نوفمبر 4, 2026
LOGO

د. فاضل حسن شريف

عن التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله عز وجل “قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ۖ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۖ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ” (هود 46) “قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ”أي ذو عمل غير صالح.. يقول اللَّه جلت عظمته لنوح جوابا له عن سؤاله في شأن ولده، يقول له: لقد أمرتك أن تحمل أهلك في السفينة إلا من أنهاك عن حمله، وما نهيتك عن حمل أحد منهم لحكمة اقتضت ذلك، ولكن سبقت مشيئتي أن يكون ابنك من المغرقين، لأنه ليس من أهلك بسبب عمله غير الصالح، فإن أهل الأنبياء هم المتقون الصالحون، وان بعد النسب، وان أعداءهم العاصون، وان قرب النسب.. ويؤكد إرادة هذا المعنى قوله تعالى في الآية 68 من سورة آل عمران: “إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ” (آل عمران 68) ومنه أخذ الإمام علي قوله: “ان ولي محمد من أطاع اللَّه، وان بعدت لحمته، وان عدو محمد من عصى اللَّه، وان قربت قرابته”. وقال الشاعر: كانت مودة سلمان لهم رحما * ولم تكن بين نوح وابنه رحم.

قدم الامام الرضا عليه السلام في احتجاجه على اصطفاء العترة كما جاء في کتاب حياة الإمام الرضا للشيخ باقر شريف القرشي: وقالوا جميعا: (من أين قلت: يا أبا الحسن؟). وأخذ الامام يتلو عليهم فضل العترة الطاهرة قائلا: ” من قول الله: “لقد ارسلنا نوحا وابراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون” (الحديد 26) فصارت وراثة النبوة والكتاب في المهتدين دون الفاسقين، أما علمتم أن نوحا سأل ربه فقال: “رب إن ابني من أهلي وان وعدك الحق” (هود 40) وذلك ان الله وعده أن ينجيه وأهله، فقال له تبارك وتعالى: “إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم إني اعظك أن تكون من الجاهلين” (هود 46) وتميز المأمون غضبا وغيظا قائلا: (هل فضل الله العترة على سائر الناس ؟). وبادر الامام قائلا: ” إن الله العزيز الجبار فضل العترة على سائر الناس في محكم كتابه.. “. وراح المأمون يقول: (اين ذلك من كتاب الله). وانبرى الامام يتلو عليه كوكبة من الآيات الكريمة التي أشادت بفضل أهل البيت عليهم السلام قائلا: (“ان الله اصطفى آدم ونوحا وآل ابراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض” (ال عمران 32). وقال الله في موضع آخر: “أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل ابراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيم” (النساء 57). ثم رد المخاطبة في أثر هذا إلى سائر المسلمين فقال: “يا أيها الذين آمنوا اطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم” (النساء 59) يعني الذين أورثهم الكتاب والحكمة، وحسدوا عليهما بقوله: “أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل ابراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيم” (النساء 57) يعني الطاعة للمصطفين الطاهرين، والملك ها هنا الطاعة لهم).

وعن الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله عز وجل “قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ۖ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۖ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ” (هود 46) ولكنّه سمع الجواب مباشرة جواب يهزّ هزاً كما أنّه يكشف عن حقيقة كبيرة.. حقيقة أنّ الرّباط الديني أسمى من رباط النسب والقرابة “قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ” (هود 46).

الامام الجواد عليه السلام لكثرة جوده على طول حياته فاتحد الجود به فأصبح هو الجواد. وهنالك أمثلة قرآنية فابن نوح عليه السلام الضال لقب عمل غير صالح “وَنَادَىٰ نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ۖ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۖ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46)” (هود 45-46) لان اعماله كانت غير صالحة على طول حياته. و مريم عليها السلام “فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا” (ال عمران 37) لان مريم ذاتها صالحة على طول حياتها فتقبلها الله تعالى بقبول حسن. ان اتحاد الصفة مع الشخص تصبح مقام له. الجود أعلى مرتبة للعطاء والكرم. الجود عطاء بدون رد “وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا” (النساء 32). الله تعالى أعلم بتواصل العبد معه، فالصلاة والدعاء نوع من أنواع التواصل مع الله تعالى وكما جاء في الرواية (الله أشد فرحًا بتوبة عبده من أحدكم). العطاء يجب أن يكون بدون من “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ” (البقرة 264). بعض الاباء يمنون على أهلهم بالعطاء فهذا مما يفسد العطاء “قوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى” (البقرة 263). الجود هو عطاء بدون مسألة. فالله عز وجل هو الجواد يعطي كل شيء بدون من “وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً” (لقمان 20) و “وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ” (النحل 78). وأجود ما اعطى الله تعالى للناس هو محمد وآل محمد عليهم السلام فهو عطاء لا ينضب. ان ديننا نصل به الى الله تعالى عن طريق أهل البيت عليهم السلام. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما بال أقوام إذا ذكر عندهم آل إبراهيم فرحوا واستبشروا، وإذا ذكر عندهم آل محمد اشمأزت قلوبهم، والذي نفس محمد بيده لو أن عبداً جاء يوم القيامة بعمل سبعين نبياً ما قبل الله ذلك منه حتى يلقاه بولايتي وولاية أهل بيتي.

عن الحضيني رحمه الله: عن محمّد بن عبد الحميد البزّاز وأبي الحسين بن مسعود الفراتي، قالا جميعاً وقد سألتهم في مشهد سيّدنا أبي عبد اللّه الحسين عليه السلام بكربلاء عن جعفر، وما جرى في أمره بعد غيبة سيّدنا أبي الحسن علي وأبي محمّد الحسن الرضا عليهم السلام، وما ادّعاه له جعفر وما فعل. فحدّثوني بجملة أخباره: أنّ سيّدنا أبا الحسن عليه السلام كان يقول لهم: تجنّبوا ابني جعفر، أما إنّه ابني مثل حام من نوح الذي قال اللّه جلّ من قائل فيه: فقال: “رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي” (هود 45) الآية. فقال له اللّه: “يَنُوحُ إِنَّهُ و لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ و عَمَلٌ غَيْرُ صَلِح” (هود 46). وإنّ أبا محمّد عليه السلام كان يقول لنا بعد أبي الحسن عليه السلام: اللّه اللّه أن يظهر لكم أخي جعفر على سرّ، فواللّه ما مثلي ومثله إلاّ مثل هابيل وقابيل ابني آدم، حيث حسد قابيل لهابيل على ما أعطاه اللّه لهابيل من فضله فقتله، ولو تهيّأ لجعفر قتلي لفعل، ولكنّ اللّه غالب على أمره.