نوفمبر 4, 2026
IMG_4502

بقلم الباحثة كنانة خلف الكردي

فوضى الهواجس الإعلامية وتصدع الجغرافيا السياسية
لم تعد الدول تسقط بالضرورة حين تخسر معركة عسكرية أو تفقد جزءا من أراضيها بل قد تبدأ نهايتها حين تفقد قدرتها على تفسير ما يحدث حولها وحين يتحول وعي مواطنيها إلى ساحة مفتوحة تتنازعها الروايات والمعلومات المضللة ومراكز التأثير العابرة للحدود ففي عالم تتراجع فيه الحدود التقليدية أمام سطوة التكنولوجيا لم تعد السيطرة على الأرض وحدها معيار القوة بل أصبحت السيطرة على المعلومة وتوجيه الإدراك الجمعي وإدارة الخوف أدوات لا تقل خطورة عن الجيوش والصواريخ وهنا تكمن المفارقة الكبرى في صراعات العصر الحديث إذ قد تنجح دولة في حماية حدودها عسكريا بينما تعجز عن حماية مجتمعها من التفكك النفسي والسياسي والإعلامي.

إن ما تشهده الجغرافيا السياسية المعاصرة يكشف عن انتقال نوعي في طبيعة الصراع من المواجهة المباشرة إلى هندسة البيئات الداخلية للدول وإعادة تشكيل مواقف مجتمعاتها تجاه السلطة والهوية والمستقبل. فلم تعد الحرب الإعلامية مجرد وسيلة مرافقة للعمليات العسكرية بل أصبحت أحيانا ساحة مستقلة تسبق المواجهة وتحدد شروطها وتعيد توزيع موازين القوة قبل أن تبدأ المعركة الفعلية. وتعمل هذه البيئة من خلال تدفق كثيف للمعلومات المتناقضة وتسريب المعطيات وتضخيم الأزمات وإنتاج الشائعات واستثمار المخاوف الاجتماعية والاقتصادية بما يؤدي إلى إضعاف الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة وبين مكونات المجتمع بعضها مع بعض.

والأخطر أن هذه الفوضى لا تحتاج دائما إلى جهة واحدة تديرها بصورة مركزية فقد تنتجها شبكة متداخلة من المصالح السياسية والاقتصادية والإعلامية والمنصات الرقمية والفاعلين غير الحكوميين. وهنا تصبح الحقيقة نفسها موضع تنازع ويجد المواطن نفسه أمام روايات متعددة لا يستطيع التحقق من مصادرها أو التمييز بين الخبر والتحريض والتحليل والتوجيه. وعندما تفقد المجتمعات قدرتها على بناء تصور مشترك للواقع يصبح اتخاذ القرار السياسي أكثر صعوبة وتتحول الاختلافات الطبيعية إلى انقسامات حادة قابلة للاستثمار الخارجي.

وفي البعد السيبراني تتضاعف المخاطر لأن البنية الرقمية للدول باتت جزءا أساسيا من أمنها القومي. فالقطاعات المالية والاتصالات والطاقة والنقل والخدمات الحكومية تعتمد على منظومات مترابطة يمكن أن تتحول إلى أهداف لهجمات تستهدف تعطيل الوظائف الحيوية أو سرقة البيانات أو التأثير في القرار العام. ولا تقتصر خطورة هذه الهجمات على الخسائر التقنية المباشرة بل تمتد إلى آثارها السياسية والنفسية حين يشعر المجتمع بأن مؤسساته عاجزة عن حماية مصالحه وأن الدولة لا تملك السيطرة الكاملة على بنيتها الحيوية.

ومن هنا تتضح العلاقة بين الحرب السيبرانية والحرب الإعلامية فالهجوم الرقمي قد ينتج أزمة حقيقية بينما تتولى الحملات الإعلامية تضخيم آثارها وتوجيه تفسيرها وتحويلها إلى أزمة ثقة عامة. وقد يحدث العكس أيضا حين تصنع حملة تضليل حالة من الذعر تدفع إلى قرارات متسرعة أو استجابات غير متوازنة تفتح المجال أمام اضطرابات أوسع. وبذلك تتشكل دائرة متبادلة بين الاختراق والتضليل والضغط الاقتصادي والتوتر الاجتماعي تجعل الدولة مستنزفة في أكثر من اتجاه.

أما على مستوى الشرق الأوسط فإن خطورة هذا التحول ترتبط بطبيعة المنطقة التي تتقاطع فيها مشاريع النفوذ الإقليمي والدولي مع هشاشة بعض المؤسسات وتراكم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية. فالجغرافيا لم تعد مجرد حدود وممرات وموارد بل أصبحت فضاء تتنافس داخله القوى على التحكم في السرديات السياسية وتحديد صورة الدول ومواقعها في النظام الإقليمي. ويصبح توظيف الانقسامات الداخلية والمخاوف الهوياتية والأزمات المعيشية وسيلة لإضعاف قدرة الدول على بناء سياسات مستقلة وحماية مصالحها الاستراتيجية.

وفي الحالة السورية تحديدا تكتسب هذه المسألة أهمية مضاعفة لأن بناء الدولة لا يقتصر على إعادة تنظيم المؤسسات الأمنية والإدارية أو استعادة السيطرة على الجغرافيا بل يتطلب أيضا استعادة الثقة العامة وتوحيد المجال الوطني للمعلومات وإغلاق المساحات التي تتحول فيها الشائعات إلى بديل عن الحقائق. فسورية التي خرجت من سنوات طويلة من الصراع لا تستطيع تحمل حرب جديدة على وعي مجتمعها ولا يمكنها بناء استقرار مستدام في ظل تعدد الروايات المتصارعة وتضارب الخطاب الرسمي وضعف الاتصال المؤسسي مع المواطنين. إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الدولة الجديدة هو أن تنجح في استعادة مؤسساتها بينما تظل عاجزة عن بناء الثقة بها.

واستشرافيا فإن المرحلة المقبلة مرشحة لتشهد تصاعدا في توظيف الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق وتحليل البيانات الضخمة في التأثير على المجتمعات وصناعة الأزمات وتوجيه الرأي العام. وستصبح القدرة على التحقق من المعلومات وسرعة الاستجابة للأحداث وحماية البيانات الوطنية عناصر أساسية في معادلة الأمن القومي. ولن تكون الدول الأكثر امتلاكا للتكنولوجيا هي بالضرورة الأكثر أمنا بل تلك التي تستطيع دمج التكنولوجيا في مؤسسات قوية تمتلك الحوكمة والشفافية والكفاءة والقدرة على إدارة المخاطر.

إن مواجهة هذه التحولات تتطلب الانتقال من سياسة رد الفعل إلى استراتيجية استباقية تقوم على بناء منظومة وطنية للأمن المعلوماتي والاستشراف الاستراتيجي وتطوير القدرات السيبرانية وحماية البنية التحتية الحيوية وإنشاء آليات مهنية للتحقق من المعلومات وإدارة الأزمات. كما تتطلب إعلاما وطنيا مستقلا ومسؤولا لا يتحول إلى أداة للدعاية ولا يترك المجال العام فريسة للشائعات بل يقدم المعلومات الموثوقة ويعترف بالأخطاء ويعزز حق المجتمع في المعرفة.

وفي المحصلة فإن المعركة الحقيقية لم تعد فقط على من يملك الأرض أو السلاح أو الموارد بل على من يمتلك القدرة على تعريف الحقيقة وتوجيه الإدراك وصناعة القرار. والدولة التي لا تحمي وعي مجتمعها ستظل معرضة للاختراق مهما امتلكت من أدوات القوة التقليدية. فالجغرافيا السياسية لا تتصدع دائما بفعل تغيير الحدود بل قد تتصدع حين تفقد الشعوب ثقتها بمؤسساتها وحين يصبح الخوف أقوى من الحقيقة والانقسام أقوى من الهوية الوطنية. ولذلك فإن حماية الوعي لم تعد ترفا إعلاميا أو خيارا تقنيا بل أصبحت شرطا من شروط السيادة وبقاء الدولة في عالم باتت فيه المعلومة قادرة على إشعال الحروب قبل أن تتحرك الجيوش.