلة من الاستقرار والعمل المتواصل
المتغير الجيوسياسي وتعدد أدوات الضغط
لم يعد الحصار الاقتصادي منفصلا عن بقية أدوات النفوذ الدولي بل أصبح يتداخل مع العقوبات المالية والضغوط الدبلوماسية والتحكم في مسارات الطاقة والتجارة والتأمين البحري والتكنولوجيا والاتصالات كما يمكن أن يترافق مع حملات إعلامية وحروب معلومات تستهدف التأثير في ثقة الأسواق والمستثمرين والمجتمعات
وفي عالم تتشابك فيه المصالح الاقتصادية لم تعد الدولة بحاجة إلى مواجهة عسكرية مباشرة كي تشعر بآثار الصراع فقد يؤدي تعطل ممر تجاري أو اضطراب سوق الطاقة أو تقييد التحويلات المالية إلى إحداث انعكاسات تتجاوز حدود الدولة المستهدفة وتصل إلى محيطها الإقليمي
وهذا يعني أن قدرة الدول على الصمود لم تعد مرتبطة بامتلاك الموارد وحدها بل بقدرتها على تنويع الشراكات وبناء شبكات اقتصادية بديلة وتطوير أدوات إدارة المخاطر والحد من الاعتماد المفرط على مورد واحد أو سوق واحدة أو قناة مالية واحدة
المناعة الاقتصادية ومسؤولية الدولة
إن مواجهة استراتيجية التجفيف والإنهاك لا تكون بالشعارات ولا بمجرد إعلان الاعتماد على الذات بل تحتاج إلى بناء منظومة اقتصادية قابلة للاستمرار وقادرة على التكيف مع الصدمات الخارجية والداخلية
ويبدأ ذلك بتحفيز الإنتاج المحلي ولا سيما الزراعة والصناعات التحويلية والصناعات الصغيرة والمتوسطة وتطوير البنية التحتية للطاقة والنقل والتخزين وتأمين الاحتياجات الاستراتيجية وتنويع مصادر الاستيراد والتصدير وفتح قنوات تعاون تجاري ومالي متعددة
لكن الاعتماد على الذات لا يعني الانغلاق الاقتصادي أو الانفصال عن الأسواق الدولية بل يعني امتلاك القدرة على التفاوض من موقع أقل هشاشة وتقليل نقاط الضعف التي يمكن استخدامها للضغط على القرار الوطني
وتبقى مكافحة الفساد والاحتكار والبيروقراطية شرطا أساسيا لنجاح أي استراتيجية اقتصادية لأن الدولة التي تعجز عن إدارة مواردها بعدالة وشفافية قد تتحول مؤسساتها الداخلية إلى مصدر إضافي للاستنزاف يفوق في أثره بعض الضغوط الخارجية
كما أن حماية الطبقات الهشة وضمان وصول الخدمات الأساسية وإعادة بناء شبكات التضامن الاجتماعي ليست إجراءات اجتماعية منفصلة عن الأمن الوطني بل تمثل جزءا أصيلا من منظومة الاستقرار والمناعة الداخلية
سورية واختبار استعادة المناعة الوطنية
تكتسب هذه المعادلة أهمية خاصة في الحالة السورية حيث لا يقتصر التحدي على تجاوز آثار الحرب والعقوبات وتراجع البنية الإنتاجية بل يمتد إلى إعادة بناء الدولة واستعادة الثقة بالمؤسسات وإعادة وصل الاقتصاد السوري بمحيطه الإقليمي والدولي
إن التعافي السوري لا يمكن اختزاله في رفع القيود الاقتصادية أو استعادة العلاقات التجارية والاستثمارية رغم أهمية هذه المسارات بل يتطلب بناء نموذج اقتصادي منتج يحمي المجتمع من الصدمات ويمنح الدولة قدرة حقيقية على إدارة مواردها واتخاذ قراراتها باستقلالية
وتحتاج سورية إلى استراتيجية متكاملة تقوم على إعادة تأهيل القطاع الزراعي والصناعي وتطوير البنية التحتية للطاقة والنقل وإعادة تنشيط المعابر والموانئ وتأمين بيئة قانونية واضحة للاستثمار وتوسيع الشراكات الاقتصادية مع الدول العربية والإقليمية والدولية على أساس المصالح المتبادلة
كما أن إعادة بناء الثقة لا تتحقق بمجرد تحسن المؤشرات الاقتصادية بل تحتاج إلى عدالة في توزيع الفرص ومكافحة الاحتكار وضمان الشفافية وتوفير المعلومات للمواطنين وإشراك الكفاءات الوطنية في صياغة السياسات العامة
فالدولة التي تستعيد قدرتها الإنتاجية وتحمي رأس مالها البشري وتؤسس لعلاقة متوازنة بين المؤسسات والمجتمع تقلل من قابلية اقتصادها للتحول إلى ساحة ضغط خارجي أو أزمة داخلية مستدامة
إن استراتيجية التجفيف والإنهاك لا تستهدف الاقتصاد باعتباره أرقاما ومؤشرات فحسب بل تستهدف قدرته على إبقاء الدولة والمجتمع في حالة توازن واستمرار وهي معركة لا تحسمها الشعارات ولا تكفي لمواجهتها ردود الفعل المؤقتة بل تحتاج إلى مؤسسات كفؤة واقتصاد منتج ومجتمع متماسك وقرار سياسي يمتلك القدرة على قراءة التحولات قبل أن تتحول إلى أزمات مستعصية
فالدولة لا تفقد قوتها فقط عندما تخسر معركة عسكرية بل قد تبدأ بفقدان قدرتها على الاستمرار عندما تتراجع قدرتها على حماية مواطنيها وتفقد مؤسساتها فاعليتها ويتحول الاقتصاد من أداة للتنمية والسيادة إلى مصدر دائم للهشاشة والارتهان
إن أخطر ما في الحصار ليس ما ينتزعه من موارد الدولة بل ما قد ينتزعه من ثقة المجتمع بقدرته على النهوض
ومن هنا فإن معركة السيادة في عالم اليوم لم تعد تبدأ عند الحدود وتنتهي عند خطوط التماس بل تبدأ من قدرة الدولة على حماية رغيف مواطنها وصون كرامته وتأمين احتياجاته وبناء اقتصاد لا يستطيع الآخرون تعطيل شرايينه بسهولة
فالدولة التي تحمي اقتصادها تحمي قرارها والتي تحمي مجتمعها تحمي مستقبلها أما الدولة التي تترك مواطنيها وحدهم في مواجهة طاحونة الأزمات فإنها تمنح الاستنزاف فرصة للتسلل من الاقتصاد إلى السياسة ومن السياسة إلى بنية الدولة ذاتها





