
واشنطن وتل أبيب عروش تترنح من الداخل بلا حروب خارجية
بقلم الباحثة كنانة خلف الكردي
لم تعد الحروب الخارجية وحدها قادرة على إسقاط الزعامات الكبرى ولم تعد قوة الجيوش ولا اتساع التحالفات ولا التفوق العسكري ضمانة كافية لاستمرار الحكومات في السلطة فالتاريخ السياسي يعيد إنتاج مفارقة أكثر خطورة وهي أن الدول التي تمتلك القدرة على التأثير في مصائر الآخرين قد تعجز عن حماية استقرارها الداخلي وأن العروش التي تبدو راسخة في حسابات القوة قد تبدأ بالاهتزاز من داخل مؤسساتها وشوارعها وصناديق اقتراعها وهذا ما يجعل واشنطن وتل أبيب أمام اختبار استراتيجي يتجاوز حدود الصراع الحزبي إلى سؤال أعمق يتعلق بمستقبل القيادة وطبيعة النظام السياسي وقدرته على احتواء الانقسام
في تل أبيب لا تبدو أزمة بنيامين نتنياهو مجرد خلاف عابر بين الحكومة والمعارضة بل تعكس أزمة أوسع في بنية الحكم الإسرائيلي وفي العلاقة بين المؤسسة السياسية والعسكرية والمجتمع فقد كشفت الحرب وما رافقها من تداعيات عن تصدعات عميقة في الثقة بالقيادة وعن تباينات حادة بشأن إدارة الأمن ومستقبل الصراع وكلفة المواجهات وحدود القوة العسكرية ولم يعد الخلاف مقتصرا على نتائج العمليات العسكرية بل امتد إلى المسؤولية السياسية والإخفاقات الاستراتيجية ومستقبل الائتلاف الحاكم وقدرة نتنياهو على الاحتفاظ بتماسك معسكره السياسي
الأخطر في المشهد الإسرائيلي أن الضغوط الداخلية لم تعد تتحرك في اتجاه واحد فالمعارضة تسعى إلى استثمار تراجع الثقة بالحكومة في حين تتصاعد الخلافات داخل الائتلاف نفسه وتتداخل الحسابات الانتخابية مع اعتبارات البقاء السياسي وتتعقد العلاقة بين القيادة السياسية والمؤسسة الأمنية والعسكرية وهذا يعني أن التحدي الذي يواجه نتنياهو لم يعد مرتبطا فقط بخصومه التقليديين بل أصبح مرتبطا بقدرته على منع تحول الخلافات المتراكمة إلى أزمة شرعية سياسية قد تفرض إعادة تشكيل المشهد الحزبي أو الذهاب إلى انتخابات مبكرة
ومن هنا يمكن قراءة مستقبل نتنياهو ضمن ثلاثة مسارات محتملة أولها استمرار الحكومة تحت ضغط التوازنات الائتلافية ومحاولات تأجيل المواجهة السياسية الداخلية وثانيها تفكك تدريجي للتحالف الحاكم نتيجة تضارب المصالح والحسابات الانتخابية وثالثها انتقال الأزمة إلى مرحلة إعادة إنتاج القيادة الإسرائيلية عبر انتخابات تعيد ترتيب مراكز القوة داخل الأحزاب والمؤسسات غير أن العامل الحاسم لن يكون مجرد سقوط حكومة أو بقاء رئيس وزراء بل طبيعة البديل السياسي وقدرته على تقديم إجابة مختلفة عن الأسئلة الأمنية والاستراتيجية التي كشفتها المرحلة الراهنة
أما في واشنطن فإن المشهد الأمريكي يكشف عن أزمة مختلفة في أدواتها لكنها لا تقل خطورة في نتائجها فالصراع بين الديمقراطيين والجمهوريين لم يعد مجرد تنافس على البرامج الانتخابية بل تحول إلى مواجهة حول تعريف السلطة وحدودها ومستقبل المؤسسات الدستورية وطبيعة العلاقة بين الرئاسة والكونغرس والقضاء والمجتمع وقد أصبحت شخصية دونالد ترامب محورا لانقسام سياسي واجتماعي واسع يتجاوز حدود المنافسة الحزبية التقليدية ليصل إلى صلب الهوية السياسية الأمريكية
لكن اختزال المشهد الأمريكي في محاولة الديمقراطيين إقصاء ترامب لا يكفي لفهم طبيعة الأزمة فالمسألة الأعمق تكمن في أن النظام الأمريكي يواجه اختبارا مؤسساتيا يتعلق بقدرته على إدارة الاستقطاب ومنع تحوله إلى شلل سياسي دائم فهناك تيارات داخل الحزبين ومؤسسات متعددة تمتلك أدوات التأثير والرقابة والمساءلة كما أن الناخب الأمريكي لم يعد يتحرك بالضرورة وفق الانتماءات الحزبية التقليدية بل باتت قضايا الاقتصاد والهجرة والهوية والأمن والسياسة الخارجية عوامل حاسمة في إعادة تشكيل خياراته الانتخابية
وتكمن المفارقة الأمريكية في أن القوة التي اعتادت تقديم نفسها بوصفها نموذجا للاستقرار المؤسسي تواجه اليوم تحديا داخليا يتعلق بمدى قدرة مؤسساتها على حماية قواعد المنافسة السياسية من التآكل فكلما اتسعت الهوة بين المعسكرات السياسية تراجعت مساحة التوافق الوطني وازدادت احتمالات تعطيل القرارات الكبرى وتحولت الانتخابات من وسيلة لتداول السلطة إلى اختبار متكرر لقدرة النظام على الحفاظ على تماسكه
وفي هذا السياق فإن مستقبل ترامب لا يتحدد فقط بحجم خصومه أو قوة قاعدته الشعبية بل بقدرته على إدارة التوازنات داخل الحزب الجمهوري والحفاظ على الشرعية السياسية والمؤسساتية لخياراته كما أن مستقبل الديمقراطيين لن يتوقف على قدرتهم على معارضته بل على امتلاك مشروع سياسي قادر على استعادة ثقة شرائح اجتماعية واسعة وتقديم بديل يتجاوز خطاب المواجهة إلى معالجة الأزمات التي تغذي الاستقطاب الأمريكي
وعند وضع واشنطن وتل أبيب في إطار تحليلي واحد تظهر حقيقة أكثر أهمية وهي أن الدولتين تواجهان أزمة في إدارة الداخل بالتزامن مع احتفاظهما بأدوات تأثير واسعة في الخارج وهذا التزامن يحمل تداعيات مباشرة على الشرق الأوسط لأن الاضطراب الداخلي في مراكز القرار لا يبقى محصورا داخل حدودها بل ينعكس على طبيعة التحالفات وعلى مستوى الالتزام بالسياسات الخارجية وعلى حسابات الردع والتفاوض وإدارة الأزمات
فإسرائيل التي تواجه تحديات سياسية وأمنية داخلية قد تجد نفسها أكثر ميلا إلى استخدام الملفات الخارجية لإعادة ترتيب أولوياتها الداخلية أو توظيف التهديدات الأمنية في تعزيز تماسك الائتلاف الحاكم بينما قد تدفع الضغوط السياسية الأمريكية واشنطن إلى إعادة تقييم بعض التزاماتها الخارجية أو تعديل أولوياتها الإقليمية وفقا لموازين الداخل الانتخابي والمؤسساتي وهذا لا يعني بالضرورة تراجعا فوريا في الدور الأمريكي أو تحولا جذريا في السياسة الإسرائيلية لكنه يفتح المجال أمام تفاوت أكبر بين الخطاب السياسي والقرار الاستراتيجي
ومن منظور استشرافي يمكن أن نشهد خلال المرحلة المقبلة ثلاثة تحولات متداخلة أولها تصاعد توظيف السياسة الخارجية في إدارة الأزمات الداخلية لدى القيادات التي تواجه ضغوطا سياسية متزايدة وثانيها اتساع الفجوة بين المصالح الاستراتيجية للدول والحسابات الانتخابية لقادتها وثالثها إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية وفقا لمدى استقرار مراكز القرار في واشنطن وتل أبيب وقدرة كل منهما على الالتزام بتعهداته السياسية والأمنية
أما بالنسبة إلى الشرق الأوسط فإن التحولات الداخلية في الدولتين تفتح نافذة لإعادة تقييم موازين القوة وفرص المناورة السياسية فالدول التي تدرك طبيعة التحول في مراكز القرار تستطيع بناء سياسات أكثر استقلالية وتوسيع خياراتها الدبلوماسية وتقليل الاعتماد على التوقعات الثابتة بشأن استمرار الحكومات والتحالفات لكن ذلك يتطلب قراءة دقيقة للفارق بين التغير في الأشخاص والتغير في العقائد الاستراتيجية فليس كل سقوط حكومة يعني تبدل السياسة وليس كل تغيير في القيادة يعني نهاية التحالفات القائمة
وهنا تبرز المسألة السورية بوصفها إحدى الساحات التي قد تتأثر مباشرة بهذه التحولات فاستقرار السياسة الأمريكية تجاه سوريا سيظل مرتبطا بتوازنات المؤسسات والمصالح الاستراتيجية وليس فقط بتوجهات الإدارة القائمة كما أن أي تغير في المشهد الإسرائيلي قد ينعكس على الحسابات الأمنية المتعلقة بالجنوب السوري والحدود ومفهوم الردع الإقليمي ولذلك فإن الرهان على تبدل الأشخاص وحده لا يكفي بل ينبغي بناء سياسة سورية تستند إلى المصالح الوطنية والقدرة المؤسسية وتعدد قنوات التواصل والتحرك الدبلوماسي واستثمار التحولات الدولية دون الارتهان لها
إن الدرس الاستراتيجي الأهم الذي تكشفه واشنطن وتل أبيب هو أن قوة الدولة لا تقاس فقط بما تمتلكه من سلاح ونفوذ وقدرة على فرض الوقائع خارج حدودها بل بقدرتها على إدارة تناقضاتها الداخلية والحفاظ على ثقة مجتمعها وتماسك مؤسساتها فالدولة التي تخسر معركتها في الداخل قد تجد نفسها مضطرة إلى إعادة حساباتها في الخارج مهما بلغت قوتها العسكرية والاقتصادية
قد لا تسقط العروش في واشنطن وتل أبيب بفعل حرب خارجية وقد لا يكون التغيير وشيكا أو حتميا لكن المؤكد أن مرحلة الحصانة السياسية المطلقة لم تعد قائمة وأن الداخل أصبح ساحة الصراع الأكثر حساسية والأكثر تأثيرا في مستقبل القيادات الكبرى فحين تتآكل الثقة وتتصدع التحالفات وتتحول المؤسسات إلى ساحات مواجهة يصبح الخطر الحقيقي كامنا في بنية الحكم نفسها لا على حدود الدولة
فالسؤال لم يعد من يستطيع إسقاط واشنطن أو تل أبيب من الخارج بل أيهما يستطيع إنقاذ تماسكه من الداخل قبل أن تتحول أزمته السياسية إلى تراجع استراتيجي يعيد رسم موقعه في النظام الدولي





