
د. فاضل حسن شريف
عن تفسير الميسر: قوله عز وجل “قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ۖ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۖ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ” (هود 46) نوح اسم علم. قال الله: يا نوح إن ابنك الذي هلك ليس من أهلك الذين وعدتك أن أنجيهم؛ وذلك بسبب كفره، وعمله عملا غير صالح، وإني أنهاك أن تسألني أمرًا لا علم لك به، إني أعظك لئلا تكون من الجاهلين في مسألتك إياي عن ذلك. وجاء في تفسير الجلالين لجلال الدين السيوطي: قوله عز وجل “قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ” إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ” فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ” إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ” (هود 46) “قال” تعالى “يا نوح إنه ليس من أهلك” الناجين أو من أهل دينك “إنه” أي سؤالك إياي بنجاته “عمل غير صالح” فإنه كافر ولا نجاة للكافرين وفي قراءة بكسر ميم عمل فعل ونصب غير فالضمير لابنه “فلا تسألنّ” بالتشديد والتخفيف “وما ليس لك به علم” من إنجاء ابنك “إني أعظك أن تكون من الجاهلين” بسؤالك ما لم تعلم.
مهما كانت درجة القربى مع نبي حتى ولو كان ابنه فان الله يحاسبه حسب عمله كما في حالة ابن النبي نوح”وَنَادَىٰ نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ * قَالَ سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ ۚ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ” (هود 42-43)، و”وَنَادَىٰ نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ” (هود 45-46).
وعن التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله تعالى “وَنَادَىٰ نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ” (هود 45) في الآية السابقة 40 أمر اللَّه نوحا أن يحمل أهله في السفينة إلا من ينهاه عن حمله منهم، ولم ينه اللَّه نوحا عن حمل ابنه، كما لم يأمره بحمله، بل سكت عن ذلك لحكمة هناك.. فظن نوح ان اللَّه سبحانه قد كتب النجاة إلى جميع أهله، سواء منهم الطائع والعاصي، ومن أجل هذا نادى ربه مستنجزا وعده في ابنه بحسب ظنه، لأنه من أهله. وتسأل: ان نوحا نبي، والنبي معصوم، فكيف يجوز عليه أن يظن خلاف الواقع؟. الجواب: ان الظن المخالف للواقع لا يضر بالعصمة إذا كان مجردا عن العمل، ولم يترتب عليه أي أثر في الخارج، لأنه يكون، والحال هذه، أشبه بالخيال يمر بالذهن ثم يزول، كأن لم يكن. وعلى فرض ان المعصوم أراد العمل بظنه المخالف للواقع فان اللَّه سبحانه يكشف له عنه، ويعصمه عن الوقوع في الخطأ. وأوضحنا ذلك عند تفسير الآية 105 من سورة النساء ج 2 ص 430.
وردت كلمة يعمل ومشتقاتها في القرآن الكريم: وَعَمِلُوا وَعَمِلَ تَعْمَلُونَ يَعْمَلُونَ أَعْمَالُنَا أَعْمَالُكُمْ أَعْمَالَهُمْ عَمِلَتْ الْعَامِلِينَ عَمَلَ عَامِلٍ يَعْمَلْ عَمَلُهُ عَمَلَهُمْ عَمِلُوا اعْمَلُوا فَنَعْمَلَ نَعْمَلُ وَالْعَامِلِينَ عَمَلَكُمْ عَمَلًا عَمَلِي أَعْمَلُ عَامِلُونَ أَعْمَالًا فَلْيَعْمَلْ تَعْمَلُ وَيَعْمَلُونَ وَاعْمَلُوا أَعْمَالٌ لِعَمَلِكُم وَتَعْمَلْ اعْمَلْ وَالْعَمَلُ عَمِلَتْهُ الْعَامِلُونَ عَمَلُكَ فَاعْمَلْ عَمِلْتُمْ وَيَعْمَلْ وَعَمَلِهِ عَامِلَةٌ. جاء في معاني القرآن الكريم: عمل العمل: كل فعل يكون من الحيوان بقصد، فهو أخص من الفعل (قال أبو هلال العسكري: والفرق بين الفعل والعمل: أن العمل إيجاد الأثر في الشيء. يقال: فلان يعمل الطين خزفا، ويعمل الخوص زنبيلا، والأديم سقاءا. ولا يقال: يفعل ذلك؛ لأن فعل الشيء عبارة عما وجد في حال كان قبلها مقدورا، سواء كان عن سبب أو لا. انظر: الفروق اللغوية ص 109 – 110)، لأن الفعل قد ينسب إلى الحيوانات التي يقع منها فعل بغير قصد، وقد ينسب إلى الجمادات، والعمل قلما ينسب إلى ذلك، ولم يستعمل العمل في الحيوانات إلا في قولهم: البقر العوامل، والعمل يستعمل في الأعمال الصالحة والسيئة، قال: “إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات” (البقرة 277)، “ومن يعمل من الصالحات” (النساء 124)، “من يعمل سوأ يجز به” (النساء/ 123)، “ونجني من فرعون وعمله” (التحريم/11)، وأشباه ذلك. “إنه عمل غير صالح” (هود 46)، “والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد” (في المطبوعة والمخطوطات: “والذين يعملون السيئات لهم عذاب شديد” وهذا خطأ والصحيح ما أثبتناه، وهي الآية 10 من سورة فاطر. والظاهر أن الخطأ من المؤلف نفسه لأنه استشهد به في مادة (عمل) (استدراك) )، وقوله تعالى: “والعاملين عليها (التوبة 60): هم المتولون على الصدقة، والعمالة: أجرته، وعامل الرمح: ما يلي السنان، واليعملة: مشتقة من العمل (اليعملة: الناقة).
يقول الشيخ جلال الدين الصغير: تكذيب نوح عليه السلام: ومنشأ هذه الشبهة التي ترى أن الله قد كذّب نوح عليه السلام هو الآية الكريمة “وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ” (هود 45-46)، ولا يكون التكذيب إلا نتيجة لعدم عصمته عن قول الكذب. كان جواب الاستجابة من نوح عليه السلام على هذا التذكير هو تأكيد الصيغة المستقبلية: “رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ” (هود 47)، ولو كانت استعاذته من أمر قد حصل لجاء الخطاب بصيغة الماضي، أي لقال: أعوذ بك مما سألت أو ما إلى ذلك.


