نوفمبر 2, 2026
سامي-خاطر

د. سامي خاطر آكاديمي وأستاذ جامعي

تظهر القراءة الاستراتيجية لنمط السلوك الأمني في إيران خلال المرحلة الحالية تحولاً جوهرياً في آليات إدارة الأزمات الداخلية لدى مركز القرار السياسي. ففي أعقاب موجات المتغيرات المتلاحقة التي شهدها الشارع الإيراني، تزايد اعتماد السلطة المركزية على تطبيق عقوبة الإعدام بوصفه أداة رئيسية لاستعادة التوازن الأمني وترسيخ قواعد الردع الداخلي. غير أن القراءة التحليلية للمخرجات الميدانية تشير إلى نشوء حالة من تراجع الفاعلية الاستراتيجية لهذه السياسة التقليدية، بعدما تحولت أدوات الترهيب المؤسسي إلى محفز هيكلي لنشوء أنماط جديدة من الاحتجاج المُنظّم داخل أجهزة السجون وخارجها.
هندسة القمع وتحدي استعادة الشرعية
تستند استراتيجية اللجوء المفرط إلى العقوبات القصوى إلى واقع بنيوي يتسم بمحدودية خيارات المعالجة السياسية أو الاقتصادية للأزمات المتراكمة. ووفقاً للبيانات والتقارير الصادرة عن المقررين الخاصين للأمم المتحدة ومنظمات الرصد الحقوقية المستقلة، تم تسريع وتيرة تنفيذ الأحكام الصادرة بحق المحتجين والسجناء السياسيين، حيث سُجّل إعدام ما لا يقل عن 46 سجيناً سياسياً منذ منتصف مارس 2026، مع بقاء أكثر من 100 آخرين تحت التهديد المباشر بالتنفيذ.
ويرى محللون في الشأن الإيراني أن هذا التكثيف الإجرائي يعكس رغبة حاسمة في قطع الطريق أمام إمكانية تبلور موجات اعتراضية جديدة. وقد حذّر المقرر الأممي الخاص ليوبولدو مالدونادو من أن النمط الراهن يحاكي المؤشرات البنيوية التي سبقت الأحداث الاستثنائية التي شهدتها السجون الإيرانية عام 1988، مما يعكس عمق الأزمة الأمنية التي تواجهها هياكل الحكم في التعامل مع أجيال ديموغرافية جديدة غير قابلة للاحتواء بالأدوات التقليدية.

“ثلاثاءات لا للإعدام”: إعادة تعريف الفعل الاحتجاجي
في مقابل التصعيد الحكومي، برزت حراك حركة “ثلاثاءات لا للإعدام” كنقطة تحول في التكتيكات الاعتراضية. فالحملة التي انطلقت كمبادرة إضراب عن الطعام داخل مرافق احتجاز محدودة مطلع عام 2024، امتدت هيكلياً لتشمل عشرات السجون في مختلف المحافظات الإيرانية. وتكمن الأهمية الجيو-سياسية لهذا التطور في تحول القمع في السجون من أداة لشل القدرة الفعلية للمعارضة إلى منصة مركزية للتنسيق والتحشيد العابر للمؤسسات.
ولم يعد هذا الحراك محصوراً في نطاق البنية الميدانية للداخل، بل نجح في بناء شبكات إسناد دولية حقوقية وقانونية. إذ أعلن مقررون أمميون بارزون، من بينهم المقررة المعنية بحرية التجمع جينا روميرو، والمقررة الخاصة ماي ساتو، إضافة إلى المقرر السابق ديفيد بويد، موقفاً متضامناً مع مطالب الحركة. وفي خطوة ذات دلالة سياسية وقانونية، أعلن رئيس لجنة حقوق الإنسان في رابطة المحامين الجنائيين الأوروبيين ألكسيس أناغنوستاكيس انضمامه للإضراب التضامني عن الطعام، مما يفرغ سياسة الترهيب الداخلي من محتواها عبر تدويل الملف الحقوقي وفرض تكاليف دبلومسية وسياسية باهظة على صانع القرار في طهران.
تقاطع الحركة المطلبية مع “وحدات المقاومة”
تُشير التقييمات الاستراتيجية للصادرة عن مراكز الأبحاث المستقلة إلى أن الخطورة الفعيلة التي تواجه النظام السياسي لا تكمن في الفعل الاحتجاجي الحقوقي المنفصل، بل في نقطة التقاطع الهيكلي بين هذا الحراك المناهض للإعدام وبين الأنشطة الميدانية المُنظّمة التي تقودها “وحدات المقاومة” المرتبطة بـ المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية ومنظمة مجاهدي خلق الإيرانية.
ومع تزايد الضغوط المعيشية وتزامن هذه التطورات مع المحطات الرمزية، مثل الذكرى السنوية لانتفاضة نوفمبر 2009، يتجلى خوف أجهزة التخطيط الأمني من تشكل كتلة حرجة اعتراضية يندمج فيها الغضب الاقتصادي مع التنظيم السياسي العابر للمدن. إن نجاح شبكات المعارضة في تحويل ضحايا سياسة الإعدام إلى رموز للتعبئة الشعبية يستنزف القوة الردعية للترهيب الأمني، ويضع السلطة أمام مأزق استراتيجي، فاستمرار الإعدامات يغذّي بؤر التوتر ويرفع كلفة العزلة الدولية، بينما التراجع عنها يُقرأ داخلياً بوصفه مؤشراً على انكسار الإرادة الأمنية وتراجع القدرة على ضبط الشارع.