نوفمبر 5, 2026
مصطفي-عبد-القادر-أستاذ-جامعي

د. مصطفى عبدالقادر آكاديمي وأستاذ جامعي

تُشير التطورات الحقوقية والأممية المتسارعة خلال عام 2026 إلى تحول استراتيجي في ديناميات التعاطي الدولي مع ملف حقوق الإنسان في إيران؛ إذ تجاوزت أدوات الرفض الحقوقي الأطر التقليدية لتنطلق من داخل المعتقلات والسجون، مكرّسة نموذجاً فريداً من المقاومة المدنية السلمية التي فرضت ملف مناهضة القمع على الطاولة الدولية. إن اتساع نطاق حملة “ثلاثاءات لا للإعدام” لتصل إلى أروقة الأمم المتحدة والهيئات النقابية الدولية يُعبر عن مأزق بنيوي يواجه سياسات الضبط الأمني والرادع القضائي، حيث يتراجع الأثر الترهيبي للشيوع العقابي أمام تماسك شبكات التضامن الحقوقي الميداني والأممي.
كسر الاحتكار الرقابي: من داخل الزنازين إلى المنبر الأممي
تُجسد الإضرابات الدورية عن الطعام، التي يخوضها السجناء كل يوم ثلاثاء منذ أكثر من عامين وثمانية أشهر، قدرة عالية على الابتكار التكتيكي واستدامة الاحتجاج رغم بيئة الاحتجاز المتشددة. وفي تقريرها أمام اللجنة الثالثة للجمعية العامة للأمم المتحدة، سلطت المقررة الخاصة المعنية بحالة حقوق الإنسان في إيران، ماي ساتو، الضوء على هذا التحول البنيوي؛ إذ أكدت انسداد السبل القانونية للتعبير عن المعارضة الميدانية في الفضاء العام، مما نقل مركز الثقل الاحتجاجي إلى بنية السجون ذاتها. وتُثبت هذه المعطيات الصادرة عن آليات الرصد المستقلة أن الرفض المجتمعي والسياسي لسياسات الإعدام لم يعد مجرد رد فعل عابر، بل تحول إلى حراك أفقي متماسك يرتكز على قيم الكرامة الإنسانية والعدالة القانونية.
التضامن الدولي: تمدد شبكات الرصد والخبراء المستقلين
اتسعت دائرة التضامن الحقوقي الدولي مع الحملة عبر انضمام ثلة من المقررين والخبراء الأمميين؛ حيث أعلن المقرر الخاص المعني بحرية الرأي والتعبير ليوبولدو مالدونادو، والمقررة الخاصة المعنية بالحق في التجمع السلمي جينا روميرو، تضامنهما المعلن مع المطالب الشعبية والحقوقية للسجناء. وفي السياق ذاته، شددت المقررة الخاصة المعنية بالمدافعين عن حقوق الإنسان أندريا بولانوس فارغاس على خطورة المؤشرات الميدانية التي تسجل إعدام ما لا يقل عن 46 سجيناً سياسياً ومحتجاً منذ مارس 2026، مع استمرار المخاطر المحدقة بأكثر من 100 آخرين يواجهون الأحكام ذاتها. كما عكس انضمام شخصيات دولية بارزة، مثل أليكسيس أناجنوستاكيس رئيس لجنة حقوق الإنسان في نقابة المحامين الجنائيين الأوروبيين، والدكتور ديفيد آر. بويد، إضافة إلى ممثلي الفريق العامل المعني بحالات الاختفاء القسري كـ آنا لورينا ديلغاديو وأندريا برموديز فالديفيا، تحول الحركة من مبادرة فئوية داخل المعتقلات إلى ميثاق حقوقي عابر للحدود.
المواقف الرسمية: الانتقال من الإدانة إلى المساءلة الاستراتيجية
تجاوز الأثر التحليلي للحملة دوائر المنظمات غير الحكومية ليمتد إلى المواقف الدبلوماسية للدول الفاعلة؛ إذ يُعد البيان الرسمي الصادر عن مكتب حقوق الإنسان التابع لوزارة الخارجية الكندية مؤشراً على تبلور قناعة دولية بحتمية وقف الإعدامات التعسفية والإفراج عن المعتقلين. وتؤكد القراءة الاستراتيجية لهذه المواقف أن الاقتصار على بيانات التضامن اللفظي لم يعد كافياً لوقف التداعيات الجيوسياسية والحقوقية للأزمة؛ إذ تضغط الكيانات النيابية والدولية باتجاه تبني إجراءات ملزمة ومساءلة هيكلية تطال المؤسسات المسؤولة عن الانتهاكات، مما يضع آليات الضغط الدولي أمام اختبار حقيقي لمعالجة جذور الأزمة الإيرانية بدلاً من الاكتفاء بإدارة تداعياتها.
النتائج الاستراتيجية: إعادة رسم معادلة الضغط والمستقبل الحقوقي
تقود قراءة هذه التحركات المتزامنة إلى استنتاج مفاده أن الاستمرار في الاعتماد الحصري على أدوات الردع القسري لن يؤدي إلى تقويض المعارضة الحقوقية، بل يمدّها بزخم إقليمي ودولي واسع. إن النجاح في إبقاء ملف الإعدامات في صدارة جدول الأعمال الأممي، رغم الرقابة وتضييق المساحات العامة، يُظهر اختلال التوازن بين السلوك القضائي القائم والإرادة المجتمعية المتطلعة للحرية. ويبقى الرهان المتبادل بين استمرارية الحراك الحقوقي المنظم من جهة، ومدى استجابة المجتمع الدولي لتحويل التضامن إلى قرارات سياسية واقتصادية ضاغطة من جهة أخرى، هو المحدد الأساسي لمسار التحول الديمقراطي وصيانة حقوق الإنسان في إيران خلال المرحلة القادمة.